ما بعد الأنبار: كيف سيكون مصير الموصل؟

مقال رأي

 عندما سقطت الرمادي في يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يوم 17 مايو، اعتقد الكثيرون أنها نقطة تحول للحملة الدولية في العراق، لتعيد توجيه الحرب غربا نحو محافظة الأنبار وبعيدا عن معقل داعش في الموصل، شمالي العراق. إلا أن ذلك التحول نحو الأنبار تم الاعداد له منذ عدة أشهر، وكان سقوط الرمادي، الواقعة في الطرف الشرقي للأنبار، وسيلة داعش لتسديد لكمة إلى التحالف.

مواجهة حاسمة في الأنبار

منذ 2 أبريل، عندما طرد داعش من تكريت، وهي مدينة سنية بين الموصل وبغداد، أدرك التنظيم أنه في انتظار هجوم حكومي في الأنبار. أكدت المعركة القاسية في تكريت (وهي مدينة تصل مساحتها إلى عشر مساحة الموصل)، والتي استمرت لحوالي 45 يوم وخلفت مئات القتلى، حقيقة أن الحكومة لن تتمكن على الأرجح من استعادة الموصل وإنهاء الحرب ضد داعش في أي وقت قريب، بسبب الطرح البطيء لوحدات قوات الأمن العراقية الجديدة ذات التسليح الأمريكي، لذلك فإنها ستسعى إلى مواقع أخرى.

لم تكن مفاجئة إذن، في 8 أبريل، عندما ذهب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى قاعدة الحبانية، وهي نفس القاعدة العسكرية بالأنبار التي تعمل الآن كمنصة انطلاق لاستعادة الرمادي، وقال: "الآن نتجه إلى الغرب". كان العبادي يبدأ تحديا في الأنبار.

استغل العبادي زيارته لجذب المتطوعين العرب السنة إلى وحدات الحشد الشعبي (الشيعية بشكل رئيسي). فمع الدفعة العابرة التي حصل عليها في العاصمة السياسية بعد انتصار تكريت، أراد العبادي أن يحول وحدات الحشد الشعبي إلى قوات مشتركة الطوائف، والتي قد تخدم أهداف وطنية بدلا من أهداف خصوم العبادي السياسيين، وهم القادة المدعومين من إيران على رأس الكثير من وحدات الحشد الشعبي، والذين كتبت عنهم في مقالي الأخير لموقع "فورين أفيرز"، "ما بعد تكريت".

في لقاءات مع مسؤولين سياسيين أمريكيين ومسؤولين بوزارة الدفاع الأمريكية بالعاصمة واشنطن في منتصف أبريل، أكد العبادي على التحول نحو محور الأنبار. فقد اتفق العبادي والمسؤولون الأمركيين على إعطاء الأولوية للمحافظة على الموصل، كوسيلة لإحراز انتصارات على المدى القريب بالقوات المتاحة الآن في العراق، بالإضافة إلى تجربة نوع التعاون الحكومي السني الذي سيكون ضروريا لتحرير وحكم المناطق السنية.

وبالتالي، وبمجرد انتهاء معركة تكريت بشكل كامل، بدأت مجموعات كبيرة من القوات العراقية في التوجه غربا. فبدأت القوات الأمنية العراقية ووحدات الحشد الشعبي في 14 أبريل هجوما في حي الكرمة، حيث يلتقي أقصى شرق الأنبار ببغداد. وفي 2 مايو، تم نقل مركز القيادة المتقدم للكتيبة 16 الجديدة بالجيش العراقي – وهي أول كتيبة عاملة بالكامل تتخرج منذ سقوط الموصل – إلى الأنبار. بدأت الكتائب المقاتلة في التدفق إلى الأنبار في منتصف مايو، قبل سقوط الرمادي مباشرة.

في ذات الوقت، بدأت وحدات الحشد الشعبي الشيعية أيضا في توسيع عملياتها نحو الغرب من المدينة المقدسة شيعيا، كربلاء، والتي تقع على حدود الأنبار. كما احتلت وحدات الحشد الشعبي الشيعية البلدة الصحراوية المتقاطعة، النخيب، والتي تمثل معقلا للقبائل السنية، منذ أغسطس 2014 كوسيلة للحماية الوقائية لكربلاء. حيث نقلت المدينة، والتي خضعت لمراوغات إقليمية طويلة الأمد بين محافظتي الأنبار وكربلاء، إلى سلطة محافظة كربلاء ذات الهيمنة الشيعية في منتصف مايو لإكمال دمجها في الهيكل الدفاعي لمحافظة كربلاء.

عبر استقراء الوضع على الأرض، نجد أن قادة داعش قد انسحبوا لاحقا من جميع المحطات لتبليد الزخم العراقي شمالي تكريت وفي الأنبار. ففي 27 من أبريل، أصدر خليفة داعش أبو بكر البغدادي بيانا دعى فيه المقاتلين المقيمين في سوريا إلى الاندفاع نحو ميادين القتال في العراق، وتحديدا في محافظات صلاح الدين (حيث تقع تكريت) وفي الأنبار. ووفق ضباط الجيش العراقي، انقسمت 400 شاحنة من التعزيزات الخاصة بداعش بين ساحتي القتال.

بعد سقوط الرمادي في يد داعش يوم 17 مايو، تتوجه الأنظار الآن إلى الأنبار، مع تجمع قوات الهجوم المضاد المتشكلة من وحدات الحشد الشعبي، والجيش العراقي وتعزيزات الشرطة الفيدرالية القادمة من الاحتياطي الاستراتيجي الخاص بمدينة بغداد.

كل شيء هادئ على الجبهة الشمالية

قبل أسبوعين من ضربة داعش غير المتوقعة في الرمادي، أشار عدة مسؤولين بالحكومة الأمريكية لي بأن المعركة من أجل الموصل، والتي سيكون الانتصار فيها ضروريا لهزيمة داعش في العراق، تصبح أبعد. حيث يبدو أن التحرير غير مرجح في 2015 بشكل متزايد.

ويعود ذلك لأسباب وجيهة. فمنذ سيطرة داعش على الموصل العام الماضي، عزز التنظيم قاعدته هناك. فاجتياح داعش النشط في أواخر أبريل لمصفاة بيجي وحقل نفط الحمرين، وكلاهما على مفترق الطرق إلى الموصل، أسس حصنا أمام المزيد من التقدمات الحكومية نحو الموصل.

ولكن وراء تلك الأحداث توجد أسباب أكثر أهمية لتضاءل حماس الحكومة العراقية لخوض معركة الموصل. تعود تلك القصة إلى فترة مبكرة بعد تولي العبادي لمنصبه. ففي البدء، قررت حكومته أن تعطي أولوية لضربة قاضية في الموصل عن القتال الاستنزافي في الأنبار. وما رمز إلى قراراه كان اختياره لوزير الدفاع في أكتوبر 2014، فعندما واجه الاختيار بين سني من الموصل (خالد العبيدي) وسني من الأنبار (جابر الجبيري)، اختار العبادي الأخير بوضوح.

كانت القيادة الجديد للجيش العراقي ذات الرأس الموصلي متحمسة للغاية بشأن احتمالية إعادة السيطرة على الموصل في وقت سابق، خصوصا بعد إنقاذ القوات الفيدرالية بمصفاة بيجي في 18 نوفمبر 2014. ولكن حتى مع وجود القوات العراقية على بعد مئة ميل فقط جنوبي الموصل وهي في حالة انتصار، شعرت واشنطن بالحاجة إلى تهدئة الثقة العراقية المفرطة التي انطوت على مفهوم أن اندفاعا ضئيلا بطول الطريق السريع بين بيجي والموصل قد ينهي سيطرة داعش في الموصل. على الأرجح، ولحسن الحظ، تلاشت فكرة تنفيذ "هجمة ضاربة" على الموصل على ما يبدو.

كان أول ذكر للموصل في وقت قريب جدا، في مقابلة العبادي مع شبكة "بي بي سي" في 16 فبراير 2015. حيث أشار العبادي في تلك المقابلة إلى الأنبار بأنها "محتواة"، ورد على سؤال بشأن الهجوم على الموصل بأن قدم تاريخا يتراوح بين يوليو – ديسمبر 2015. كما أعبر عن أمله في أن تعود الموصل إلى السيطرة الحكومية بحلول نهاية العام أو "قبل ذلك بقليل".

إلا أن ما اتضح على نحو متزايد خلال الربيع هو أن القوات اللازمة لتحرير الموصل ببساطة غير موجودة اليوم، وعلى الأرجح لن تتواجد في عام 2015.

تتضح المشكلة عبر نظرة سريعة على الخيارات المتاحة.

أولا، الفصائل السنية لا تبدو قادرة على تقديم قوة سنية كبيرة لتحرير الموصل. على خلاف الأنبار، حيث تسهل الاتحادات القبلية الحشد السريع، كما أن المشهد السياسي الموصلي مفتت.

يظهر الموصليون المتحضرون قليلا من التماسك. ويجمع أثيل النجيفي، محافظ الموصل دون هيكل محافظة، وحدات "تحرير الموصل" الصغيرة في كردستان المجاورة. ولكن ذلك لا يمثل عاملا مغيرا للعبة. فمئات الآلاف من الذكور الصالحين للتجنيد في الموصل إما غير قادرين أو غير راغبين في الإطاحة ببضع الآلاف من مقاتلي داعش الذي يتحكمون في مدينتهم عبر الإرهاب.

وبشكل مشابه، لا تمثل القبائل السنية الريفية عناصر عسكرية كبيرة. فعندما حررت قوات البشمركة الكردية الأراضي القبلية السنية غربي الموصل في أكتوبر 2014، لم يستطع اتحاد شمر القبلي أن يحشد حتى بضع المئات من المقاتلين لوضع واجهة سنية للتقدم الكردي.

ثانيا، أكراد العراق راضون عن لعبهم لدور داعم على أطراف معركة الموصل، ولكنهم لن يلزموا قواتهم بعمليات تطهير في المناطق الحضرية أو بإقامة حامية في مدينة الموصل ذات الهيمنة السنية العربية.

يترك ذلك قوات الأمن العراقية ووحدات الحشد الشعبي وحدهما. فكلتاهما مترامية المهام. حيث تقاتل الوحدات التابعة لبغداد حاليا في بيجي، الحمرين، الرمادي، وعشرات المواقع الأخرى. وسيقيدوا بحماية بغداد وطرق السفر الديني الشيعي خلال المواسم الدينية، وبينها شهر رمضان (16 يونيو – 16 يوليو تقريبا)، عشوراء (22 أكتوبر)، الأربعين (2 ديسمبر).

تفتقد القوات الأمنية العراقية ببساطة العدد الكافي من الكتائب المقاتلة على الصعيد العملياتي لتولي الكثير من العمليات في ذات الوقت، خصوصا مع فتح داعش للمزيد من الجبهات بشكل متعمد لاستنزاف التعزيزات، بالإضافة إلى إضعاف القوات العراقية بشكل أكبر إثر الإنهاك.

مع مرور الوقت، قد ينهك داعش مع اكتساب القوات الأمنية العراقية للمزيد من القوة إثر إضافة قوات جديدة للجيش العراقي، قوات الحشد الشعبي، والمزيد من القوات الجوية الدولية. ولكن ذلك التوازن سيستغرق فترة طويلة حتى يتحقق. أما بالنسبة للآن، يبدو تمويل التسليح والتدريب في العراق، المقدم من الولايات المتحدة، والذي يشمل 12 كتيبة، أصغر من أن يحدث فارقا. وبالفعل، انجرت الكتائب الثلاث الأولى، من أصل تسع كتائب من الجيش العراقي دربتها الولايات المتحدة بهدف تحرير الموصل، إلى الأنبار، والتي تمثل ثقبا أسودا حقيقيا نادرا ما تعود منه القوات. من غير المرجح أن يتوافر أي من الكتائب البشمركة الكردية الثلاث التي دربتها أمريكا لتقدم التزاما تجاه المشاركة في قتال بمناطق مأهولة بالسكان في الموصل.

قد تكون وحدات الحشد الشعبي الشيعية قادرة على تدعيم وحدات القوات الأمنية العراقية في الموصل، ولكنها قد تنهك إثر القتال في عدة مواقع في وسط وغربي العراق. ورغم أهميتها، إلا أنها قد تكون غير مرحب بها بشكل خاص في الموصل السنية، ربما ليس خلال مرحلة التحرير ولكن بالتأكيد كحامية عسكرية.

هل الموصل مهمة؟

لا أقصد بأي من ذلك أن العراق لا تستطيع تحقيق المزيد من الانتصارات، جذب المزيد من القوات من المناطق المستقرة، وحشد جيش للموصل في عام 2016. ولكن ذلك سيكون صعبا للغاية، خصوصا إن استطاع داعش أن يجلب المزيد من التعزيزات من سوريا مع القليل من الخوف بشأن أن التنظيم سيواجه ضغطا شديدا في سوريا نفسها.

إلا أنه حتى إن تمكنت بغداد من جمع قوات لاستعادة الموصل، فهناك إشكالية حول إن كانت الحكومة تريد ذلك أم لا. حيث قد يتسائل العبادي حول الضرورة الاستراتيجية لتنفيذ عملية ضخمة ومكلفة في الموصل، وهي مدينة تبدو مفتقدة لأي حلفاء استراتيجيين للحكومة الفيدرالية. قد يبدو ذلك الحديث غير معقول، ولكنه كان من غير المعقول في السابق الزعم بأن بغداد قد تترك داعش مسيطرا بشكل تام على الفلوجة، وهي مدينة يسكنها عادة 300 ألف شخص وتبعد 25 ميل فقط عن مطار بغداد الدولي، لمدة 16 شهر. وكحال الفلوجة، قد تخسر العراق الموصل، إلا أنها ستظل العراق.

تعرض الموصل للتجاهل من قبل إدارات ما بعد 2003 في العراق. كحال الرمادي، أغلبيتها سنية، وعلى خلاف الرمادي، منفصلة إلى حد كبير عن مراكز القوة الشيعية في بغداد وجنوبي العراق. وحتى أكراد العراق، وهم الكتلة الأكثر استفادة من استقرار الموصل، وضعوا حدودا لما يمكن أن يقدموه للسنة في تلك المدينة الشمالية. وفي ضوء الفترة الطويلة التي يمكن رؤية الموصل تحت سيطرة داعش فيها، والتي تزيد كثيرا عن 18 شهر، يسهل تخيل بغداد متبنية لرؤية عقلانية ببرود للموصل كمشكلة يحتاج السنة لتنفيذ الجهود الأصعب لحلها. مادامت الحكومة العراقية مستعدة لدعم المتطوعين السنة، فليس هناك مشكلة محتملة في تلك الرؤية.

يجدر التوصية بحملة تستهدف الأنبار أولا مع أسلوب متقد غير متعجل وصولا إلى الموصل. فالمزيد من الوقت يحمل المزيد من التخطيط، والأمل في فرصة لتعلم دروس قيمة بصدد التعاون الحكومي السني من الأنبار. لن تكون جميع تلك الدروس مناسبة للموصل، ولكن تستطيع الحكومة أن تضع بعض الأساس المفيد عبر زيادة وحدات الحشد الشعبي السنية، اختبار وحدات الحشد الشعبي الشيعية في المناطق السنية، وتحسين التنسيق بين عناصر الحشد الشيعية والتحالف المدعوم من أمريكا.

على نحو أقل مللا، قد تجهز ستة أشهر من الاندفاع الناجح في الأنبار المشهد لجهود قوية مشتركة بين الطوائف لاستعادة الموصل. وفي ضوء تلك العمليات، سيمثل ذلك دليلا موثوقا على أن العراقيين غير مستعدين لقبول انفصال العراق بواقع طائفة لكل حي، مع اهتمام الشيعة بشأن مصالحهم الأمنية المباشرة فقط، وكذلك بالنسبة للسنة العرب والأكراد.

إن نجحت، ستقدم الحملات في الأنبار والموصل لمحة عن قدرة الدولة العراقية كديمقراطية فيدرالية متنوعة، تستعد الفئات الاجتماعية المختلفة فيها للقتال والموت من أجل المصلحة العامة. أما البديل فهو صورة من الانفصال الوطني، والذي وضعه القليل من المحللين في الاعتبار بشكل كافي، حيث ينطوي على أن داعش قد يترك ببساطة مستحوذا على مساحات كبيرة من العراق السنية التي لا يهتم أحد لشأنها كفاية ليحررها.​

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب