مشكلة اليمن بالنسبة للأمم المتحدة

مقال رأي

استقال المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، جمال بنعمر، في 16 أبريل، بعد قضاءه أربع سنوات في وظيفته. واستُقبل القرار بالاستغراب والنقد: لقد كان بنعمر وجه الانتقال السياسي التالي للربيع العربي والمدعوم دوليا في اليمن، ويعتبر رحيله من قِبل اليمنيين بمثابة اعتراف بالفشل والشعور بالذنب لانهيار الحكومة الانتقالية خلال الصراع مع الحوثيين من أجل السيطرة على البلاد. شهدت اليمن العديد من هذه الإخفاقات على مدى العقود الخمسة الماضية، وبالتالي فإن توقف الجهود التي بذلت مؤخرا لبناء حكومة مستقرة لا ينبغي أن تكون مفاجأة. لمنع ذلك من الحدوث مرة أخرى، ينبغي للمجتمع الدولي أن ينظر إلى تاريخه من التدخل في اليمن قبل الشروع في جهود جديدة للوساطة.

كان بنعمر الأخير بين العديد من دبلوماسيي الامم المتحدة الذين حاولوا تنظيم انتقال سلمي للسلطة من الطغاة الذين أزاحهم الربيع العربي من مناصبهم. عام 2013، أشيد بعملية انتقال السلطة في اليمن واعتبرت نموذجًا مثاليًا. ولكن هذه العملية، التي نظمها مجلس التعاون الخليجي وتوسط فيها بنعمر، لم تفعل سوى تأخير الاضطراب النهائي: اتبع الرئيس اليمني الجديد عبد ربه منصور هادي توصيات بنعمر، فشكّل مجلس حوار وطني، وأعلن عن إجراء انتخابات وطنية، وحاول تنفيذ اصلاحات سياسية مفرطة في التفاؤل. وبعد ذلك اضطر هادي إلى الفرار من البلاد في مواجهة معارضة عسكرية وسياسية لحكومته في مارس.

تعكس جهود الأمم المتحدة المخيبة للآمال في اليمن فشل حفظ السلام في الماضي أثناء الحرب الأهلية اليمنية عام 1962. في سبتمبر من ذلك العام، أطاح كادر من ضباط الجيش الشباب الذين نادوا بإنشاء جمهورية يمنية بآخر إمام يمني، محمد البدر. تلى ذلك ست سنوات من الحرب الأهلية، مما شكل واحدة من أحلك الفترات في التاريخ اليمني الحديث حيث سلحت مصر والسعودية الجانبين المتواجهين في الحرب التي كانت تبدو إنها ستستمر إلى الأبد. في غضون أشهر من بدء القتال، طلب الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت من الدبلوماسي الحائز على جائزة نوبل رالف بانش أن يعمل مبعوثًا خاصًا إلى اليمن. قضى بانش معظم وقته في رحلات مكوكية بين القاهرة والرياض لإقناع مصر والسعودية بالانسحاب من الصراع. عندما وصلت الأطراف المتحاربة إلى اتفاق مؤقت في عام 1963، كلف مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في اليمن (UNYOM) بالإشراف على انسحاب الجنود المصريين والأسلحة السعودية من اليمن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقاتلون حوثيون يقفون بالقرب من مخفر مدمر في ثكنات الحرس الرئاسي التي استولوا عليها في جبل يطل على القصر الرئاسي في صنعاء، 20 يناير 2015.

كانت بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في اليمن مقيدة منذ البداية بأهداف سياسية غير واقعية وظروف صعبة وغير مألوفة. كان بانش ممنوعًا من التحدث مع قوى المعارضة القبلية لبدر، حيث أن الأمم المتحدة لم تعترف بهم ككيان سياسي شرعي. وكان أفراد البعثة ممنوعين أيضًا من تنسيق عمليات في الأراضي التي يسيطر عليها الإمام كذلك، مما ترك مساحات واسعة من شمال اليمن دون تواجد الدبلوماسي الدولي. لم يكن وقف إطلاق النار مفيدًا، حيث أن رجال قبائل الإمام لم يتم إشراكهم في المفاوضات، فشعروا أنهم ليسوا ملزمين بترك أسلحتهم.

بدلا من السعي لأن تكون بعثة لحفظ السلام، اقتصر دور بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في اليمن على مراقبة انسحاب القوات المصرية ووقف الدعم السعودي للقبائل الشمالية. تمركزت قوات الأمم المتحدة التي جاءت من كندا ويوجوسلافيا على طول الحدود السعودية اليمنية لمراقبة حركة القوافل ومنع حركة الأسلحة. كانت التضاريس الجبلية والصحراوية على طول الحدود غير مألوفة لأفراد الأمم المتحدة، واقتصرت مراقبتهم على ساعات النهار. لكن نظرا للحرارة لا تطاق في المنطقة، وخاصة في فصل الصيف، كانت معظم القبائل الحدودية دائما تسافر في الليل، مما جعل الكثير من رحلاتهم عبر الحدود مخفية عن أعين مراقبي الأمم المتحدة.

انسحبت "بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في اليمن" من اليمن في سبتمبر 1964 بعد 14 شهرًا فقط في البلاد. في هذا الوقت لم تعد البعثة قادرة على ضمان تمويل كاف، عندما ناقشت الأمم المتحدة أي دول مسؤولة عن تمويل بعثات حفظ السلام للأمم المتحدة، وما إذا كانت التكليفات مبررة بالنظر إلى نجاحها المحدود. لن تصل الحرب إلى حل سياسي حتى عام 1970، بعدما انسحبت القوى الأجنبية والمصالح الدولية من البلاد من تلقاء نفسها. وانتقد العديد من اليمنيين والمراقبين الأجانب جهود حفظ السلام الدولية حيث عملت بمثابة ستار لإعادة تسليح الجانبين في الحرب الأهلية. تمكنت السعودية من تحويل طرق الإمداد إلى مناطق حدودية أخرى خارج منطقة المراقبة الأمم المتحدة، في حين تظاهرت مصر بوجود خطة للانسحاب التي لم تزد كثيرًا عن نقل القوات. ودعي مراقبو الامم المتحدة للاشراف على انسحاب 2000 جندي مصري من مدينة الحديدة الساحلية، ولكن طلب منهم مغادرة المكان قبل وصول 3000 جندي مصري جديد الأسبوع التالي. خلال الحرب الأهلية في اليمن عام 1994، أرسل مجلس الأمن مبعوث آخر، الأخضر الإبراهيمي، الذي كانت محاولته القصيرة للتوصل أيضا الى وقف لاطلاق النار غير فعالة. أثبتت التعقيدات السياسية والإقليمية اليمنية أنها عقبات لا يمكن التغلب عليهت أمام المقترحات الدبلوماسية لبانش والإبراهيمي وبنعمر.

أعلنت الأمم المتحدة بالفعل تعيين الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد كبديل لبنعمر. وحتى مع استمرار تساقط القنابل السعودية على أهداف الحوثيين في اليمن، هناك حديث عن مؤتمر سلام آخر بتوسط دولي. وليس من الواضح بعد ما إذا كانت الأمم المتحدة عازمة على إصلاح سياستها في اليمن التي فشلت على مدى 50 عاما. على غرار مأزق بدر ورجال قبيلته، فحركة الحوثيين ورجال القبائل غير معترف بهم دوليا كممثلين السياسيين. تواجه حركة الحوثيين دعوات لحظر السفر وحظر الأسلحة بدلا من زيارات من الدبلوماسيين الدوليين. والحدود السعودية-اليمنية التي يسهل اختراقها عادت مرة أخرى محورًا لتحركات القوات، مع ازدياد الاشتباكات الحدودية المتقطعة بين الحوثيين والسعوديين.

بعد أيام فقط من توليه منصبه، زار ولد الشيخ بالفعل نيويورك وباريس والرياض للتحدث مع دبلوماسيين أجانب. وقد تحدث أيضا مع هادي، الرجل الذي فقد شرعيته السياسية وهو يشاهد ويشجع قصف الرياض لبلده. لكن ما يزال ناقصًا من جدول ولد الشيخ هو زيارة إلى اليمن للقاء ممثلي حركة الحوثيين أو حركة الحراك الجنوبي. إن ولد الشيخ أمام خطر الوقوع في نفس الفخاخ الدائرية التي وقع فيها من سبقوه منذ الستينيات، وهي إهمال إشراك الجماعات السياسية اليمنية غير رسمية التي لا تزال مهمة.

لا تزال لدى اليمن القدرة على أن تكون الطفل المدلل للتحولات السياسية في مرحلة ما بعد الربيع العربي، لا سيما وغيرها من بلدان المنطقة الأخرى غارقة في في حروب أهلية مكلفة وطويلة الأمد. إلا أن الفشل في معالجة الأزمة اليمنية كقضية سياسية محلية يخاطر بجر السعودية وإيران إلى صراع إقليمي أوسع. فبينما كانت أول حرب أهلية في اليمن في الستينيات تقترب من الحل، لاحظ بافل دمشنكو، مراسل شؤون الشرق الأوسط لجريدة برافا السوفياتية، أن أحداث سبتمبر 1962 لم تكن ثورة وإنما "طريقة امتدت لقرون لتغيير النظام في اليمني." وينطبق الشيء نفسه على اليمن اليوم بينما تعاني البلاد لإيجاد بديل للنظام الجمهوري المنحل.

تحتاج الأمم المتحدة إلى إعادة النظر في تاريخها في اليمن قبل الشروع في جهود حفظ سلام جديدة. يمكن للتدخلات الدولية الجاهلة وغير المهيأة أن تفاقم وتطيل أمد النزاعات المحلية بدلا من الوصول لحلول. ربما قد يكون الوقت قد حان لترك اليمنيين يحلون مشاكل اليمن، مع تسهيل للأمم المتحدة القرار في البلاد بدلا من تنفيذ وجهة نظر خارجية للحل الدبلوماسي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب