من تركيا إلى تل أبيب : دبلوماسية التجارة

مقال رأي

 لا يكاد يمر أسبوع دون بعض التعليقات اللاذعة أو الإهانات المتبادلة بين تركيا وإسرائيل. يزدري الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، ​​إسرائيل علنًا بشكل يوميّ تقريبًا لحشد الدعم السياسي المحلي، على سبيل المثال، فهو يؤكد أن معاملة إسرائيل لقطاع غزة تفوق وحشية النظام النازي. لم تكن الأمور دائمًا على هذا النحو. شهدت التسعينيات ومعظم العقد الأول من القرن الـ21 علاقات دبلوماسية وسياسية حميمة بين إسرائيل وتركيا. لكن يبدو في هذه الأيام أن هناك حالة من الجمود الدبلوماسي.

وحتى مع ذلك، على الرغم من الخطاب القاسي ووقف الاتصالات الدبلوماسية رفيعة المستوى، نمت التجارة التركية الإسرائيلية بنسبة 19 في المئة منذ عام 2009، في حين نمت التجارة التركية الخارجية الإجمالية في نفس الفترة بنسبة 11 في المئة. وحيث إنه من الصعب أن تتصاعد الصراعات إلى نقطة الدخول في حرب بين الدول التي تجمعها علاقات تجارية قوية، قد تكون العلاقات الاقتصادية التركية الإسرائيلية إشارة على احتمالات تحسن العلاقات الثنائية. وفي الوقت الذي تبقى فيه التوقعات الاقتصادية والسياسية قاتمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فإنه لدى الدولتين أسباب أكثر من أي وقت مضى لتسوية خلافاتهما السياسية - أو على الأقل لأن تفصل بينهم وبين علاقاتهما الاقتصادية.

حذف إسرائيل من قائمة الأصدقاء

بدأت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل في التدهور في المنتدى الاقتصادي العالمي، في يناير 2009. أثناء نقاش محتدم مع الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، حول الهجوم الاسرائيلي على غزة، اتهم رئيس الوزراء التركي وقتها، رجب طيب أردوغان، إسرائيل بالهمجية، وقال لبيريز "عندما يتعلق الأمر بالقتل، أنتم تعرفون جيدًا كيف تقتلون". وفي مايو 2010، هاجمت القوات الخاصّة الإسرائيلية "مافي مرمرة"، وهي سفينة مساعدات إنسانية تركية حاولت كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، مما أسفر عن مقتل تسعة نشطاء أتراك كانوا على متن السفينة، مما دفع أنقرة إلى سحب سفيرها لدى إسرائيل. ساءت العلاقات، في أغسطس 2013، عندما اتهم أردوغان إسرائيل بالضلوع في الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المصري السابق، محمد مرسي. وقال أردوغان، في يناير 2015، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ليس لديه الحق في المشاركة في مسيرة مكافحة الإرهاب في باريس بعد هجمات "تشارلي إيبدو" نظرًا للأنشطة الإسرائيلية في غزة. وقد أعاق دعم أردوغان لحماس أيضًا العلاقات بين البلدين، ولم يقم بكثير من الجهود ليصلح تلك العلاقات.

 

ومع ذلك، لم يكن أردوغان دائمًا يتبع تلك الطريقة من المواجهة. عندما كان رئيسًا للوزراء، أيّد الجهود الدبلوماسية التركية في أن "تصبح وسيط السلام في الشرق الأوسط". وخلال لقاءه عام 2005 مع رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، آرييل شارون، في القدس، صرّح أردوغان أنه جاء للمساهمة في عملية السلام بين إسرائيل و الفلسطينيين. واستضاف أردوغان رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، إيهود أولمرت، في مقر إقامته، في عام 2008، على أمل التوسط لإحلال السلام بين إسرائيل وسوريا. ورأى أردوغان قرار أولمرت بشن عملية الرصاص المصبوب بعد بضعة أيام فقط من اللقاء، على أنها خيانة، لا سيما بعد أن افترض أن أولمرت قد أعطاه الضوء الأخضر للتعبير عن استعداد إسرائيل لبدء محادثات مباشرة مع سوريا. على الرغم من ذلك، حاول أردوغان رأب الصدع بعد نصف عام من ذلك من خلال دعم مشروع تقود فيه إسرائيل مشروع إزالة الألغام على طول الحدود السورية التركية، على الرغم من مقاومة من البرلمان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

متظاهرون يرددون هتافات ويحملون لافتات تقول: "أولمرت القاتل، اخرج من بلادنا"، خلال مظاهرة مناهضة لإسرائيل في اسطنبول، في 15 فبراير 2007، أثناء لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، بنظيره التركي، رجب طيب أردوغان، في أنقرة.

 

على الرغم من أنه ليس هناك الكثير من النية الطيبة في كلا البلدين تجاه الأخرى، دفع الربيع العربي كلا البلدين إلى إعادة تقييم العلاقة بينهما. في عام 2013، استجاب نتنياهو إلى إلحاح الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، لرأب الصدع وأصدر اعتذارًا لتركيا. بعد ذلك، وافقت إسرائيل على دفع تعويضات لأسر تسعة نشطاء قتلوا في سفينة المساعدات. منذ الغارة على أسطول الحرية، وافقت إسرائيل أيضًا على رفع جزئي للحصار على غزة، مما جعل الدولتين أقرب إلى المصالحة وسط منطقة يتزايد عدم استقرارها.

لا يزال هناك بالتأكيد عدم ثقة كبيرة في إسرائيل تجاه الحكومة التركية، وتجاه أردوغان على وجه الخصوص. لقد ضجرت وزارة نتنياهو من تصريحات أردوغان الملتهبة. مثلًا، تصريحات الرئيس التركي المضادة لإسرائيل بعد هجمات تشارلي إيبدو، دفعت وزير الخارجية الإسرائيلي، افيجدور ليبرمان، إلى وصف أردوغان بأنه "فتوة الحي المعادي للسامية". ونتنياهو قلق أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق حول القضية الفلسطينية فإن أردوغان سوف يستخدمها لتحقيق مكاسب محلية. بعد اعتذار نتنياهو عن الغارة على أسطول الحرية، في مايو 2010، قالت العناوين الرئيسية في عدد من الصحف المطبوعة إن أردوغان "جعل إسرائيل تعتذر". وحقيقة الأمر، بطبيعة الحال، أنه من خلال وساطة أوباما، بادرت إسرائيل بالاعتذار، الذي قبلته تركيا، ولكن لم تجبرها عليه. في المقابل، أثار هذ الأمر أسئلة في إسرائيل حول اهتمام تركيا الحقيقي بإصلاح العلاقة.

من بقى؟

لتحسين العلاقات مع إسرائيل الآن جاذبية خاصّة بالنسبة إلى تركيا بعد أن أحرقت الجسور التي تربطها مع العالم العربي. وقد أدى فشل سياسة أنقرة التي تسعى إلى "مشاكل منعدمة مع الجيران" بأن باتت تركيا دون سفراء في القاهرة ودمشق وطرابلس. ولم تعين سفيرًا في بغداد إلا بعد أن تم استبدال رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، وحل محله حيدر العبادي، في سبتمبر 2014. وعلقت سوريا اتفاقية للتجارة الحرة مع تركيا، في ديسمبر 2011، عندما أصبح بشار الأسد عدو أنقرة الرئيسي. ومنذ ذلك الحين، انخفض التبادل التجاري بين سوريا وتركيا إلى نصف مليار دولار أمريكي، في عام 2014، من نحو ملياري دولار في عام 2011.

في مصر، أدى رفض تركيا الاعتراف برئاسة عبد الفتاح السيسي لمصر إلى الإضرار بمصالح أنقرة الاقتصادية كذلك. على سبيل المثال، تقلصت الصادرات التركية إلى مصر بنسبة 10 في المئة بين عامي 2012 و2014. وعلاوة على ذلك، لن تجدد مصر اتفاق الخط الملاحي التجاري مع تركيا -المعروف بـ"الرورو"- وهو الطريق التجاري الذي يتفادى الطريق المكلف عن طريق المرور عبر قناة السويس، بعد أن انتهت الاتفاقية في أبريل، مما يعوق نقل البضائع بين الموانيء التركية والإسكندرية. تعوق هذا الخطوة وصول البضائع التركية إلى الأسواق المربحة في السعودية ودول الخليج. سمح هذا الاتفاق أيضًا للشركات التركية بتفادي الأراضي السورية التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية (داعش)، مع تفادي أيضًا قناة السويس، وبالتالي تقليل تكاليف النقل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

موظف يقف وراء لافتة تصور العلم التركي مشطوبًا عليه لصقت على نافذة مقهى في تل أبيب، في 27 أكتوبر 2009، في أعقاب الانتقادات التركية لإسرائيل بسبب هجومها العسكري على قطاع غزة في وقت سابق من هذا العام.

كما أن العلاقات التركية في ليبيا أيضًا في حالة يرثى لها. اتهم رئيس الوزراء الليبي، عبد الله الثاني، تركيا بتسليح معاوني داعش في ليبيا، ودفع الشركات والعمالة الوافدة التركية إلى الخروج من البلاد. وإلى جانب ذلك، فاعتراف أنقرة بالمؤتمر الوطني العام الذي يسيطر عليه الإسلاميون بدلًا من حكومة الثاني المنتخبة ديمقراطيًا، قد ألقى بظلاله على المصالح التجارية التركية في أجزاء كبيرة من البلاد.

وكان لعدوان روسيا على أوكرانيا تأثير اقتصادي على تركيا أيضًا. على الرغم من موقف تركيا الصامت تجاه ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وحجة وجود محور اقتصادي روسي-تركي ناشئ، إلا أنه قد تراجعت الصادرات التركية إلى روسيا بنسبة 15 في المئة بين عامي 2013 و 2014. وقد أدى انخفاض قيمة الروبل أمام الدولار أيضًا إلى مشاكل لروسيا في الدفع مقابل الصادرات التركية والتي أصبحت بدورها أكثر تكلفة. انخفضت الصادرات التركية الى أوكرانيا بنسبة 21 في المئة خلال الفترة نفسها، إلى جانب انخفاض حجم السياحة الروسية والأوكرانية، التي كانت مصادرًا رئيسيًا للدخل بالنسبة إلى تركيا.

قد لا تكون إسرائيل أكبر شريك تجاري لتركيا، لكنها الأكثر توازنًا. تتمتع تركيا بحركة تجارية متوازنة مع إسرائيل، فقد تلقت سلعًا مستوردة بقيمة 3 مليارات دولار، وصدرت بضائع تركية بنفس القيمة إلى إسرائيل في عام 2014، وتلك علامة على التكافؤ المالي نادرًا ما توجد مع شركاء أنقرة التجاريين الآخرين. في العام نفسه، صدرت تركيا بضائع بقيمة 6 مليارات دولار إلى روسيا، واستوردت سلعًا بقيمة 25 مليار دولار، مما أدى إلى عجز تجاري ضخم. أصبحت تركيا مرة أخرى وجهة سفر مفضلة للمسافرين الإسرائيليين. وفقًا لرابطة وكالات السفر التركية (TURSAB)، زاد عدد الإسرائيليين المسافرين إلى تركيا بنسبة 125 في المئة، من 83740 إلى 188608 بين عامي 2012 و 2014. إلا أن هذا الرقم لا يزال بعيدًا عن النصف مليون سائح إسرائيلي الذي توافدوا إلى تركيا عام 2008، لكن تلك علامة واعدة على انتعاش الاقتصاد السياحي.

 

إلا أنه ينبغي الحذر من الإفراط في التفاؤل. قد تتمتع العلاقات الاقتصادية التركية الإسرائيلية بمناعة ظاهرة من السياسة، لكن المأزق الدبلوماسي الذي يواجه البلاد لا يزال يمكنه أن يمنع النمو في المستقبل، خاصّة إذا استمرت عدم الثقة والخطاب القاسي بين البلدين. ومع ذلك، مع استمرار زيادة حجم التجارة الثنائية، ستعزل المصالح التجارية إلى حد ما العلاقات الاقتصادية عن المشاكل السياسية. أعلن أردوغان سريعًا أن تركيا ستعلق "العلاقات العسكرية والتجارية" مع إسرائيل بعد حادثة "مافي مرمرة." ومع ذلك، جاء بيان له في نفس اليوم ليعلن أن تركيا لن تفرض عقوبات تجارية على كل حال. من المرجح أن يكون أردوغان قد تراجع عن خطته الاصلية بعد ضغوط من مجتمع الأعمال، ولكن ليس هناك وعد بأنه سوف يقدم تنازلات مماثلة في المستقبل.

وفي الوقت الراهن، لا تظهر العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وتركيا أي علامة على التحسن، باستثناء المصلحة المشتركة في الحفاظ على السياسة من التدخل في الأعمال التجارية. ولن يمكن إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية إلى مستويات تعاون منتصف التسعينيات إلا بتحقق المصالحة على الجبهة الفلسطينية. لقد أدت هجمات غزة في 2009 و 2014، إلى جانب مقتل تسعة نشطاء أتراك على سفينة "مافي مرمرة،" إلى تعزيز التعاطف التركي تجاه الفلسطينيين. ويضاعف من ذلك رغبة أردوغان في اللجوء إلى الخطاب المعادي لإسرائيل لتحقيق مكاسب سياسية محلية، لذا فالقليل تم تحقيقه منذ عام 2009 لتعزيز الحوار الدبلوماسي بين أنقرة والقدس.

لكن لا تزال التوقعات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط قاتمة، مما يجعل السلام التجاري المستدام على الأقل بين إسرائيل وتركيا معقولًا. في نهاية المطاف، فإن الثقة المتبادلة الناجمة عن العلاقات التجارية يمكن أن تساعد كلا البلدين على إيجاد موطيء قدم اقتصادي وسياسي في تلك المنطقة المضطربة، وتفتح الباب أمام رعاية السلام المستقبلية في الأزمة الإسرائيلية-الفلسطينية، وتعطي أنقرة فرصة لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب