من هو محارب الظل الذي يقود المعركة ضد داعش؟

تقرير صحفي

 منذ حوالي ثمانية عشر شهرًا، جلس أهم مسئولَين بالجيش الأمريكي منخرطَين في عمليات مكافحة الإرهاب بالشرق الأوسط مع العديد من قادة الألوية الآخرين في غرفة بقاعدة ماكديل الجوية بتامبا، فلوريدا، واستمعوا إلى الرائد مايك نجاتا الذي أخبرهم أن العوالم التي اعتادوا عليها أوشكت على الأفول.

كان نجاتا – ولا يزال – رئيسًا لإحدى وحدات العمليات الخاصة بالقيادة المركزية الأمريكية. كان رئيسه المباشر، الجنرال لويد أوستين، قائد القيادة المركزية الأمريكية، واحدًا من الضباط ذوي النجوم الأربعة الذين كان يتحدث إليهم. كذلك كان آدم بيل ماكرافين، الرئيس السابق لقيادة العمليات الخاصة، التي تشترك مع القيادة المركزية في قاعدة ماكديل، أحد هؤلاء.

وكانت المناسبة هي انعقاد مؤتمر بمقر ماكرافن كان على نجاتا، في إطاره، أن يُطلِع كبار القادة العسكريين بالشرق الأوسط على ما قد تحتاج إليه قواته هناك. "وقف مايك نجاتا وقال لهم أن الأوضاع في سوريا والعراق تزداد سوءًا وتنذر بالفشل،" هكذا قال أحد ضباط العمليات الخاصة الذين كانوا موجودين بالغرفة، وتم تأكيد ما قاله بواسطة أحد كبار مسئولي الاستخبارات السابقين، حيث كان من بين الحضور كذلك. حدث هذا عام 2013، قبل أن تحقق "الدولة الإسلامية" مكاسبًا ضخمة في السيطرة على الأراضي بسوريا والعراق، وقبل أن تكتسح حركة الحوثيين الشيعية اليمن، لتجبر الحكومة المتحالفة مع الولايات المتحدة على التخلي عن السلطة. ولكن مرور الوقت أثبت أن تنبؤات الضابط صاحب النجمتين كانت بمحلها. "ولواسترجعنا ماحدث خلال الثمانية عشر شهرًا السابقة لنصل إلى ما نحن عليه اليوم،" يقول ضابط العمليات الخاصة، "سوف يتضح لنا أن نجاتا كان محقًا."

اليوم، نجاتا هو أحد الأطراف الرئيسية في نقاش الإدارة المرهق حول مدى فعالية الدور الذي ينبغي على الجيش الأمريكي القيام به في صراعه مع الدولة الإسلامية. ومن الأردن، يشرف نجاتا على جهود وزارة الدفاع لتدريب وإعداد المتمردين السوريين المعتدلين الذين تراهم واشنطن الخيار الأمثل للهجوم على الدولة الإسلامية على نحوٍ تدريجي بدون اللجوء إلى إرسال قواتٍ بريةٍ أمريكية، الخيار الذي رفضه الرئيس الأمريكي باراك أوباما رفضًا قاطعًا. وبدلًا من ذلك، قام أوباما بإرسال ثلاثة آلاف جنديٍ إلى العراق في محاولةٍ لإعادة تدريب الجيش العراقي المحاصر وتصعيد قوةٍ جديدة من المقاتلين القبليين. وفي الأثناء ذاتها، تكثف الوحدة الخامسة  بالعمليات الخاصة جهودها - في الشرق الأوسط، ساعيةً إلى تدريب ما يزيد عن خمسة آلافٍ متمردٍ سوري في العام الواحد بتركيا وقطر والمملكة العربية السعودية، وربما الأردن.

انتظرت إدارة أوباما أكثر من عامين لتتخذ هذه الخطوات المحدودة في مواجهة الدولة الإسلامية، وهو التباطؤ الذي وجده المسئولون الكبار بالجيش محبطًا. بدأ الاستياء مع قرار الإدارة بانسحبا كل القوات الأمريكية من العراق بنهاية 2011، وهي السياسة التي تجاهلت "أهم نصيحةٍ وجهتها وزراة الدفاع إلى الإدارة،" هكذا قال أحد ضباط العمليات الخاصة السابقين الذين شاركوا في النقاش، وأضاف أن الجيش قد اقترح على الإدارة خياراتٍ بديلة عن الانسحاب الكامل. "أدركنا أنه لا توجد رغبةٌ حقيقية [لدى الإدارة] بتواجد ضخم، ولكننا قلنا إننا نعلم من واقع خبراتنا الطويلة مع العراقيين والمنطقة أنه في حال غياب مستشارين على الأرض، سوف تصبح فرص النجاح ضئيلة للغاية،" قال ذلك، مضيفًا أن نجاتا كان أحد الأصوات العديدة بالجيش التي تنادي بالأمر ذاته.

في ظل غياب تواجدٍ أمريكيٍ عسكريٍ على الأرض، أدارت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) برنامجًا صغيرًا لتدريب وتجهيز المتمردين السوريين المعتدلين، في الوقت الذي كانت القوات الجوية الأمريكية تواصل قصف مواقع الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. إلا أنه في الدوائر الحكومية الضيقة، كان نجاتا يدعو إلى ضرورة اتخاذ فعلًا عسكريًا أشد عنفًا لمواجهة صعود الدولة الإسلامية، وفقًا لضابط العمليات الخاصة السابق الذي شارك في بعض هذه النقاشات، وأحد ضباط العمليات الخاصة المنتدبين إلى البنتاجون. "لقد رأى الأمر دائمًا بمثابة إشكالٍ صناعي الحجم، وأن انعدام الجدية في التعامل معه، من خلال برامجٍ متفاوتة تطلقها الحكومة، لن يحل المشكلة على نحوٍ فعلي،" هكذا قال الضابط السابق بالعمليات الخاصة.  إن ما يدعو إليه نجاتا مفاده أن وزارة الدفاع "لا يمكنها أن تستمر في البقاء على الهامش". وعلى الرغم من ذلك، بتجاوز هذه النقاط العامة، فقد كان نجاتا "دائمًا شديد الحرص في التأكيد على أنه لا يسعى إلى وضع سياسةٍ بعينها،" كما يقول الضابط السابق. "كل ما أراده لم يعدُ تقديم النصح والمشورة".

ومع ذلك، فإن الضغط من أجل دورٍ أشد قوة وفعالية تلعبه الولايات المتحدة في ازديادٍ طالما تواصل الدولة الإسلامية إثبات قدرتها العنيدة على الصمود أمام محاولات زحزحتها عن المساحات الشاسعة التي تتحكم فيها شمال شرقي سوريا وشمالي العراق. وخلال الأسابيع الأخيرة، أحرز المسلحون انتصارًا هامًا على المتمردين السوريين في الشمال الشرقي من دمشق، واقتربوا كثيرًا من الرمادي، عاصمة منطقة الأنبار العراقية المضطربة وإحدى أهم مدن البلاد من الناحية الاستراتيجية.

هذا وقد اعترف قادة البنتاجون الكبار بأن الاستراتيجية الأمريكية الحالية المتمثلة في قصف مواقع التنظيم جويًا بالتزامن مع السعي إلى بناء قوى محلية على الأرض قد تستغرق شهورًا، وربما أعوام. ونظرًا إلى أن نجاتا هو الشخص المنوط بتيسير عمل مبادرة التدريب قدر المستطاع – وإن كان ماضيه يصلح أن يكون مؤشرًا بشكلٍ ما، فإنه قادرٌ على إخبار صانعي السياسات بأي أجزائها [أجزاء الاستراتيجية] قد يحتاج إلى تغيير.

يأمل مناصروه، وهم كُثُرٌ في الدوائر العسكرية، أن يضفي سجل نجاتا من التنبؤات بالمصداقية على رسالته. "هكذا يطلق على الأمر،" كما قال ضابط العمليات الخاصة الذي حضر اجتماع تامبا، وهو واحدٍ من بين أكثر من عشرة مسئولين عسكريين سابقين وحاليين أُجريت حواراتٌ معهم لكتابة هذا المقال. "لقد كان الرجل بمثابة نوستراداموس."

ويظل السؤال الآن هو إذا ما كانت توصيات نجاتا التي يتم رفعها بكلٍ من وزارة الدفاع والبيت الأبيض سوف تحظى، في نهاية المطاف، بحسن الاستماع أم لا.

* * *

يحذر مايك نجاتا، نجل أحد كولونيلات (عقداء) الجيش، من التهديد الذي يمثله التطرف الإسلامي بشكل عام – وصعود التنظيم الذي بات يُعرف بالدولة الإسلامية على وجه الخصوص – منذ فترةٍ طويلة.

وخلال عمله السابق، كمستشارٍ الجنرال مارتن ديمبسي (رئيس هيئة الأركان المشتركة) لشئون العمليات الخاصة، "قام مايك بإثارة النقاط ذاتها خلال اجتماعات النواب والمديرين بالبيت الأبيض،" كما يقول المسئول الاستخباراتي السابق. ومع ذلك، فقد تعامل كبار ممثلي وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، وأحيانًا الوكالة المركزية للاستخبارات، مع الأمر من منطلقٍ أبويٍ استعلائي. إذ كان الرد، كما يقول المسئول السابق، "حسنًا مايك، لقد وصل ما تريد قوله، ونحن نقدر اهتمامك وغيرتك على شئون الأمن القومي". "ولم يرتقِ ما كان يقوله إلى أن يصبح جزءًا من الأجندة السياسية للبيت الأبيض."

بالرغم من تحقق توقعاته، كثيرًا ما يرتبك نجاتا، وفي بعض الأحيان، يزعج رؤساءه. عندما أوردت نيويورك تايمز في نهاية عام 2014 خبرًا بأنه "عقد اجتماعًا غير رسميٍ لما يُعرف بهيئة خبراء [Brain Trust]" مكونة من عددٍ من الخبراء والأكاديميين ومراكز البحوث، انزعج رؤساؤه بشدة. "وضع ذلك مايك في موقفٍ حرجٍ للغاية،" هكذا قال المسئول الاستخباراتي السابق. "وقيل لمايك، ‘هدئ من نشاطك، وابقَ بمنأى عن الأضواء... لا تُكثِر الحديث وركّز اهتمامك على عملك’". والمؤكد أن نجاتا، المتزوج ولديه خمسة أطفال، رفض أو لم يستجب للعديد من الطلبات بإجراء مقابلات بشأن هذا الأمر.

وفي ذات الوقت، تم إيكال مهمة تدريب المتمردين السوريين إلى نجاتا، وهو موقعٌ قال عنه أحد لذين عملوا مع نجاتا كضابطٍ صغير "أحد أشد وظائف الجيش صعوبة." ورغم أنه موقعٌ اُعتبِر نجاتا فيه أساسيًا، فقد أوردت "بلومبرج فيو" خبرًا مفاده أنه سوف يغادر موقعه في مايو أو يونية، وهو ما تم نفيه رسميًا من قبل القيادة المركزية الأمريكية في الخامس عشر من أبريل. وقال الناطق الرسمي باسم القيادة المركز لفورين بوليسي إن نجاتا سوف يستمر في أداء كلا وظيفتيه: كرئيسٍ للعمليات الخاصة بالقيادة المركزية وكقائدٍ لمهمة التدريب والإعداد.

ساهم سجل نجاتا الوظيفي خلال ثلاثة وعشرين عامًا في مساعدته على مواجهة هذا التحدي. فقد أظهر ميلًا – يشبه ذلك الذي كان لدى فورست جامب – للظهور في لحظاتٍ مفصلية بتاريخ العمليات الخاصة الأمريكية – في مقديشيو أثناء معركة "بلاك هوك داون" الدامية والتي ذهب ضحيتها ثمانية عشر أمريكيًا، اصطياد مجرمي حرب البلقان بنهاية تسعينيات القرن الماضي، في العراق خلال الحملة التي أُطلِقت ضد فروع القاعدة التابعة لأبي مصعب الزرقاوي خلال أواسط العقد المنصرم، وفي باكستان خلال الحملة التي شُنَت في مايو 2011 وأسفرت عن مصرع أسامة بن لادن – مبهرًا الجميع بذكائه وصراحته الحادة.

"لقد حاز على سمعةٍ لم أعرف أحدًا حاز على أنصع وأفضل منها،" هكذا قال مقدم العمليات الخاصة المتقاعد مارك هيسلتون، الذي عمل مع نجاتا في الوحدة الأولى بالعمليات الخاصة. "لقد حاز على سمعةٍ مذهلة بأنه مقاتلٌ شرس [و] مفكرٌ صاحب رؤية. لقد احتل دومًا موقع الصدارة."

وعلى غرار ديفيد بترايوس وستانلي ماكريستال من قبله، يحسن نجاتا المناورة في أوساط واشنطن الرسمية.

"نجاتا على خبرةٍ واسعة بسبل بيلتواي، ولديه علاقاتٌ عديدة هنا،" هكذا قال أحد ضباط العمليات الخاصة بواشنطن.

وبالرغم من أن نجاتا قد سلك مسارًا وظيفيًا أدى بالعديد من المصادر إلى وصفه بأنه عسكريٌ من نوعٍ "مختلف"، يستطيع ببساطة التحدث مع رؤساء لجان الكونجرس أو القيام بقفزاتٍ عسكريةٍ حرة من نوع  high-altitude, low-opening (HALO)فإنه قد قام بالعديد من الأعمال السرية بالقوات الخاصة، ناهيك عن دوائر الجيش والأمن القومي الأوسع. ويرجع السبب في انخفاض رتبته العسكرية إلى حقيقة أنه استغرق أكثر من عشرة أعوامٍ (من أصل سبعة عشر عامًا قضاها في الجيش) قبل أن تُعلّق نجمته الأولى، حيث كان يخدم بأحد أشد وحدات المهام سريةً بالجيش، كانت مهتها، كما قال جيم ريز - وهو ضابطٌ سابق بأحد القوات السرية، وإن كانت أقل سريةً من قوة دلتا Delta Force – "اصطياد الظلال".

بعد تخرجه من جامعة ولاية جورجيا وحصوله على درجة البكالوريوس في العلاج الطبيعي، كُلِّف نجاتا بالعمل كملازمٍ بسلاح المشاه في عام 1982. وبعد عامٍ واحد، عمل كقائد فصيلةٍ بكوريا الجنوبية، وبعدها قضى خمسة أشهرٍ في دورةٍ للتأهيل للعمليات الخاصة بفورت براج، نورث كارولينا، ثم تولى قيادة الفريق (أ) بوحدة العمليات الخاصة الأولى في فورت لويس، واشنطن. وبعد ذلك بفترةٍ قصيرة، سرعان ما اكتسب نجاتا سمعةً طيبة بسبب رباطة جأشه أثناء العمل تحت ضغطٍ وحس الدعابة الذي يمتلكه.

رأى هيسلتون، مقدم العمليات الخاصة المتقاعد، كلا الميزتين عن قرب في أحد الأيام بنهاية التسعينيات، حدث ذلك عندما كان هو ونجاتا – كان الأول رائدًا والأخير نقيبًا في ذلك الحين – يستمعان إلى خطبةٍ عصماء يلقيها قائد كتيبة العمليات الخاصة بأوكيناوا، في اليابان, وبعد مرور حوالي خمسة وعشرين عامًا، لا يستطيع هيسلتون تذكُر السبب الفعلي الذي أغضب قائد الكتيبة، ولكنه يتذكر وقوفه بجانب نجاتا في المكتب الصغير والخالي من النوافذ حيث تملك الغضب رئيسهم على نحوٍ أدى إلى "تطاير اللعاب من فمه."

"وبعد مرور حوالي ثلاثة أرباع الوقت الذي استغرقه أسوأ تأنيب رأيته على الإطلاق، سحب نجاتا يده ونظر في ساعته،" يواصل هيسلتون. جعل ذلك القائد يستشيط غضبًا. "نجاتا، أي حماقةٍ هذه التي تفعلها؟!" قال ذلك صارخًا، وفقًا لهيسلتون. واستدرك قائلًا "هل أصيبك بالملل؟" ولكن رد نجاتا أتى بسرعة، "سيدي، أردت فقط معرفة الوقت الذي تشرف فيه وظيفتي على الانتهاء على نحوٍ دقيق،" هكذا أجاب نجاتا على الفور مشيعًا جوًا من الدعابة على الموقف. "بدأنا جميعًا في الضحك، وانتهي الأمر،" هكذا قال هيسلتون.

وبعد فترةٍ قصيرة من واقعة النظر في الساعة، اتخذ نجاتا خطوة سيكون من شأنها أن تحدد جزءًا كبيرًا من مساره الوظيفي المستقبلي، حيث تطوّع لـ، واجتاز، التقييم والاختيار ضمن أحد أشد الوحدات سرية بالجيش الأمريكي. تكوّنت عام 1980 كوحدةٍ للعمليات الميدانية، قبل أن تصبح نشاطًا للدعم الاستخباراتي ثم (كما هو مذكورٌ في سجل نجاتا العسكري غير المصنف) مكتب الدعم العسكري بالجيش الأمريكي، ويقع مقر الوحدة في فورت بيلفوار، بفيرجينيا، وتقوم بإرسال إشاراتٍ وأنشطةٍ استخباراتية.

وبرز نجاتا، الذي كان والده ضابط استخباراتٍ، في العمل هناك لأسبابٍ لا ترجع بالضرورة إلى رغبته في ذلك. فعلى الرغم من أنه كان "شابًا ذكيًا على نحوٍ واضح،" كما يقول العقيد، آنذاك، ويليام "جيري" بويكين، الذي تولى قيادة قوة دلتا Delta Force، والتي عملت جنبًا إلى جنبٍ مع وحدة نجاتا في الميدان، فإن تلك الوحدة كانت مليئة "بالعديد من الأشخاص الاحترافيين والمهرة، لذلك فإنه لم يبرز بينهم، إلا لكونه آسيويًا، وقد تكونوا لاحظتم أن ذلك كان عام 1991 حيث لم يكن من المرجح أن ترى العديد من الآسيويين بوحدات القوات الخاصة في ذلك الوقت."

وبينما كان بأولى دوراته في فورت بيلفوار، أُرسِل نجاتا إلى الصومال عام 1993، حيث عمل عن قربٍ مع وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، باعتباره حلقة الوصل بين قائد القاعدة بمقديشيو وقوة مهمات الحراسة، التابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، حيث كانت المهمة هي الإيقاع بزعيم الميليشيات، محمد فرح عيديد. "لقد كان بمثابة اليد اليمنى لقائد القاعدة [التابعة لـ CIA]،" كما يقول بويكين، الذي أُرسل إلى هناك كقائدٍ لقوة دلتا Delta Force. (ومثل غيره ممن أُجرِيت حواراتٌ معهم أثناء كتابة هذا المقال، تحدث بويكين بحرصٍ شديد ومن خلال مصطلحاتٍ غامضة فيما يتعلق بالوحدة التي كان يعمل بها نجاتا.)

قام رجال عيديد في الثالث من أكتوبر عام 1993 بإسقاط مروحيتين بلاك هوك (من طراز MH-60) تابعتين لقوة مهام الحراسة، ليعجلوا معركةً دامية اشتعلت في أنحاء المدينة خلال اليوم التالي، ناجمةً عن مصرع ثمانية عشر أمريكيًا ومئات الصوماليين. أكّد نجاتا واثنان من زملائه لبوكين أنهم كانوا مستعدين وراغبين في الذهاب لمساعدة رفاقهم. "بمجرد بدء إطلاق النار، قالوا لرئيس القاعدة، بصورةٍ أو بأخرى، ‘إنهم ذاهبون للقتال،’" هكذا قال بويكين. كان مقر قوة مهام الحراسة يقع بمطار مقديشيو، بينما كانت محطة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) واقعةً بمجمعٍ آخر على مسافة خمسة كيلومترات، ولكن نجاتا وزملائه قاموا بالرحلة المحفوفة بالمخاطر بين الموقعين. "كانوا كمن ظهر فجأةً بالقاعدة هناك ليقول ‘مرحبًا، نحن هنا؛ لقد أعددنا أنفسنا ونحن الآن مستعدين للذهاب’ – كان لسان حالهم يقول ‘ضعنا بالمعركة، أيها القائد،’" هكذا قال بويكين، وأضاف أنه كان يعتقد، بنهاية المطاف، أن الدور الذي كان نجاتا يقوم به مع الـ CIA أشد أهميةً من مشاركته في القتال.

ومع ذلك، بينما تم تصعيد محاربي قوة مهام الحراسة، على نحوٍ متفاوت، لبعض المناصب العليا بدوائر العمليات الخاصة خلال العشرين عامًا التي تلت ذلك، فقد وجد نجاتا نفسه يعمل مع ولأجل الناس الذين قام ببناء علاقة قائمةٍ على الثقة معهم على مدار أعوام. وفي تلك الأثناء، واصل بناء سمعته داخل الوحدة التي كان يعمل بها والوحدات المنظمات الأخرى التي عمل عن قربٍ معها، بما فيها الـ CIA، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تفوقه على أقرانه. "كان متدينًا على نحوٍ عميق،" كما ذكر جنديٌ عمل معه بفورت بيلفوار، ولم يكن لدى نجاتا الكثير من الوقت للشراب وحضور الحفلات، هكذا يقول ضابطٌ متقاعدٌ كان قد عمل مع نجاتا كضابطٍ مبتدئ. "لقد كان شديد التركيز في عمله،" يقول الضابط المتقاعد. "وقبل كل عرضٍ كان يحضّر له،" بغض النظر عن مدى سهولته، يواصل الضابط المتقاعد مسترجعًا، "كان دائمًا يستغرق وقتًا في التدريب والممارسة." ومثل العديد من المصادر التي أُجريت معها حواراتٌ لكتابة هذا المقال، طلب الضابط المتقاعد عدم ذكر اسمه حتى يتمكن من الحديث بحريةٍ عن ضابطٍ قضى معه وقتًا طويلًا في وحدةٍ لا يعترف الجيش بوجودها.

في عام 1997، تولى بويكين قيادة قوة المهام المشتركة "أمبر ستار"، التي كان مقرها في سراييفو، البوسنة والهرسك، وكان موكلًا بالإيقاع بمجرمي حرب البلقان. بعد ذلك بقليل، ذهب إلى الولايات المتحدة وطلب نجاتا – الذي كان وقتها رائدًا في دورته الثانية ببيلفوار – بالاسم للالتحاق بالقوة.

بينما كان هناك، استغل نجاتا وزميلٌ آخر من وحدته الوقت في تدريب بعض فرق البحرية على فنون الدفاع عن النفس القتالية. "أعرف هذا: إنه أحد مقاتلي جوجوتسو الأوغاد،" هكذا قال أحد الضباط السابقين بالوحدة العاشرة في العمليات الخاصة بعد أن لاحظ بعض هذه التدريبات. "قمت بالتدرب على فنون الدفاع عن النفس القتالية لمدة سبعة عشر عامًا. إذا واجهت مايك نجاتا، فإنه سوف يوقع بك ويجعلك بحاجةٍ إلى الذهاب إلى المستشفي في أقل من لمحة بصر... وهناك سوف يستغرق أطباء العظام  أسابيع محاولين أن يعيدوك كما كنت."

عمل كلٌ من نجاتا وزميله على تدريب عناصر فرق البحرية على التحكم في المواقف الخطرة بدون استخدام أسلحة. "كانوا يقولون، ‘عندما تكونون على مقربةٍ من خصومكم، يجب أن تستخدموا أيديكم,’" هكذا قال الضابط السابق بالوحدة العاشرة، مشبهًا القتال بأحد أفلام بروس لي. "لقد كانوا يتعاملون مع ستةٍ من عناصر البحرية ويشتتونهم فيما يقرب من ثوانٍ ثلاثة."

تولى نجاتا قيادة كتيبةٍ ساعدت في تنظيم دورة تأهيل القوات الخاصة، وبعدها، في عام 2000، بدأ دورةً مدتها عامين كقائد سربٍ بوحدة فورت بيلفوار، ثم قضى عامًا بكلية الحرب الوطنية في واشنطن. بعد ذلك، أبقته المهمة التالية التي أوكِلت إليه في نطاق واشنطن. سعى بويكين ، رئيسه القديم في عمليات الإيقاع بمجرمي حرب البلقان، إلى إرساله إلى البنتاجون للعمل بمكتب ستيفن كامبون، وكيل أول وزارة الدفاع للشئون الاستخباراتية، وهو منصبٌ استحدثه وزير الدفاع حينها، دونالد رامسفيلد، بهدف دعم وتعزيز مؤسسات الجيش الاستخباراتية.

وكانت إحدى المهام التي أوكلت إلى المكتب الجديد هي أن يحدد على وجه الدقة مجمل السلطات الاستخباراتية التي تتمتع بها وزارة الدفاع. وأوضحت النتيجة التي تم التوصل إليها أن الوزارة تمتلك سلطاتٍ واسعة، ولا تخضع - على نحوٍ واسع - لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، كما كان مفترضًأ من قبل. ساعد ذلك في زيادة الفرص أمام وحدة نجاتا القديمة ذات المهمة الخاصة بفورت بيلفوار للقيام بعددٍ من العمليات السرية في بلادٍ لم تكن الولايات المتحدة متورطةً في حروبٍ على أراضيها. وكان ذلك بالنسبة لنجاتا، الذي كان وقتها خبيرًا في الصيغ القانونية المعقدة للعمليات السرية وغير المعلنة – لا سيما تلك المتعلقة بجمع معلومات استخباراتية بواسطة التواصل الشخصي [الاستخبارات البشرية Humint (مقابلها استخدام التقنيات الحديثة لجمع المعلومات الاستخباراتية]، كان ذلك بالنسبة له وقتها أمرًا اكتسب خبرته الواقعية والمباشرة التي أفادته خلال مهمته التالية عندما أصبح قائد الوحدة عام 2005.

"كنا نظن أننا تحكمنا تمامًا في الاستخبارات البشرية (humint) ولكن رجاله كانوا من يقف على الخطوط الأمامية هناك ليعيشوا على نحوٍ فعلي ما اعتبرنا أننا نتحكم فيه," هكذا قال بويكين. وبينما كانت القوات التابعة لنجاتا تجوب أنحاء العالم، عادة بشكلٍ سري، كان هو يواجه تحدي التنسيق بين استراتيجية البنتاجون الجديدة والجريئة في التعامل مع الاستخبارات البشرية (humint) وبين رؤساء محطات الوكالة المركزية للاستخبارات (CIA)، "ولكن بغير تنازلٍ عن أيٍ من السلطات لهم،" كما يقول بويكين.

عاد نجاتا إلى فورت بيلفوار في منعطفٍ هام بتاريخ الوحدة ذات المهمة الخاصة. حيث أن رامسفيلد كان قد نقل الوحدة من قيادة الاستخبارات والأمن العسكري إلى قيادة العمليات الخاصة، مع منح تحكم الوحدة التشغيلي لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، ليصبح الأمر أكثر يسرًا بالنسبة إلى الوحدة أن تعمل كجزءٍ من قوات المهام التابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC). لقد أصبحت حينها تُعرّف من خلال قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) كقوة مهامٍ "أورانج"، وعادةً ما يُختصر الاسم إلى "أورانج" فقط. وكان نجاتا أول ضابطٍ يتولى قيادتها، ولم يقضِ فترة خدمته في الاستخبارات العسكرية، منذ بداية الثمانينيات.

وفي الأثناء ذاتها، قام اللواء ستانلي ماكريستال، قائد قيادة العمليات الخاصة المشتركة حينها، بوضع العديد من المسئليات على عاتق "أورانج"، حيث كلفها بالمشاركة مع قوات المهام التابعة له في أفغانستان والعراق، علاوةً على القيام بمهامٍ سرية وغير معلنةٍ أخرى حول العالم، لاسيما بمنطقتي الشام والقرن الإفريقي، حيث قامت عناصر الوحدة بمرافقة ضباط الـ CIA في الذهاب إلى الصومال لزرع معدات إرسال إشاراتٍ استخباراتية وشراء ولاءاتٍ من أمراء الحرب وقادة الميليشيات في خضم القتال ضد العصابات الإسلامية. من جانبه، كان نجاتا "بلاشكٍ يواجه ضغطًا كبيرًا تمثله كثافة العمليات (OPTempo)... كان الأمر مذهلًا،" كما يقول بويكين.

تولى نجاتا قيادة "أورانج" لثلاثة أعوام، وكذلك ساهم في الثورة التي أطلقها ماكريستال داخل قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC)، محولًا إيّاها إلى قيادةٍ تقوم بمجموعةٍ من المهام الصغيرة والمتشابكة لتصبح آلةً فتّاكة تعمل على مدار 24 ساعة باليوم/ وسبعة أيامٍ بالأسبوع، حيث يقوم عناصرها بشن غارةٍ، وبعدها مباشرة، بناءًا على معلوماتٍ استخباراتية تم الحصول عليها من مكان الحدث، يشنون واحدةً أخرى. وكان مفتاح هذا التحول يتمثل في الجهود التي بُذِلت لربط القيادة – التي كانت منعزلةً فيما مضى – بغيرها من المؤسسات المدنية والعسكرية، من خلال وضع ضباطٍ يعملون كحلقات وصل بتلك المؤسسات وكذلك دعوتها لإرسال ممثلين عنها يعملون بقوات المهام التابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) وكذلك المشاركة في مؤتمرات الفيديو التي نظّمها واستضافها ماكريستال. كان هذا العمل المضني على تكوين شبكةٍ أهم العوامل التي ساهمت في الزيادة المطّردة لوتيرة العمليات التي أشرف عليها ماكريستال بينما كانت قوة المهام التابعة له تحارب في معركةٍ طاحنة ضد القاعدة في العراق. وفي واقع الأمر، كان نجاتا هو المهندس الحقيقي وراء مبدأ قيادة العمليات الخاصة المشتركة JSOC؛ "دحر تنظيم شبكي يتطلب عملًا شبكيًا،" وهو ما تم تعميمه بعدها بواسطة ماكريستال، وفقًا للجندي الذي عمل تحت إمرة نجاتا بفورت بيلفوار ووصفه بأنه "بلا شكٍ، أذكى ضابط عملياتٍ خاصة عملت معه خلال ستةٍ وعشرين عامًا قضيتها في الخدمة." ولكن من جانبه، اعترض ماكريستال بلطفٍ على هذه النقطة، رغم إشادته بنجاتا. "لم يكن هناك مهندسًا واحدًا لمبدأ ‘الحاجة إلى العمل الشبكي’؛ فقد كان ذلك حصيلة جهود مجمل الأفراد من مختلف المواقع والمناصب بالقيادة (بما فيهم مايك نجاتا)،" هكذا قال. "ومع ذلك، فإن مايك نجاتا كان أحد أكفأ مطبقيه... [و] أحد أفضل الجنود الذين عرفتهم على الإطلاق."

ويُعد هذا النوع من الإعجاب، المشوب بالمودة، تجاه نجاتا أمرًا مشتركًا بين أولئك الذين عملوا معه أو في نطاقه، رغم كم الضغط الذي قد يضع به أولئك الذين يعملون تحت إمرته، والتجاوز عن احتمالات الخطر التي تكتنفها المهام التي يقومون بها.

استشهد الجندي الذي عمل تحت قيادة نجاتا بفورت بيلفوار (وهو متقاعدٌ حاليًا) بمثالٍ لأحد العاملين بـ"أورانج" كان قد تم إرساله وحيدًا إلى موقعٍ خطر، بينما كان ينهار مشروع زواجه على أرض الوطن. أصّر نجاتا أن يكمل مهمته بالخارج. "لقد كان الوحيد الذي امتلك تأشيرة دخول ذلك المكان،" يقول الجندي المتقاعد. حينها، كان بعض ضباط الصف الكبار "مستائين منه لعدم إعطاء الضابط فرصةً كي يعود ويُصلح أموره العائلية."

"التفت نجاتا لهم وقال ‘حسنًا، سأخبركم الفكرة: إذا كنت مستعدًا للمخاطرة بحياته من خلال تكليفه بتلك المهام، فإنني بالتبعية مستعدًا للمخاطرة بزواجه.’"

كان الرقيب أول جاري رايد هو مساعد نجاتا خلال النصف الأول من فترته في القيادة، حيث عمل ككبير مستشاريه. "عاد جاري ومايك إلى العمل سويًا عندما كان جاري يعمل رقيب قواتٍ أول وقت عودة مايك إلى الوحدة،" هكذا قال الجندي الذي عمل تحت قيادة نجاتا بفورت بيلفوار. تقاعد رايد في منتصف فترة نجاتا في القيادة وترقى بسرعة في قطاع الخدمة المدنية بوزارة الدفاع. وهو الآن أحد المسئولين الكبار بمكتب وكيل وزارة الدفاع المنقضية ولاته، مايكل فايكرز، الأمر الذي يعطي نجاتا حليفًا آخر في موقعٍ حسّاس.

كانت علاقاته الوثيقة بمسئولي وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) الكبار تُعد ميزةً أخرى لنجاتا في قيادته لـ"أورانج". حيث جعل ذلك من الصعب بالنسبة لضباط الـ CIA الآخرين في الميدان أن ينتصروا في معاركهم الصغيرة معه، كما قال الجندي الذي عمل تحت قيادته. "لقد وضع العديد من العاملين بالـ CIA في موقفٍ حرج، لأنه كان يدرك نقاط ضعفهم," يقول الجندي المتقاعد. "كانت لديه القدرة على الإمساك بالهاتف والتحدث إلى أحد الأشخاص بذلك المبني ليقول ‘أتعرف يا صديقي؟ لدي مشكلةٌ مع غلامك.’ وكان ذلك فعّالًا للغاية... وحتى اليوم، لا يزال محافظًا على تلك العلاقات."

عندما سُئل عن رؤية الـCIA  لنجاتا، أجاب أحد كباري المسئولين هناك: "الجنرال نجاتا مهنيٌ بارع، ومفكرٌ استراتيجيٌ حقيقي، وأحد أفضل ضباط وزارة الدفاع."

على صعيدٍ آخر، وفّر العمل التالي الذي تولاه نجاتا الفرصة له كي يوسِّع ويعمِّق فهمه للكيفية التي كانت الـ CIA تعمل من خلالها: حيث تم إرساله إلى مقر لانجلي التابع للوكالة ليشغل منصب نائب مدير الدفاع بمركز مكافحة الإرهاب. "لقد استوعب المشهد بسرعة،" هكذا قال أحد رؤساؤه السابقون، بعد أن حضر العديد من الاجتماعات مع نجاتا خلال هذه الفترة. "لم يكن مفتونًا بثقافة الـ CIA ولا منسحقًا أمام يلقيه الناس بجعبته،" يضيف رئيسه السابق. "لقد كان لديه إدراكًا جيدًا بالعالم، مثل - وربما أفضل من - ذلك الذي يتمتع به العاملون بذلك المبنى."

في أكتوبر 2009، عُلِّقت النجمة الأولى لنجاتا، ليجعله هذا، كما قال أحد مصادرنا من العمليات الخاصة، أول قائدٍ من وحدة فورت بيلفوار ذات المهمة الخاصة يصبح جنرالًا. لقد أصبح سجله الوظيفي غير الاعتيادي كأحد أصول الملكية الثابتة. "إنه يعرف بيلتواي؛ يعرف المبنى، ويعرف الوكالات،" ولا سيما وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، هكذا قال عقيدٌ متقاعدٌ بالعمليات الخاصة. "إنه جنرالٌ فريدٌ من نوعه في هذا الصدد."

* * *

بالرغم من هذا، يعترف حتى أشد مناصرو نجاتا أن امتلاكه موهبةٍ حقيقية في التحدث والكتابة قد يكون سببًا في إحباط بعض أقرانه المتفوقين في الممارسة العملية. "بدلًا من إخبارك عن الوقت، فإنه سوف يخبرك كيف تصنع الساعة،" هكذا قال عقيد العمليات الخاصة المتقاعد. "إنه لا يوجز في إيصال ما يريد قوله، ربما أكثر مما ينبغي."

وقال ضابطٌ تولى قيادة وحدةٌ أخرى تابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) عندما كان نجاتا بالقيادة في فورت بيلفوار أنه لم يرَ "نجاتا كمحاربٍ أو قائدٍ عسكري."

"إنه محاورٌ بارع، يمكنه التحدث بطلاقة وكتابة رسائل بريدٍ إلكتروني ممتازة،" ورغم ذلك، يضيف الضابط قائلًا أن نجاتا كان "جديرًا بالاحترام" و "شديد التدبر."

عقب انقضاء دورته بوكالات الاستخبارات المركزية (CIA)، تم إرسال نجاتا إلى السفارة الأمريكية بإسلام أباد، حيث عمل كنائب رئيس العمليات بمكتب ممثل الدفاع في باكستان. كان هناك في الفترة بين يوليو 2009 وسبتمبر 2011، وهي الفترة التي تزامنت مع الغارة التي شنتها فرق البحرية على المنطقة التي كان يختبئ بها أسامة بن لادن بأبوت أباد. وقد أثار عمل أوباما السابق بالـ CIA وقيادته لأخد أشد وحدات الجيش سريةً تكهناتٍ بأنه كان متورطًا في العملية، ولكن لم تقل أيٌ من المصادر التي أُجريت حواراتٌ معهم بشأن هذا المقال أنهم كانوا يعرفون أي شيءٍ يتعلق بمشاركته في مهمة بن لادن.

كان أداء نجاتا في باكستان "رائعًا للغاية،" هكذا قال ضابطٌ متقاعدٌ من العمليات الخاصة كان قد تعامل مع الجنرال أثناء الفترة التي قضاها بإسلام أباد. إن بيئة العمل في باكستان شديدة الصعوبة بالنسبة إلى موظفي الحكومة الأمريكية، لاسيما العسكريين منهم. "لا يفهم السكان الأطر الثقافية والسياسية التي يجب عليك العمل من خلالها [هناك]، ولكن نجاتا فهم ذلك وتكيّف معه بسرعةٍ مذهلة،" هكذا قال الضابط مستطردًا. كان نجاتا قادرًا على الاستفادة من فهمه العميق للمؤسسات والوكالات الحكومية المختلفة، والبزوغ كـ"حلقة وصلٍ" قادرة على التنسيق بين تلك الوكالات "لجعلها تقوم بأشياءٍ لم تُصمم للقيام بها مطلقًا" من خلال الاستفادة من "سلطاتٍ وأموالٍ أخرى يحتفظ بها المجتمع والأفراد،" هكذا قال ضابط العمليات الخاصة المتقاعد.

وبعد مرور عامٍ ونصف قضاها نجاتا كمستشار رئيس الأركان المشتركة لشئون العمليات الخاصة، تولى قيادة قسم العمليات الخاصة بالقيادة المركزية (الاسم الرسمي، القيادة المركزية للعمليات الخاصة) في يونية 2013، حيث تحدّث في واشنطن، مُسمِعًا أقرانه ورؤسائه ما لم يودوا سماعه. "الأمر الذي كان ينصح به هو أننا ينبغي علينا التعامل بقدرٍ أكبر من الجدية مع صعود شعبية داعش،" هكذا قال المسئول الاستخباراتي السابق، مستخدمًا الاسم المفضّل لدى الحكومة الأمريكية للتحدث عن "الدولة الإسلامية". كان استعداده لإيصال رسالته لماكرافين وأوستين وغيرهم من كبار القادة بماكديل في خريف 2013 دليلًا على "شجاعته الأدبية،" كما يقول ضابط العمليات الخاصة الذي كان بالغرفة عندما حذّر نجاتا من أن العراق وسوريا واليمن أصبحوا على حافة التمزق.

"كان ذلك جيدًا من جانبه، لأنه امتلك الشجاعة الأدبية التي مكّنته من الوقوف بغرفةٍ معظم حضورها من ذوي النجوم الأربعة وأخبرهم الذي يعتقده على نحوٍ دقيق،" يتابع ضابط العمليات الخاصة مستطردًا. "لقد قال لرؤسائه ما معناه ‘انتبهوا أيها السادة، فالخطر يحدّق بنا’،" يقول الضابط. "هل تدركون كم الشجاعة التي يحتاجها المرء كي يقوم بذلك؟"

كان الدافع وراء شجاعته أيضًا كم "العرق والعمل المضني" الذي بذله نجاتا وغيره من قادة العمليات الخاصة أثناء الحملة الشعواء التي شنتها قيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) على تنظيم القاعدة في العراق – أسلاف "الدولة الإسلامية" – قبل عدة أعوام، هكذا قال ضابط العمليات الخاصة السابق الذي ناقش قضية الدولة الإسلامية مع نجاتا. "إذا نظرت إلى سجل الرجل في العمل هناك، فإنك سوف تعتقد أن من حقه الحصول على الجنسية العراقية،" يقول ضابط العمليات الخاصة السابق مازحًا. "لقد بذل كثيرًا من العرق في ذلك، وأصابه إحباطٌ شديد عندما طُلِب منّا الرحيل."

وعلاوةً على تحذيرات نجاتا من الدولة الإسلامية، كانت هناك أيضًا مخاوفه من أن تخفق الولايات المتحدة على الجبهة الإعلامية وتخسر معركتها الدعائية. "لوقتٍ طويلٍ، كان يقول ‘إننا نخسر هذه المعركة بسبب المعلومات. إننا لا نمتلك حملةً معلوماتية،’" هكذا قال ضابط العمليات الخاصة الذي كان موجودًا بالغرفة في ماكديل. "لقد كان يقول هذا بالحرف مرارًا وتكرارًا، ولكن لم يكن هناك من يصغي إلى الرجل. لم يكن هناك أحد."

والآن، يواجه نجاتا ما قد يُعد التحدي الأكبر في تاريخه المهني: قيادة قوة المهام الموكلة بمهمة تدريب المتمردين السوريين المعتدلين بما يكفي لإيقاف مسلسل انتصارات الدولة الإسلامية بسوريا. وسوف يتطلب ذلك كلًا من معرفته العسكرية ومهاراته الشخصية على حدٍ سواء.

عندما يقوم نجاتا بزيارة واشنطن كقائدٍ للقيادة المركزية للعمليات الخاصة، تُجرى معظم اجتماعاته مع مسئولين من "القيادة العليا" خلافًا عمّا كان فيما مضى، هكذا قال الضابط السابق بالعمليات الخاصة. "لقد غدا حصانًا رابحًا،" تُجرى زياراته مع مسئولين من الكونجرس والـ CIA وغيرهما.

ربما يكون نجاتا الأفضل في عمله، ولكن حتى المعجبون به يظنون أنه عرضةٌ للفشل. "أظن أن المهمة محكومٌ عليها بالفشل من البداية،" هكذا قال ريز، ضابط قوة دلتا (Delta Force) المتقاعد، مستشهدًا بالسلسلة المرتبكة من القادة الذين تولوا قيادة مختلف قوات مهام العمليات الخاصة بالشرق الأوسط. كي ينجح، يحتاج نجاتا إلى دعم الإدارة – الدعم الذي قد لا يجده ببساطة. "مايك جيدٌ بالفعل في التنفيذ،" يقول المسئول الاستخباراتي السابق. "وقطعًا، هو في المكان الصحيح، ولكنهم يجب أن يستمعوا إليه. لا أتحدث فقط عن لويد أوستين، أتحدث عن البيت الأبيض."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب