هل حان الوقت لإجراء بعض التغييرات في قطاع الاستخبارات الأمريكي؟

مقال رأي

 أمر رئيس الولايات المتحدة أجهزة استخباراته بالتصرف، إثر شعوره بالإحباط بسبب تكاليف التدخل في الشرق الأوسط التي مثلت عبئا على أمريكا لسنوات. اختارت الأجهزة طريق تغيير الأنظمة. فأخذ العناصر المبادرة، فأذكوا بشكل سري جيش لعزل الحاكم المسيء.

كان ذلك الرئيس توماس جيفرسون. وحدث ذلك عام 1805. حيث كانت الولايات المتحدة، منذ أوائل أيامها، كحال الدول الأوروبية، مجبرة بسبب القراصنة البربر على دفع ضريبة مقابل تجنب احتجاز أو مضايقة السفن المبحرة. وأمل جيفرسون سابقا أن يشكل تحالفا دوليا لعزل باشا طرابلس، ولكن بسبب التردد الأوروبي، تصرف جيفرسون منفردا. وكانت النتيجة ما تصفه وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الآن على موقعها بأنه "أول محاولة سرية أمريكية للإطاحة بحكومة أجنبية".

في البدء، بدت الجهود الأمريكية ناجحة، بمجرد وضوح أن الأمريكيون قد تمكنوا من الإطاحة بالباشا واستبداله بأخيه، تم عقد اتفاقية. إلا أن العداوات الأمريكية في المنطقة لم تحل بالكامل لمدة عقد آخر.

تقشعر الأبدان لمعرفة الكثير عن تلك القصة. حيث لا يبدو أن الولايات المتحدة لم تتقدم كثيرا في التدخل منذ قرنين. ولكنها تواجه مجددا عداوات لانهائية في الشرق الأوسط. وأصبحت أجهزة الاستخبارات الأمريكية مجددا محورا للخطوات الأمريكية.

خلال السنوات الأولى من وجود الولايات المتحدة، سعى الرئيس جورج واشنطن لتمويل الأجهزة السرية التي شعر أنها أساسية لأمن الولايات المتحدة. حيث استهكلت مخصصات تلك الأنشطة التجسسية حوالي 10 بالمئة من ميزانية الولايات المتحدة – وهو مبلغ ضخم بلغ حوالي مليون دولار.

وفي عام 2014، بلغ إجمالي ميزانية الأنشطة الاستخباراتية الأمريكية حوالي 68 مليار دولار، حيث انخفض عن عام 2010، 80 مليار دولار.

رغم جذوره العميقة والموارد التي صبت فيه، يقف قطاع الاستخبارات اليوم عند نقطة فاصلة. فقد تعرض لانتقادات بسبب دوره في برامج التعذيب والانتهاكات الأخرى، وواجه سلسلة طويلة من حالات الفشل الاستخباراتي المكلف، بالإضافة إلى الصدمة التي سببتها النشاطات التجسسية المتجاوزة التي تجريها وكالة الأمن القومي. مر قطاع الاستخبارات الأمريكي بعدة تغيرات كبيرة، بينها إنشاء مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بعد أحداث 11 سبتمبر، بالإضافة إلى التعديلات الأخيرة في وكالة الاستخبارت المركزية الأمريكية التي أشرف عليها مدير الوكالة جون برينان. إلا أن إنشاء مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي هدف إلى تعزيز التنسيق بين وكالات الاستخباراتية، أدى إلى مفاقمة التوترات. وأدى التنافس بين العناصر الخاصة داخل الجيش، استخبارات الجيش، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، حول أي الفرق يجب أن يتولى القيادة في مواجهة التهديدات الإرهابية حول العالم، إلى مفاقمة التوترات الداخلية. وأدى فشل كبار صناع القرار في توظيف الاستخبارات بشكل فعال أو فهم أوجه قصورها الكاملة إلى تدهور تلك المشكلات.

يأتي ذلك الاضطراب في وقت تثير فيه العواقب التحولية العميقة لحلول عصر المعلومات أسئلة جادة حول مستقبل الاستخبارات. امتدت تلك الأسئلة لتشمل دور قطاع الاستخبارات في أجهزة الأمن القومي، وسائل تحقيق الأهداف الاستخباراتية، والضوابط الملائمة التي يجب تطبيقها على النشاطات الاستخباراتية في المجتمع الحر. أتت تلك التغييرات سريعة جدا لدرجة دفعت إلى تولية أهمية أقل إلى التفكير حول أفضل وسيلة لمواجهة تلك المشكلات، مقابل أهمية أكبر للمخاوف العملياتية التي أربكت قطاع الاستخبارات خلال العقد ونصف الماضي.

إلا أنه هناك حاجة أكثر إلحاحا لإعادة التفكير حول كيفية، سبب، زمن، مكان، ووسائل جمع الاستخبارات، تحليلها والاستفادة منها. لا زلنا نمر بالأيام الأولى لثورة المعلومات. حيث ستتسارع وتيرة الاختراقات، وستتحول التوابع من التحسينات التدريجية في الانتاجية والاتصال إلى التغيرات الأساسية في طبيعة المجتمع، السلطة، الحرب والسلام.

يقدر أنه بحلول العام 2020، سيكون 50 مليار جهاز على اتصال بالإنترنت – سيتضمن معظم تلك الأجهزة معالجات دقيقة ستقدم لمحات في الوقت الفعلي عن جميع جوانب الحياة على الكوكب. علاوة على ذلك، سيكون جميع البشر، المنظمات، والحكومات في العالم متصلين بشكل فعال عبر نظام اصطناعي لأول مرة في التاريخ. وسيمثل جميع تلك المليارات من المعالجات الدقيقة والاتصالات على الانترنت مدخلا محتملا للمراقبة والتجسس. علاوة على ذلك، بفضل طائرات الدرون والأجهزة النانوية التي يمكن اخفائها وزرعها في الاهداف بالملايين، تقف البشرية على عتبة فترة من الاستشعار عن بعد المنتشر في كل مكان بشكل محتمل. (بغض النظر عن التأثير التدريجي الذي ستحدثه الاستخبارات الاصطناعية على كيفية توجيه، قيادة، وتحليل ما يتم جمعه).

إن لم يضع العالم حدودا، يفضل أن تكون عبر اتفاقية دولية، بالنسبة لما يمثل لعبة عادلة في ذلك النظام – فيما يتعلق بالمراقبة والصراعات الرقمية – تجازف الإنسانية بدخول فترة ستجعل تخيلات "الأخ الأكبر" بالية بمقارنتها بالواقع. سيكون من المحوري لعملية وضع الحدود تلك إجراء حوار عام بشأن أحجار البناء الفلسفية لذلك النظام، والذي يناقش أمورا مثل، ماهية الخصوصية، من يملك البيانات التي ينتجها كل مستشعر، كيف يجب أن يتعامل المعنيون مع حقوق الأفراد، الشركات والدول. علاوة على ذلك، سيتوجب أن تكون وكالات الاستخبارات منظمة للتعامل مع تلك الحقائق، وكذلك كامل أنظمة الأمن القومي. وعلى نحو متزايد، سيمثل الانترنت الساحة التي ستجري عليها معظم المعارك المستقبلية، والتي سيكون فيها المحاربون المعلوماتيون، الذين ينتمي العديد منهم إلى قطاع الاستخبارات، المقاتلون الرئيسيون.

سيكون من الأساسي أن يراجع العالم وجهات نظره بشأن تصنيف المعلومات. فهناك نطاق أوسع من المعلومات متاح للعامة، أكثر مما يمكن جمعه بشكل سري. يسهل تأكيد تلك المعلومات مفتوحة المصدر، يسهل مشاركتها، وهي أكثر إفادة لصناع القرار، كما أنها أساسية لعمليات التعاون بين القطاع الخاص والعام التي ستكون مطلوبة في البيئة الأمنية الجديدة. والعكس بالعكس، تشير تقديرات مستهلكي الاستخبارات الوظيفية إلى أن الأغلبية العظمى مما هو متاح عبر القنوات السرية متاح أيضا أو يمكن التوصل إليه عبر المصادر المفتوحة. وسيؤدي عدم تصنيفه إلى توفير مليارات الدولارات.

تصمم أحدث أنظمة المعلومات لخدمة مستهلكي المعلومات. أجهزة الاستخبارات موجه بشكل أكيد نحو احتياجات ومخاوف منتجي المعلومات. فهي مركزية عندما توزع معظم الأنظمة، ويصعب التفتيش عن ذلك عندما يكون أغلب التركيز على تسهيل التوزيع. يكون الأمر منطقيا في بعض الحالات (رغم قلتها) لحماية المصادر والوسائل. ولكن بشكل عام، يجب أن يتم إصلاح الأجهزة الأمنية لتحسين قدرة المسؤولين على اتخاذ قرارات واعية باستخدام مزيج المعلومات مفتوحة ومحدودة المصدر.

يبدو انتقال المحللين إلى مسافة أقرب من المستهلكين منطقيا أيضا. فيجب أن تستعيد الولايات المتحدة آلياتها المدمرة للنظر في عواقب الأمور، مثل مجلس الاستخبارات الوطنية. ولكن الهدف الأهم والأصعب لأنظمة الاستخبارات الجيدة ليس تقديم الإجابات الصحيحة – بل طرح الأسئلة الصحيحة. يتطلب ذلك عمليات خاصة، مستقلة، والحرية الخلاقة التي تغذيها أخبار اليوم، وينتقل النظام ذي دوافع سياسية من سيء إلى أسوء عند التنفيذ.

أخيرا، حان الوقت للاعتراف بأن إعادة التنظيم – أي، تأسيس مكتب مدير الاستخبارات الوطنية – الذي حدث في صحوة هجمات 11 سبتمبر الإرهابية كان حالة من الفوضى. كان في الواقع الحلقة الأخيرة في سلسلة من الجهود غير المرضية التي بدأت بإنشاء مكتب الخدمات الاستراتيجية أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم تضمنت تأسيس وكالة الاستخبارات المركزية. جميعها هدفت إلى تحقيق الترابط بين العدد المتزايد من وكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة (التي تصل حاليا إلى 17 وكالة). ولكن في كل حالة، لم تكن النتيجة حدوث تنسيق، بل إنشاء بيروقراطيات جديدة وإضعاف التواصل.

يحتاج قطاع الاستخبارات إلى عدد أقل من الوكالات، الرؤساء، إسراف أقل، تكاليف أقل، والمزيد من التوجيه نحو التركيز على المهام الصحيحة بالطريقة الصحيحة. ستخلق جميع قوى عصر المعلومات – أي الزيادة المفاجئة في الموارد والوسائل الجديدة لجمع الاستخبارات – إغراءات جديدة في الاتجاه المعاكس. ولكن إن استسلمت أمريكا لتلك الإغراءات، فمن المرجح أن تحصل على نتائج تؤدي لتضخم حالات الفشل الخاصة بالعقود الأخيرة، مع الفشل في البناء على تأدية دور حيوي ميز الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية منذ الأيام الأولى للدولة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب