أخطر عناصر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لا يزال حيا

تقرير صحفي

 قضت غارة الدرون التي نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية – التي قتلت قائد الفرع اليمني لتنظيم القاعدة – على مسلح طاردته واشنطن لسنوات. إلا أن أحد الأعضاء الأخطر والأكثر مراوغة لا يزال حرا طليقا، إنه صانع المتفجرات الرئيسي الذي كاد أن يفجر طائرة أمريكية، ويمثل ما يعتبره مسؤولو الاستخبارات الأمريكيين تهديدا حقيقيا يجب اسقاطه في المستقبل.

عبر مقطع فيديو مشتت مدته 10 دقائق، صدر يوم الثلاثاء، أكد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على مقتل قائده، ناصر الوحيشي، إثر غارة أمريكية خلال الأسبوع الماضي. أشاد المتحدث باسم التنظيم، خالد سعيد باطرفي، بالوحيشي بوصفه بـ"القاعد الشجاع" وتوعد بالثأر لمقتله. "إلى راعية الكفر، أمريكا، لقد أبقى الله لكم من يسوء وجوهكم، وينكد عليكم عيشكم، ويذيقكم مرارة الحرب وطعم الهزيمة"، وفق قول المقداد، حيث ورد المقطع على موقع منظمة "سايت" الاستخباراتية، المعنية بتتبع النشاط الجهادي على وسائل التواصل الاجتماعي.

تصدر التنظيمات المسلحة بشكل روتيني بيانات جريئة بعد مقتل قادتها الكبار، ولكن التنظيم قد يمتلك سببا أكثر واقعية من معظم أقرانه ليثق في أنه في يوم ما سينفذ ضربة ناجحة ضد الولايات المتحدة. قاد الوحيشي التنظيم، ولكنه لم يصنع المتفجرات المتقدمة غير المعدنية التي أرقت منام مسؤولي مكافحة الإرهاب الغربيين. جمعت تلك القنابل، المصممة بعناية لتفادي اكتشافها من قبل أجهزة الكشف عن المعادن وكلاب اكتشاف القنابل، بواسطة كميائي سعودي سابق اسمه إيراهيم العسيري. قال مسؤول أمريكي يوم الثلاثاء إن العسيري، رغم المحاولات العديدة لقتله، يظن إلى حد كبير جدا أنه لا يزال حيا.

"يظل العسيري ومهاراته نقطة قوة رئيسية لصالح التنظيم"، حسبما علق مايكل موريل، المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية. وعند سؤاله عن خبرة العسيري الفنية كصانع للمتفجرات، أدلى موريل بإجابة قاطعة: "إنه الأفضل في ذلك".

قال بروس ريدل، المسؤول السابق رفيع المستوى بوكالة الاستخبارت المركزية الأمريكية، إن العسيري مثل تهديدا خطيرا للولايات المتحدة لأنه طالما استمر عمله على الصعيد العملياتي، سيتمكن من تدريب المزيد من المسلحين على الفن الدقيق لصناعة أجهزة التفجير القادرة على تفادي تقنيات الفحص الغربية.

"العسيري ليس خطيرا بسبب مهاراته فقط، بل لأنه علم كادرا من صانعي القنابل ليكونوا إرثه"، وفق ريدل.

احتفى البيت الأبيض بمصرع الوحيشي بوصفه نجاحا هاما، حيث قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، نيد برايس، يوم الثلاثاء إن مقتله يمثل "ضربة قوية لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية" ولتنظيم القاعدة على نطاق أوسع. وأضاف برايس إن غارة وكالة الاستخبارات المركزية "تمحو من ساحة المعركة قائدا إرهابيا متمرسا، وتقربنا من إضعاف تلك التنظيمات للقضاء عليها في النهاية".

شكك موريل وريدل في ذلك التأكيد، قائلين إن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية قد يكون أكثر خطورة من أي وقت مضى بسبب استفادته من العنف والاستقرار السياسي المتزعزع، الذين دمرا معقله في اليمن. انتزعت الولايات المتحدة معظم أفراد الاستخبارات والعمليات الخاصة التابعين لها من اليمن مبكرا من العام الحالي، بعد سيطرة المتمردين المدعومين من إيران على العاصمة صنعاء ومساحات واسعة من البلاد. بينما نفذت المملكة السعودية حملة جوية واسعة لطرد التنظيم، ولكنها حققت القليل من الانتصارات الملموسة حتى الآن.

"أصبح تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية اليوم أقوى من أي وقت مضى، حتى دون وجود الوحيشي، بسبب الفوضى التي اجتاحت اليمن"، حسبما استطرد ريدل. "فلديه الآن معقلا خطيرا جدا في الشرق الأقصى من البلاد".

ينبع التهديد الذي يمثله التنظيم، إلى حد كبير، من قدرة العسيري المستمرة على تفادي القوة المشتركة لوكالة الاستخبارات المركزية وقيادة العمليات الخاصة المشتركة السرية، ومتابعته لعمله.

كان العسيري تحت المراقبة الغربية منذ عام 2009، عندما حاول عمر فاروق عبد المطلب، وهو مسلح نيجيري على صلة بتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربي، تفجير طائرة ركاب تابعة لخطوط "نورثويست" الجوية، فوق مدينة ديترويت باستخدام قنبلة وضعها في ملابسه الداخلية، والتي كان قد صممها العسيري وصنعها. تعطل الجهاز – الذي تكون من عبوة مسحوق المتفجر التي صممت لتنفجر بعد حقنها بمادة حمضية، ولكن المسؤولين الأمريكيين كانوا مندهشين من حقيقة أن عبد المطلب قد نجح في المرور عبر مراحل متعددة من أمن المطار دون أن يكشف أحد المتفجرات.

يقول مسؤولو الاستخبارات الأمريكيين إن العسيري قد صنع أيضا زوجا من القنابل التي نجحت في الوصول إلى داخل طائرة شحن تابعة للولايات المتحدة، إلى أن تم اعتراضها في بريطانيا ودبي. وجد المسؤولون الغربيون الذين أجروا فحصا، على طريقة الطب الشرعي، للأجهزة المتفجرة أن كلا الجهازين – اللذين كانا موجهين إلى منظمات يهودية في شيكاجو – قد تم إخفائهما داخل خراطيش حبر خاصة بطابعة من نوع "هيوليت باكارد" لضمان وصولهما إلى داخل الطائرة دون اكتشافهما.

ولد العسيري لعائلة عسكرية في الرياض في مطلع الثمانينيات. وبعد تدريبه ككميائي، تعرض للسجن من قبل السلطات السعودية بعد محاولته الوصول إلى العراق لمحاربة القوات الأمريكية هناك.

وفق ملف تعريف أعدته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، مثلت تلك التجربة نقطة تحول في تطور العسيري ليكون مسلحا إسلاميا كامل النضج.

"لقد سجنوني، وعندها بدأت في رؤية مدى عمق العبودية السعودية للصليبيين وكراهيتهم للعباد الحقيقيون لله، بسبب الطريقة التي استجوبوني بها"، حسبما صرح العسيري للمجلة التي يصدرها تنظيم القاعدة في سبتمبر 2009.

كان تشدده قد أصبح واضحا بشدة بحلول الوقت الذي نشرت فيه المقابلة، وقبل ذلك بشهر، حاول عبد الله العسيري اغتيال مسؤول سعودي كبير باستخدام قنبلة – صممها أخوه الأكبر إبراهيم – تم إخفائها في شرجه. كان هدف تلك العملية الأمير محمد بن نايف، الذي كان في حينها نائب وزير الداخلية بالمملكة. أدى الانفجار الناتج عن شق العسيري الأصغر إلى نصفين، بينما فر الأمير نايف مصابا بجروح طفيفة. في علامة مبكرة على مهارات العسيري، تم تفجير القنبلة عبر فتيل كميائي مصمم لتفادي أجهزة اكتشاف المعادن.

حاولت الولايات المتحدة قتل العسيري لسنوات دون نجاح، حيث أثبتت التقارير المتكررة عن مقتله مبالغتها إلى حد كبير. في عام 2011، قال مسؤولون أمريكيون غير محددي الهوية بشكل خاطئ إلى وكالة "أسوشيتد برس" إن العسيري قد قتل في غارة الدرون التي قتلت دعائي القاعدة – الأمريكي الجنسية – أنور العولقي. وفي عام 2014، صرح مسؤول يمني كبير لشبكة "سي إن إن" بأن العسيري قد لقى مصرعه إثر تبادل لإطلاق النار مع القوات الخاصة اليمنية، إلا أن ذلك التقرير ثبت خطأه أيضا.

في غضون ذلك، استمرت مهارات العسيري في التحسن. ففي يوليو 2013، قدم مدير إدارة أمن النقل في حينها، جون بيستول، وصفا مفصلا غير معتاد للقنبلة التي صممها العسيري لتوضع في الملابس الداخلية، والتي كانت جزء من مؤامرة لاسقاط طائرة ركاب أمريكية في الذكرى الأولى لمقتل أسامة بن لادن. احبطت المؤامرة بمساعدة مخبر داخل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وانتقلت القنبلة لاحقا لحيازة وكالة الاستخبارات الأمريكية وتمت دراستها.

صمم جهاز التفجير، حسبما قال بيستول في منتدى "آسبن" للأمن، بعناية ليتجاوز إجراءات الأمن القياسية مثل أجهزة اكتشاف المعادن وكلاب اكتشاف القنابل. احتوت القنبلة "نظام بدء مزدوج" لمزج المتفجرات السائلة، وتمت تغطيتها بعازل منزلي لتغطية رائحتها ومنع أي أبخرة من التطاير. أطلق عليها بيستول "الملابس الداخلية 2" – في إشارة إلى هجوم عام 2009 الفاشل.

"جميع معداتنا الخاصة بكشف المتفجرات .. لم تكن مجهزة لاكتشاف ذلك"، وفق قول بيستول، "وجميع كلابنا المكتشفة للمتفجرات، وعددها 800 كلب، لم تكن مدربة على ذلك النوع تحديدا".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب