أمل اليونان الوحيد

مقال رأي

 ينسب إلى رجل الدولة الفرنسي جورج كليمنصو (1841-1929) قول هذه العبارة: "إنه من الأسهل بكثير شن الحرب عن إقامة السلام". تناسب تلك العبارة تمامًا رئيس الوزراء اليوناني الكسيس تسيبراس. ويمكن أن يقال الشيء نفسه بالنسبة لأنجيلا ميركل وعدد من القادة الأوروبيين الآخرين الذين قد وجدوا أنفسهم متورطين في تلك الأزمة التي ترفض أن تنتهي. وحيث أن اليونان قد فوتت ميعاد تسديدها لدفعة القرض التي تبلغ 1.7 مليار دولار يوم 30 يونيو، وعقدها لاستفتاء يوم 5 يوليو حول ما إذا كان اليونانيون يقبلون اقتراح المؤسسات الدائنة الأخير، قد يلوح خروج اليونان الرهيب من منطقة اليورو في الأفق.

وقد شنت الحكومة الائتلافية التي يقودها رئيس الوزراء تسيبراس حربا لايجاد بديل لتسلسل اليونان بديونها الهائلة، التي تبلغ ما يعادل أكثر من 180 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. عاش الشعب اليوناني سنوات من التقشف الوحشي وارتفاع معدلات البطالة إلى عنان السماء (حوالي 25٪)، وانكماش كبير مستمر منذ عدة سنوات للنشاط الاقتصادي. وما يزيد من تأزم الأمور أن ديون القطاع العام في اليونان لم تسقط، بل إنها في زيادة، مما يجعل الكثيرين يشككون في قيمة التقشف.

في مفاوضات مع دائنيها، طلبت اليونان الإعفاء من الديون ومقدار أقل من التقشف، قدمت دعمًا فاترًا لإجراء إصلاحات هيكلية ووعدت بفرض ضرائب أعلى على الأغنياء (وهو خيار قديم للحكومات اليونانية). لقد كان نهج تسيبراس عدائيًا ومليئًا بالرطانة البلاغية وفي بعض الحالات كان إهانة متعمدة. لقد جامل الجناح الأيسر المناهض للرأسمالية في حزب سيريزا الحاكم للحفاظ على حكومته في البرلمان، وسعى إلى مد بساط الترحيب إلى الصين وروسيا في مقابل الدعم المالي، واستخدم ذلك للضغط في المفاوضات مع بروكسل.

لقد حسب تسيبراس ووزير ماليته الخبيث يانيس فاروفاكيس إن الاتحاد الأوروبي سيستسلم في نهاية المطاف لمطالب اليوناني لأن تكلفة السماح لذلك البلد المتوسطي بترك منطقة اليورو مرتفع جدا. ببساطة، فإنه سيكون من الأرخص دفع الأموال لليونان للبقاء في منطقة اليورو من تركها تخرج. إذا خرجت اليونان من منطقة اليورو، أيمكن أن تتبعها البرتغال وإيطاليا وغيرها من الدول التي تعاني من مصاعب اقتصادية، وهو الأمر الذي يمكن أن يضعف عملة المنطقة ويقوض النظم المصرفية والتأمينية في دول شمال أوروبا؟

لكي نكون منصفين فيما يخص إدارة تسيبراس، لعب فريق الدائنين الخاص بالاتحاد الأوروبي، الذي يتكون من البنك المركزي الأوروبي (ECB) وصندوق النقد الدولي (IMF) لعبة قاسية مع اليونان، حيث شددوا على عدم تشجيع أي فكرة تتعلق بالإعفاء من الديون، مطالبين بمزيد من التغييرات في نظام المعاشات في البلاد وتجديد مجال الخصخصة . وقد قوبلت الإهانات اليونانية بإهانات أوروبية، مما أضفى نوعًا من الدراما الشخصية على المفاوضات.

يأتي التشدد تجاه اليونان إلى حد كبير من ألمانيا، حيث تتعرض المستشارة الألمانية انجيلا ميركل لضغوط من الرأي العام ومن داخل حكومتها تدعوها إلى عدم الرضوخ للمطالب اليونانية، حتى لو كان ذلك يعني خروج اليونان من منطقة اليورو. في الواقع، قال حليف للمستشارة هانز ميشيلباخ زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي مؤخرا: "إما أن تعلن اليونان إنها مستعدة للتوصل إلى حل قابل للتطبيق، أو يجب على البلاد أن تغادر (منطقة) اليورو. يمكن لمنطقة اليورو التعامل مع النتائج المترتبة على خروج اليونان."

هناك أيضا أصوات في شمال أوروبا تقول إن اليونانيين يجب أن يعاقبوا على استهتارهم المالي. هناك عدد متزايد من الأصوات الأوروبية التي تفصح عن اعتقادها بأن خروج اليونان من شأنه أن يعزز اليورو في الواقع ، حيث أنه سيزيل أضعف حلقاته.

ينبغي على المرء أن يكون حريصًا فيما يرغب فيه. شهدت الأسواق العالمية يوم 29 يونيو حركة بيع كبيرة عقب انهيار مفاوضات الإنقاذ، وفرض اليونان لضوابط على رأس المال، والإعلان عن عطلة للبنوك في اليونان، وتعليق دعم البنك المركزي الأوروبي للبنوك اليونانية. لا ينبغي إغفال اتصال الأسواق المالية، وخاصة في الوقت الذي توجه فيه أسواق الأسهم الصينية اتجاه كبير للبيع، واعترفت حكومة بورتوريكو إنها لا يمكنها دفع ديونها التي تبلغ 72 مليار دولار.

حان وقت الحقيقة والعواقب بالنسبة لليونان وأوروبا. لقد فشلت سياسة الاتحاد الأوروبي في التعامل مع اليونان لحل مشاكل البلاد، بل ربما جعلتها أسوأ. في الوقت نفسه، تحتاج اليونان إلى جعل اقتصادها أكثر قدرة على المنافسة (بما في ذلك نظام ضرائب أفضل)، في حين أنه لن يكون هناك أي تقدم اقتصادي طويل الأجل من دون تقليم الدين (خفض قيمته).

فكرة تقليم الديون ليست جديدة. وضعت العديد من بلدان أميركا اللاتينية نفسها في طريق مسدود مثقل بالديون في ثمانينيات القرن الماضي. وجاء طريق الخروج بإعادة هيكلة ديونها الخارجية (بما في ذلك تقليمها) فضلًا عن الإصلاحات الاقتصادية. هذا أمر يجب على أثينا وبرلين وبروكسل التفكير فيه، اذا كان بامكانهم تجاوز العواطف.

الحقيقة الأخرى التي تواجه اليونان هو أن الاستفتاء قد يؤجل أي تسوية. على الرغم من أنه يضع مصير البلاد في أيدي الشعب اليوناني، فإنه ينطوي على خطر أن يؤدي إلى مزيد من السياسة. تشير استطلاعات الرأي حاليا أن جانب "نعم" يمكن أن يفوز، ولكن الأسبوع السابق لعقد الاستفتاء سيكون مليئًا بالفوضى الاقتصادية وصعوبة الوصول إلى الحسابات المصرفية ، مما قد يعكر مزاج الشعب بسبب تكاليف كونهم جزءا من تجربة أوروبا الكبرى.

ومن شأن انتصار التصويت بـ"لا" أن يعزز ادعاء تسيبراس الذي يقول بأن أخد موقف متشدد مع الاتحاد الأوروبي هو المسار الصحيح، وإن أوروبا ستتنازل في نهاية المطاف. هذا يمكن بالطبع أن يأتي بنتائج عكسية، مع استعداد الاتحاد الأوروبي لتحمل مخاطر خروج اليونان من منطقة اليورو. يمكن لليونان أن تدخل جولة أخرى مما يشابه الكساد الاقتصادي. على العكس من ذلك، إذا نجحت اليونان في إجبار دائنيها على تقديم تنازلات بشأن الإعفاء من الديون، سيبدو تسيبراس وفاروفاكيس رائعيين في تنفيذهما لسياسة الديون اليونانية.

كما أن تحقيق "نعم" للنصر سيجلب أيضا مجموعة أخرى من المشاكل. رغم أنها قد تجعل التوصل إلى اتفاق مع الدائنين أسهل، يمكن لخسارة حكومة سيريزا أن تؤدي إلى تصويت بحجب الثقة، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى خلع الحكومة. من الذي يحل محل الحكومة المنتهية ولايتها إذن؟ هل يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية من المعارضة المنقسمة، أم هل سيختار الرئيس اليوناني تشكيل حكومة تكنوقراط مؤقتة ترتبط ولايتها بإبرام الصفقة، حتى تعقد في النهاية انتخابات جديدة؟

إن خروج اليونان من منطقة اليورو لا يقدم إجابات سريعة وسهلة لليونان. فتشير مجلة "ذي إكونوميست" (في عدد 20 يونيو 2015): "النتيجة هي إن خروج اليونان من منطقة اليورو عملية وليس حدثا. حتى لو فشلت المحادثات، حتى لو تخلفت اليونان (عن الدفع)، حتى لو أدخلت ضوابط على رأس المال وبدأت الحكومة في إصدار سندات ديون ورقية بسبب عدم وجود المزيد من عملات اليورو- حتى في ذلك الحين، يمكن لاستفتاء أو وجود حكومة جديدة أن توفر لليونان طريقا للعودة."

وبالعودة إلى كليمنصو، رجل الدولة الفرنسي، من الأسهل بكثير بالطبع شن الحرب عن إقامة السلام. وينبغي أن نتذكر أنه كان يشكل قوة رئيسية وراء معاهدة فرساي التي أنهت الحرب العالمية الأولى. ستدخل المعاهدة التاريخ باعتبارها إهانة للألمان، مما أشعل رغبة قوية في الانتقام، أدت بدورها إلى نشوب الحرب العالمية الثانية في نهاية المطاف. كان كليمنصو على صواب كبير فيما يتعلق بصعوبة صنع السلام. وقد فشل في ذلك في نهاية المطاف. إن المخاطرة في أمر اليونان هو أن عقد صفقة مهينة لن يجعلها تستمر. كل الطرق تقود الى التوصل الى اتفاق دائم حول تخفيض الديون والاستعداد اليوناني لإعادة هيكلة الاقتصاد. من دون هذا، يبقى كل الكلام لا معنى له، حتى في بعد تخلفها عن الدفع.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب