الأزمة السورية والتحدي الذي تشكله داعش

مقال رأي

 ألقى فريدريك سي وولف - وهو زميل زميل مقيم في مركز رفيق الحريري لمنطقة الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي - خطابًا للجمهور، يوم 8 يونيو، في كلية دفاع حلف شمال الاطلسي في روما. وتحدثت تصريحاته عن المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة والرئيس باراك أوباما حول كيفية هزيمة الدولة الإسلامية (أو داعش). إذا لم يحدث تحول - قريب - في سياسة الولايات المتحدة لمعالجة المشكلة في كل من العراق وسوريا، ربما يجد التحالف المضاد لداعش نفسه يحارب نفس المعارك ضد مجموعة متطرفة أكثر رسوخًا من ذلك بكثير. يرجى قراءة مقتطفات من تصريحاته أدناه.
 

تركز استراتيجية إدارة أوباما المعادية للدولة للإسلامية (أو داعش) بشكل كبير على العراق، مع تجاهل حقيقة أن مطاردة مسلحين في سيارة جيب باستخدام طائرات ذات أداء عالي في سورية سيمكن داعش من الاستمرار في تنفيذ العمليات العراقية وتعميق جذورها في سوريا: وهو مكان ليس لديها فيه شعبية طبيعية (على عكس العراق). تدرك الإدارة بوضوح تام أن تكتيكات النظام (السوري) التي تتسبب في خسائر هائلة في الأرواح تُعَد مصدرًا للتجنيد بالنسبة إلى داعش، حيث تشجع السوريين على اللجوء إلى داعش للحماية. مع ذلك، إن تصور الحملة العسكرية المضادة لداعش بأنها مهمّة ستستمر لسنوات عديدة تتطلب الصبر الاستراتيجي والوقت لبناء قوة برية صغيرة هو إدانة لسوريا لكونها دولة فاشلة. ومن شأنه أن يسمح لداعش بأن تعمق جذورها أينما تستطيع، إما بالتعاون مع نظام الأسد أو بالمعارضة له، مما يتسبب في أن تظل سوريا جرحًا مفتوحًا ينزف لسنوات، وربما لعقود قادمة. طالما ظلت داعش دون مضايقة نسبيًا في سوريا، ستكون قواعدها وعناصر مقراتها الرئيسية هناك قادرة على الاستمرار إلى ما لا نهاية في العمليات القتالية في العراق.

هل يمكن تحقيق الهدف المتمثل في إضعاف وتدمير داعش من خلال استراتيجية تركز الجهود العسكرية في العراق مع ترك سوريا على مبعدة منها، ومضايقة داعش من السماء مع البقاء هامدين في مواجهة فظائع نظام الأسد؟ الجواب هو لا ، في رأيي. لكن هذا هو الجزء السهل. ليس هناك نقص في المسؤولين الأمريكيين - العسكريين والمدنيين - الذين يروا الاستراتيجية الحالية بأنها محض هراء. لكن هل هناك بديل معقول عمليًا ومتاح؟ أعتقد أن هناك بديلًا يستحق الاستكشاف: بديل يمكنه تجنب الهجوم العسكري المباشر الكامل على نظام الأسد وشبح نزول القوات البرية الأمريكية على الأرض؛ وهو بديل قد يثير اهتمام الرئيس باراك أوباما، وبديل لن يجده في الصراع الخطير حول أهدافه بشأن البرنامج النووي الايراني.

على الرغم من أن الإدارة ترى العراق باعتباره مركز الثقل والجائزة التي يجب السعي إليها في الحرب ضد داعش، فان سوريا قد تكون في الواقع المكان الذي يمكن تحقيق فيه نصرًا حاسمًا على المدى القريب. لكن هذا يتطلب تغييرًا جوهريًا في الاستراتيجية: وهو تغيير يجذب القوات البرية الإقليمية للعمل مع طيران التحالف لاكتساح داعش من سوريا. لكن حتى يكون لدينا بصيص أمل في جذب قوات قادرة لهذا الغرض - وهنا يتبادر للذهن الجيش التركي - فالإدارة يجب أن توافق على بعض الخطوات التي غالبًا ما سيعترض عليها نظام الأسد وإيران. فبعد كل شيء، ترى تركيا وغيرها داعش على أنها أعراض بغيضة ومرعبة للمرض الأساسي: عدم الشرعية القاتلة لنظام الأسد.

على سبيل المثال، أتصور أن اتفاق القوى الإقليمية على تقديم قوة قتال بري فورية مضادة لداعش سيتطلب أن يروا حكومة سورية بديلة يجرى تدشينها في سوريا الخالية من داعش. إنهم يريدون أن تعترف الولايات المتحدة وغيرها بهذه الحكومة، وأن يقيموا علاقات مساعدات أمنية معها. وأعتقد أنهم سيريدون أن تقوم الولايات المتحدة بتسهيل وجود إجراءات عملية خفية لتعقيد قدرة نظام الأسد على إلقاء براميل المتفجرات على المناطق السكنية المدنية. إنهم يريدون أن ترفع الولايات المتحدة مستوى برنامج التدريب والتسليح لإنشاء سريع لقوة تثبيت استقرار وطني سوري قوية.

أنا لست على استعداد لأن افترض أن تنازلات الولايات المتحدة السياسية من هذا النوع ستكون كافية لربط القوى الإقليمية لحملة برية حاسمة في سوريا ضد داعش. بل ربما يرضى اللاعبون الرئيسيون في نهاية الأمر بإلقاء اللوم على الولايات المتحدة بخصوص كارثة في سوريا. وربما يكونوا منتظرين ما لن يحدث: عملية قتالية أمريكية شاملة على نظام الأسد.

إلا أن التحدي الذي تواجهه الاستراتيجية الحالية، هو أن ارتباط العمليات بالهدف - أي تدمير داعش - لا يزال ضعيفًا في أحسن الأحوال. يجيب المدافعون عن الاستراتيجية على منتقديها بالقول بأنه يجب تجنب الرغبة الأمريكية المعتادة للحصول على نتائج سريعة: فكون هذه العملية ستستمر لسنوات عديدة فإنها ستتطلب إعادة بناء جيش وطني عراقي وإنشاء قوة قتالية من الصفر في سوريا. إلا أن ما قد لا يقدّره من يدافعون هو أن إطالة الوقت ستكون في صالح داعش، ولا سيما على الجبهة السورية.

مرة أخرى، ليس لدى داعش شعبية طبيعية في سوريا. لا وجود في سوريا لقاعدة شعبية ترى داعش كحليف استراتيجي، أو تكتيكي، أو حتى كعلاج لمظالم مكافحة نظام الأسد. لكن إذا تُركت داعش سنة أو سنتين أو ثلاث لتعمق جذورها في سوريا ستزداد صعوبة وإشكالية تدميرها. أُعطي نظام الأسد مزيدًا من الوقت لزيادة القتل الجماعي ولسوف يزداد تطلع السوريين إلى داعش من أجل حمايتهم. يمكن لقوات عسكرية برية مهنية بأعداد كافية وبدعم من طائرات التحالف أن تقتلع داعش من سوريا في وقت قصير نسبيًا، وبالتالي أن توجه ضربة قاضية لعمليات داعش في العراق. لكن حتى إذا كانت الإدارة مقتنعة بحكمة هذا الطريق، وكانت على استعداد لدفع الضريبة السياسية بدعم بديل حقيقي لنظام الأسد، فإنه ليس من الواضح ما إذا كانت أنقرة وغيرها سيوافقون على ذلك.

ما أود أن أراه هو أن ترى بلدي، وحلفائها، وأصدقائها، ظاهرة داعش في العراق وسوريا على أنها كيان خبيث يملأ الفراغ الكبير المعدي العابر للحدود، والذي صنعته انعدام الشرعية السياسية في كل من بغداد ودمشق. على الجانب السوري من هذه المعركة القاتلة، أود أن أرى بلدي، وحلفائها، وأصدقائها، يتخذون خطوات لوقف أو على الأقل تعقيد الذبح العشوائي للمدنيين. آمل أن نحاول في تفاعلاتنا الدبلوماسية مع إيران حول القضايا النووية أن نقنع محاورينا بوقف السلوك الإجرامي لموكلهم، أو على الأقل الجوانب الأكثر فظاعة منه. إذا فشلت المساعي الدبلوماسية في تحقيق أي نتائج، سأفضل بالتأكيد أخذ خطوات عسكرية – على الرغم من الغزو والاحتلال والقصف الاستراتيجي وبقية تلك الأمور - بهدف تعقيد قدرة النظام على القيام بأعمال القتل الجماعي.

هناك من يقول إن الرئيس أوباما سيكون راضيًا بتسليم المشكلة السورية كما هي لخلفه. المشكلة في ذلك هو مصطلح "كما هي". إذا تركت على مسارها الحالي، ستكون سوريا، في يناير 2017، مقسمة بصعوبة بين مؤسستين إجراميتين قاتلتين لا ترحمان. مثلما نقول في عام 2015 إن مشكلة سوريا كانت ستصبح أكثر سهولة بكثير الآن إذا اتُخِذت القرارات المناسبة في عام 2012 أو 2013 أو 2014، لذلك أخشى أن نقول في عام 2017 – إذا لم تجر تغييرات استراتيجية الآن  - إن الأمور كانت لتصبح أسهل إذا اتخذنا الإجراءات المناسبة في عام 2015.

لا يمكننا أن ندع الأمور تنجرف لمدة عشرين شهرًا. لو كنت سوريًا، فعند هذه النقطة سأخلص إلى أنني  وحيد، وإنه ليس علي توقع أي حماية أو مساعدة ذات مغزى من أي أحد في الغرب. لكن كأمريكي قال رئيسه علنًا أشياء ​​ شجعت السوريين على الاعتقاد بأن المساعدة على الطريق، أريد أن تحمي الولايات المتحدة شركائها المدنيين، وتدمر داعش، وتمهد الطريق لانتقال سياسي حقيقي ومسيرة طويلة نحو الشرعية السياسية في سوريا. إذا وافق الرئيس أوباما أن هذه الأهداف صحيحة، فمن الواضح أنه ستكون هناك حاجة إلى استراتيجية جديدة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب