السعودية ستفشل في اليمن

مقال رأي

 بينما تجتمع الأطراف اليمنية المتحاربة من أجل محادثات السلام التمهيدية في جنيف، تواصل السعودية حملة القصف التي لا هوادة فيها ضد قبائل حركة الحوثيين. لمدة شهرين ونصف، استهدفت القوات الجوية للتحالف السعودي المواقع العسكرية والمنازل والشركات التابعة لحركة الحوثيين، فضلًا عن قصور ومساكن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وحلفائه السياسيين. ومع ذلك، بينما يجلس الحوثيين على طاولة المفاوضات هذا الاسبوع، فلم يشهد موقفهم السياسي والاستراتيجي المحلي تأثرًا كبيرًا جراء هذا القصف المكثف. تعد الحملة الجوية السعودية غير المجدية دليلًا آخر على حدود القوة الجوية بشكل عام، وفي جنوب الجزيرة العربية على وجه التحديد.

السعودية لم تكن أول من استخدم القوة الجوية لممارسة السلطة الإقليمية، والتي بدأت مع سياسة الإمبراطورية البريطانية التي سميَت بـ "السيطرة الجوية" في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى في العراق. دافع ونستون تشرشل، وزير دفاع ما بعد الحرب ووزير الشؤون الجوية، عن استخدام القوة الجوية للحفاظ على السيطرة البريطانية على العراق مع بذل أقل قدر من القوة العسكرية على الأرض. لكن أدت المعلومات الاستخبارية غير الدقيقة، وعدم كفاية معدات الملاحة وأخطاء الطيارين إلى أن تضل كثير من القنابل طريقها، وغالبا ما كانت تصل إلى الهدف الخاطئ ولا تميز كثيرًا بين المدنيين والمقاتلين. استرشدت الهجمات والدوريات التي قام بها سلاح الجو الملكي البريطاني بشبكات المخابرات المحلية المتفرقة وكانت مخصصة أكثر لخلق تأثير نفسي جراء القصف الجوي غير مألوف بدلا من القدرة على تحقيق هدف عسكري.

وقد استخدم هذا النموذج للقوة والتحكم الإمبريالي البريطاني في ساحات استعمارية أخرى، بما في ذلك جنوب اليمن، ثم محمية عدن البريطانية. وفشل عقد من الدوريات والهجمات الجوية البريطانية خلال الستينيات في وقف موجة من الحركة الوطنية اليمنية التي حلت محل الحكم الاستعماري البريطاني في جنوب اليمن. نجاح المراقبة الجوية البريطانية في المملكة العربية كانت محدودة بعاملين رئيسيين. وفرت التضاريس الجبلية في اليمن لفدائيي المعارضة غطاءً طبيعيًا منيعًا من القنابل داخل نظام من المغارات يشوب الطبيعة الجبلية. تكدست وسائل الإعلام الدولية ضد بقايا الإمبراطورية البريطانية ولاقت القنابل التي التي سقطت على أهداف مدنية قدرًا كبيرًا من الانتقاد في الصحافة.

ولم يكن سلاح الجو الملكي البريطاني القوة الإمبريالية الوحيدة في جنوب الجزيرة العربية الذي يحاول استخدام سلاحه الجوي للسيطرة على المعارضة القبلية. خلال التسينيات، نقلت مصر ما يقرب من ثلث قدراتها الجوية لشمال اليمن لتدعم الجمهورية الوليدة التي تأسست في عام 1962. وأعاقت التضاريس في اليمن أيضًا النجاح التكتيكي للحملة الجوية المصرية. بل إن الرئيس المصري جمال عبد الناصر وصل إلى إجازة استخدام الغاز السام ضد ملاجئ الكهوف، عازما على طرد المعارضة الى المجال المفتوح قبل العودة ثانية لإلقاء القنابل الحارقة المتفجرة.

كان التفوق الجوي محور النموذج الإستراتيجي لمصر للحفاظ على محيط دفاعي ثلاثي حول ثلاث مدن رئيسية في شمال اليمن: الحديدة وصنعاء وتعز، مع إحباط هجوم الفدائيين المكثف من المناطق الريفية والجبلية المحيطة. وكانت كل من بريطانيا ومصر تحت ضغوط سياسية للحد من عدد الضحايا الذين كانوا سيقعوا بلا شك كعواقب للعملية البرية الأكثر فعالية واسعة النطاق. إلا أن القوة الجوية في الجزيرة كانت محدودة في قدرتها على تحقيق أهداف عسكرية ملموسة. بدلا من إخضاع المعارضة الداخلية، لم يفعل القصف الجوي سوى تغذية لهيب الدعاية وعدم الثقة من عدو مجهول يضرب من فوق. واضطرت كل من بريطانيا ومصر للانسحاب بشكل مخزي بحلول نهاية عام 1967، تاركين دولا فاشلة وراءهما.

تبدو السعودية وحلفاؤها من الدول العربية والأفريقية أنهم يتخذون نفس مسار السياسات الإمبريالية الفاشلة لفترة الستينيات. كان استقبال الحملة الجوية السعودية في الأصل فاترا من قبل أفراد الحراك الجنوبي اليمني وأنصار الرئيس اليمني المخلوع- لكنه لا يزال معترف به دوليا- عبد ربه منصور هادي. فُزِع العديد من اليمنيين بسبب السرعة التي فرض بها رجال قبائل حركة الحوثيين سيطرتهم على الحكومة في صنعاء ومدوا وجودهم العسكري جنوبًا سعيا وراء هادي ومؤيديه. بعد شهرين ونصف، تطورت حملة القصف السعودية من سلسلة من الضربات التكتيكية لتهدئة الهجوم العسكري على الحوثيين ولتصبح ​​حملة قصف ثأرية ضد المعارضين السياسيين للسعودية في اليمن. تستهدف العديد من الضربات الجوية منازل المدنيين الذين ينتمون إلى عائلة صالح وأصدقاءه، وأصبحت المصانع أمكنة مشبوهة فضلًا عن محاور النقل المدنية والمطارات في جميع أنحاء البلاد، أصبحت كلها لها قيمة عسكرية مشكوك فيها.

لا يزال الرئيس هادي – الذي يقبع في راحة في فندق فخم في منفاه- يتغاضي عن التفجيرات السعودية حتى أصبح عدد مذهل من مواطنيه لاجئين داخل البلاد ويعانون أزمة إنسانية ذات أبعاد خطيرة. بدلا من حشد تأييد شعبي إضافي للرئيس هادي، زادت حملة القصف السعودية من الشكوك التي تحاوط حكومته النائية وأفادت الدعاية الحوثية. وفي نفس الوقت، لا يبدو أن القدرات العسكرية لرجال القبائل الحوثيين أو قطاعات الجيش اليمني التي لا تزال موالية للرئيس صالح قد تضاءلت كثيرًا.

لم يكتف السعوديين بعدم قدرتهم على إبطاء زحف الحوثيين، ولكن في 6 يونيو، ضربت صواريخ سكود أطلقتها قوات الحوثيين قاعدة الملك خالد الجوية، أكبر قاعدة جوية في السعودية ومركز عمليات لحملة القصف الحالية. على الرغم من إن المسؤولين السعوديين حاولوا التقليل من شأن الهجوم الذي كان محاطًا بالسرية، فإنه سرعان ما أصبح معروفًا إن قائد القوات الجوية السعودية الفريق الركن محمد بن أحمد الشعلان قد لقى حتفه الهجوم. شكل هذا الأمر صدمة، وبخاصة للسعوديين، حيث أن عائلة شعلان هي عائلة بارزة على الصعيد الوطني، وتربطها صلات عن طريق الزواج والتحالف السياسي بعائلة آل سعود الحاكمة.

كشف الهجوم عدم الاستعداد المقلق للقدرات الدفاعية الجوية السعودية وحدود قدرة القوات الجوية الخاصة بها في التأثير على النتائج العسكرية والسياسية في اليمن. منذ بدايات حملة القصف في مارس 2015، واجهت طائرات للتحالف السعودي القليل من النيران المضادة للطائرات، وهو بالكاد اختبار لحزم الطيارين ولتدريبهم. على الرغم من أن الحوثيين يفتقرون إلى مقاومة أرض-جو مسلحة، عزز هجوم صاروخ سكود مؤخرا حقيقة أن الحملة الجوية السعودية قد فشلت في القضاء على القدرة العسكرية لتحالف الحوثيين على نطاق واسع.

ما ظهر من كارثة صاروخ سكود هو أن فريقًا أمريكيًا يدير نظام دفاع صاروخي من نوع باتريوت على مقربة من قاعدة الملك خالد الجوية، التي هي أيضا مركز القيادة لحملة الطائرات الأمريكية بدون طيار في المنطقة. تم الإبلاغ عن أنه تم اعتراض العديد من صواريخ سكود بواسطة صواريخ باتريوت، وهي أول مرة تتبادلت القوات الأميركية والحوثيين النار، ولو بشكل غير مباشر. بالإضافة إلى ذلك، قامت القوات الجوية الأمريكية بتوفير صور الأقمار الصناعية والاستخبارات المتعلقة بالأهداف الحوثية لطائرات للتحالف السعودي. وقد عزز ظهور هذه التفاصيل خط أحداث دعائية متكرر على قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين التي تشير إلى التحالف السعودي باسم "التحالف السعودي الأمريكي."

على الرغم من الأدلة التي ظهرت لتفيد إن الحملة الجوية للتحالف السعودي ليست غير فعالة فحسب، ولكنها ذات نتائج عكسية بشأن تعزيز التسوية السياسية في اليمن، لا تزال التفجيرات مستمرة دون أي علامة على انهائها. إن السعي الحثيث لموقف عسكري عدواني تجاه حركة الحوثيين هو في جزء منه انعكاس للصراع السعودي ضد شبح التدخل الإيراني في جنوب الجزيرة العربية. ليس هناك استراتيجية خروج للسعودية يمكن أن يتوقف القصف من خلالها إلا من خلال انسحاب سياسي كامل للحوثيين. وإلا فإن هذه الحرب ستظهر وجود ضعف في السياسة السعودية تجاه إيران. والدافع وراء هذه السياسة العدوانية هو حاجة العاهل السعودي الجديد الملك سلمان أن يظهر هيمنة سياسية وعسكرية لتهدئة العديد من المشككين به. ويشعر نائب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مدير العمليات في اليمن، بضغط إضافي للتصرف بشكل حاسم من أجل إثبات عزمه كأصغر وزير للدفاع في العالم عن عمر يناهز ال 30 عامًا.

حتى مع عزم الملك سلمان وفحولة محمد بن سلمان، فالحملة الجوية السعودية سوف تكون محدودة بسبب الحرب الدعائية الصعبة من قبل الحوثيين ونفس التضاريس التاريخية التي كانت بمثابة عقبة أمام القوات الجوية البريطانية والمصرية في اليمن خلال الستينيات. لا يمكن للسعودية أن تنتصر من خلال قوة السلاح وحدها، حيث وصلت قواتها الجوية إلى حدود ما يمكن أن تحققه ضد الحوثيين. مواصلة حملة جوية عقيمة لن تفعل سوى تعزيز  التحالف السياسي المضاد للسعودية في اليمن وتؤدي إلى انسحاب مخزي يذكرنا بالانسحاب البريطاني والمصري من الماضي.

___________

آشر عرقابي هو زميل باحث في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط، ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريبا "التاريخ الدولي للحرب الأهلية اليمنية، 1962 – 1968".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب