السيسي يدفع مصر إلى حافة الهاوية

مقال رأي

 أعطى عبد الفتاح السيسي، يوم الثلاثاء، أوضح مؤشر حتى الآن على أنَّه يعتزم إعدام الرئيس المنتخب ديمقراطيًا، الذي كان قد اغتصب منه السلطة. وقد أثار بنفسه الاحتجاج على عجز الدولة عن التعامل مع تمرُّد المتشددين، ومن ثمَّ  فقد تعهَّد السيسي بتشريعات تسمح لمحاكِمه بتحقيق العدالة الناجزة.

"إنَّ يد العدالة مغلولة بالقوانين. ولن نستمر في مشاهدة ذلك. نحن في طريقنا إلى تعديل القانون ليسمح لنا بتحقيق العدالة في أقرب وقت ممكن، هل يمكن أن تعمل المحاكم في هكذا ظروف؟ هل تعمل هذه القوانين؟ إنَّها تعمل مع الناس العاديين... إذا كان هناك حكمٌ بالإعدام، سيتم تنفيذ حكم الإعدام... القانون! القانون!".

لم تُعلِن أي جماعة مسئوليتها عن اغتيال النائب العام في مصر، هشام بركات، بانفجار سيارة مفخخة يوم الاثنين. لكن وفاته تمثِّل ضربةً لسلطة النظام الذي يمثِّله. لأنّه لم يحصل منذ اغتيل رئيس مجلس الشعب المصري، رفعت المحجوب، في عام 1990، أن قُتل مسؤول بارز جدًا في الدولة المصرية.

وفي حال كانت السلطة القضائية قد لعبت جزءًا لا يتجزأ في القمع، فإنَّ بركات قد كان وجهها البشري. إنَّه الرجل الذي وقَّع على مذكرات اعتقال لأكثر من أربعين ألف شخص. كما أعطى غطاءً قانونيًا لوزارة الداخلية وقوات الجيش بقتل أكثر من ألف متظاهر في يوم واحد، في قلب القاهرة، في أغسطس 2013. كما دَفع وضمن أحكام الإعدام الجماعية. ووفقًا للتسريبات الموثَّقة لمحادثات مكاتب السيسي، فإنَّه قد تواطأ مع المسئولين لتزييف تفاصيل حول اعتقال مرسي. لأنه وفقًا للقانون المصري، ما كان ينبغي التحفظ على مرسي في ثكنات عسكرية. ومن ثمَّ فقد ضلل بركات مسار العدالة من خلال محاولة تحوير الثكنات عسكرية إلى سجن تديره وزارة الداخلية.

هناك ثلاث نظريات رئيسة بخصوص من يقف وراء التفجير المتحكَّم فيه بدقة عن بعد. إنَّ المشتبه الأول به هو الدولة نفسها، فإما أن السيسي يسعى للحصول على مبرر لتنفيذ حكم الإعدام الصادر بالفعل ضدَّ مرسي، أو أنهم الجنرالات القادة، الذين يدعمون منافسيه من نفس الزمرة كالمنفي أحمد شفيق.

وفي سياق كونها نظرية مؤامرة، فإنَّها ليست جامحةً كما قد تبدو. فقد وردَ أن سائق بركات لم يُمس. وهناك شائعات متضاربة حول بركات نفسه، وأنَّه كان قادرًا على المشي بعيدًا عن السيارة دون مساعدة، وأنَّه قد سلَّم نفسه إلى مستشفى مدني قبل أن يُعالج بواسطة الأطباء العسكريين. وهناك التباس حول كيفية تورُّط العديد من السيارات في التفجير.

تكفي الشبهة حول ما حدث بالضبط، يوم الاثنين، لاستفزاز أحد كبار قادة جماعة الإخوان المسلمين، في المنفى، ليدعوا إلى إجراء تحقيق دولي من قِبَل الأمم المتحدة في اغتيال بركات. لقد قال:

"لن تقل أهمية وفاة بركات عن اغتيال رفيق الحريري في لبنان. وهي تحتاج إلى نفس المستوى من التحقيق المستقل عن النظام. يجب ألا يترك هذا الموت للسيسي كي يستغلّه".

أما المجموعة الثانية من المشتبه بهم فهم مجموعة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، أو على هامشها. وفي حين نددت الجماعة بعملية القتل ونفت بصرامة تورّطها في ذلك، فإنَّ الكثير من ضحايا النظام هم من داخل صفوفها، ويمكن أن يُنظر إلى قتل النائب العام باعتباره ردًّا على حكم مرسي. والمشتبه الثالث به هو داعش، أو تنظيم القاعدة، أو مجموعة ثورية يسارية غير إسلامية. وهناك واحدة تسمّى "القصاص الثوري".

وأيًا كان من فعل ذلك، فعملية القتل تُعَدُّ خبرًا سيئًا بشكل خاص للسيسي. وهذه هي أكبر علامة حتى الآن على أن مهمّته قد فشلت. فلقد وصل للسلطة على تذكرة استعادة الاستقرار في مصر. وبعد عامين على مجيئه، لا يستطيع حتى حماية الشخصيات الرئيسة في حكومته. فسرعان ما أصبح المخلِّص العسكري لمصر عدوًّا لها.

ظنَّ السيسي، في يونيو 2013، أنَّ كل ما هو مطلوب مجرّد دفعة واحدة سريعة. وأن مرسي سيستقيل بهدوء، وسيحشد الإخوان طواعية مرّة أخرى حيث السرير ذي الطابقين المألوف بالنسبة لهم في السجن، بدون حدوث أي شئ يطعن في شرعية الدولة. لم تجر الأمور على هذا النحو. فالملايين التي خرجت يوم 30 يونيو للتنديد بمرسي، لم تظهر أبدًا مرّة أخرى في شوارع مصر. بيد أنَّ الملايين التي احتجت ضدَّ الانقلاب العسكري في جميع أنحاء البلاد استمرّت في التظاهر والنضال.

يمكن للسيسي أيضًا أن يُقنع نفسه أن التكتيكات التي أوقفت تمرُّد الجماعة الإسلامية، في 1992-1998، قادرة على العمل مرَّة أخرى في عام 2013. وفي حال كان يفكر على هذا النحو، فإنَّه يكون قد ارتكب خطأ قاتلًا. لقد انتهى هذا التمرُّد لأن الجماعة نفسها لم يكن لديها دعم شعبي واسع. أمّا جماعة الإخوان فلا.

وفقًا لكل محاولة لقياس الرأي السياسي في مصر، فقد احتفظ الإخوان بالدعم الأساسي لهم البالغ زهاء الثلاثين بالمئة. ولقد كان هناك منذ سنتين أكثر من أربعين حزبًا سياسيًا اختفى أغلبهم الآن. ولا يزال الإخوان أكبر حركة سياسية في مصر. وإذا اعتزم السيسي إعلان الحرب على هؤلاء الناس وأسرهم، فإنَّه يعلنها على الملايين من المصريين، وإنَّ جزءًا منهم سوف يلجأ إلى العنف.

لقد رأيت هذا من قبل. يستخدم الديكتاتور العنف ضدَّ الاحتجاج السياسي السلمي، ويضطره للرد باستخدام العنف، وبالتالي يبرر مستوى القمع الذي يستخدمه ضده. لقد آتى هذا السيناريو أُكله مع حافظ الأسد. لكنه لم ينجح مع ابنه بشار، الذي فقد السيطرة على معظم بلاده الآن. وليس هناك ما يضمن أن العنف سيعمل لصالح السيسي.

أما الفرق الثاني عن التمرد الذي واجهته مصر، في 1990، فهو ما يحدث في المنطقة نفسها. تحيط بمصر، الدولة الأكثر كثافة سكانية في العالم العربي، دول فاشلةـ، أو صراعات إقليمية كبرى. هناك ليبيا غربًا، وسيناء شرقًا، وغزة شمالًا، واليمن جنوبًا. وقد وجدَت الأسلحة التي تدفقت إلى ليبيا لإسقاط القذافي طريقها إلى غزة. وأكثر من ذلك وجود عدد قليل من الحدود، وستمثِّل الفوضى في بلدٍ واحدٍ سببًا للتدخل في بلد آخر.

لم يرتكب السيسي حتى الآن أكبر خطأ له، أي تنفيذ حكم الإعدام على مرسي. لم يكن سيد قطب شخصيةً رئيسيةً في جماعة الإخوان المسلمين عندما أُعدم، في عام 1966، بتهمة التآمر من أجل اغتيال عبد الناصر. لقد عاد المفكر والكاتب إلى الإسلاموية بعد أحد عشر عامًا من الليبرالية والإلحاد. وقد جعل الموت سيد قطب الأكثر تأثيرًا على الأجيال القادمة من الإسلاميين، مما كان عليه خلال جيله. انتخب مرسي بشكل ديمقراطي. وهو يحتفظ في عيون الملايين من ناخبيه بشرعية أكبر من السيسي. وعند الموت، لن يصبح مرسي شهيدًا من أجل القضية الإسلاموية أقل مما كانه قطب.

أي شخص على بينة من مخاطر ما قد يكون على وشك أن يحدث في مصر؟ بالتأكيد، لن يكون سفير بريطانيا لدى مصر. قال جون كاسن بعد لقاء مع وزير الداخلية المصري، مجدي عبد الغفار، والسفير الأمريكي:

" أشارك التزام الوزراء في تعزيز العلاقة بين المملكة المتحدة ومصر. والأمن هو الأساس الحيوي لمصر أكثر أمنًا وازدهارًا وديمقراطية ونحن جميعًا نريدها كذلك. وهو ما يعني إجراءات أمنية صارمة، ومكافحة الفكر المتطرف، والتقدُّم في الاقتصاد والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي الأمور التي تعتبر أساسية لأمن طويل الأمد".

إذا ما ترك السيسي، فإنَّ "مفاجأة" أخرى تنتظر الغرب في مصر. وسيكون حجمها أكبر بكثير من سقوط الموصل في يد تنظيم الدولة الإسلامية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب