المساواة هي مفتاح السلام في الشرق الأوسط

مقال رأي

 ما هو السبب الرئيسي للصراع في الشرق الأوسط المعاصر؟

أفكار التنوع والاختلاف – نظرية المجتمع الفسيفسائي – لطيفة، لكن في الواقع لا تعني هذه المصطلحات شيئا بدون مساواة، والتي بدونها لا يوجد سلام. بمجرد أن تعتبر إحدى القبائل أنها متفوقة على الأخرى، فهذه بداية كل صراع. هذه الخبرة قديمة قِدَم التاريخ، ويحدث القليل لتغييرها لأنها مدمجة في الوجود الإنساني. من أجل اعتبارٍ سلوكي غريزي مثل بقاء المجموعة، تحتاج الكائنات البشرية إلى أن لا يتم تحديها خارجيا من قِبَل مجموعة أخرى.

الطبيعة، والبيئة، والحاجة للبقاء خلقت ميلا لدى الكائنات البشرية لأن تبقى في صراعٍ مع الآخر. في بذور الوجود ذاتها يقبع أساس تدمير الإنسان. لذا، ظل الصراع دالة في متغير التاريخ الإنساني منذ البدايات الأولى لوجود الإنسان. ينبغي أن يكون حل الصراع، بالتالي، متعلقا بالحاجة إلى حل المشكلات بدون تضخيمها. لكن الحلول الحالية تشير إلى افتقادٍ للحلول، وبالتالي فإن المشكلات تستمر وتستمر.

في عام 1852، كتب ماركس أن التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كملهاة. صراعات اليوم لها الكثير من الأسباب. أولا، هناك العامل الجيوسياسي كالديناميكية المهيمنة. وهو ليس عرقيا أو ثقافيا بالضرورة. ثانيا، هناك العامل الطائفي، والذي هو مستنقع داخلي يواجه الجماعات في الدول القومية. ثالثا هناك صراع الروحي مقابل المادي الذي يوجد في المجتمعات الإسلامية التي تخوض صراع كيفية التعامل مع عالم إلهي بدون إله، كما يرونه.

يقود ذلك كله إلى أن تكون الصراعات الطبقية، والتنافس من أجل الموارد، وعدم المساواة، والصراع الاجتماعي هي طبيعة الأمور. ربما يكون هناك حاجة إلى أن يحتل الروحي المقدمة، ومن ثم عدم اليقين الداخلي الجاري، وكيف يتم التأثير عليه من قوى خارجية بسبب افتقاد التغيير الداخلي والتنمية للوصول إلى مستوى تطلعات ورغبات المجتمعات ككل.

التحديات الداخلية

كطريقةٍ للاستجابة إلى التحديات الوطنية نتيجة الاستبداد، والعسكرة، والحرمان من الحقوق، وبينما تلمح الدول القومية إلى تطلعاتٍ جيوسياسية، تاركةً المجتمعات "المتروكة بالخلف" وحيدةً تقريبا، مشوشة ومنعزلة، تحاول المجموعات المهمشة تحدي الأنساق السائدة، والتي توجد على نطاقٍ عالمي وليس فقط وطني. الصراعات الناشئة في الشرق الأوسط الآن هي بشأن فقدان هوية محلية وافتقاد قدرة الدول القومية على تسهيل الحراك الاجتماعي والمساواة والعدالة لهؤلاء "المتروكين بالخلف". الربيع العربي الذي بدأ في 2010 هو مثال على ذلك. هناك رد فعل ضد نفس الأنماط الجيوسياسية التي تجذب نخب الدول القومية نحو نسق عالمي ثنائي القطب بين النيوليبرالية والآخرين.

يمكن تصنيف التحديات الداخلية في المجتمعات التي تؤدي إلى صراعٍ عنيف وتؤثر على المسلمين الشباب في الشرق الأوسط إلى أربعة أقسام. الأول هم الباحثون عن الانتقام، تلمح هذه المجموعات إلى إطارٍ أيديولوجي عالمي مرتبط بما يسمى الحرب على الإسلام. الثاني هم الباحثون عن المكانة، وهم أشخاص أحبطت فرصهم في سياق الصراع الاجتماعي. الثالث هم الباحثون عن الهوية، وهي مجموعات تم تخريب إحساسها بالذات كنتيجةٍ لـ "تركهم بالخلف". وأخيرا الباحثون عن الإثارة، هؤلاء الذين يريدون نوعا من المغامرة في سياق انحدار الذكورة، التي أحبطت عبر انهيار الادوار الذكورية التقليدية في المجتمع، والذي زاده الانترنت، وفقدان الثقة الجسمانية والجنسية.

وبينما هناك ثورات اجتماعية من النوع الكلاسيكي، فإن بعض المسلمين الشباب يدفعهم نشاط يقوم على تفسير أكثر تطرفا للنصوص الإسلامية. ليست النصوص نفسها هي التي تخلق الفرص بالضرورة، لكن قراءتها هي التي تفعل ذلك. هذه السلفية ظهرت فقط في الستينات، لا قبل ذلك. وهي تعتمد على فكرة أنها جاءت من خارج الدول القومية. حيث، في البداية، كانت هناك مقاومة ضد النخب، الآن هي ضد المجتمع ككل، لأنه يُرى كملوم ايضا.

الشكل الحالي للسلفية المهيمنة حاليا هو حركة مضادة للعولمة مع انغلاق يقوم على كتابات طيف من الإسلاميين السياسيين المؤدلجين، لكن بالأساس ابن تيمية وعبد الوهاب (محمد ابن عبد الوهاب) وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب. وقد أثر على أفغانستان والعراق وباكستان ومناطق شاسعة من العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة. هذا النوع من السلفية هو شكل من حركة جهادية كوزموبوليتية ذات أيديولوجية سلفية/متشددة/تكفيرية تحتاج إلى أن يتم فهمها ضمن إطار معين. الطائفية ذاتها ليست دينية، لكنها دالة في متغير الحداثة والأفكار المعاصرة ككل.

داخل هياكل القوى في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، هناك تلاعب بالهياكل الاجتماعية لصالح النخب، يزيد تأثيرها افتقاد مراجعات داخلية. هذه النخب المهيمنة تركز على الصراعات الداخلية، لا القضايا الخارجية، لأنهم يفيدون من المزايا الخارجية والسخط الداخلي المستمر. داخليا، يُبقي قطاع التعليم ونظم العدالة الجنائية وافتقاد الفرص الاقتصادية والتركيز على الأمن والاستخبارات الشقاق بين الجماعة الأوسع من السكان، مانعا حدوث تغيير وتنمية داخليين، مبقيا على الناس مقموعين.

منذ الفترة التي تلت الحرب الباردة مباشرةً، وأحداث حرب الخليج الأولى في 1991، والبوسنة في منتصف التسعينات، وباكستان في أواخر التسعينات، إلى العراقي في  2003 والربيع العربي في 2011، لوحظت مجموعة معينة من الأنماط ذات العلاقة بتدخلات الغرب العدوانية. بينما كان لدى الغرب مشاكله الخاصة طوال الوقت، حيث واجه تحدياتٍ اقتصادية ومالية من الأجزاء الأكثر شرقا من العالم، مما قاد إلى تركيزٍ أكبر على الشرق الأوسط ذاته.

التهديدات الخارجية

في قلب مشكلة الصراع العالمي يقبع تشكيل رأس المال وخلق الثروة المعتمد على نظرية السوق الحر، والتي أصبحت النموذج الأوحد الذي وجد العالم بأكمله نفسه فيه. يؤثر تشكيل رأس المال هذا على طبيعة وناتج وسائل الإعلام، وجوانب من الاستشراق، والذي يؤدي إلى الدفع بنوعٍ معين من البروباجندا، حول السوق الحر، على سبيل المثال. إنها تدعم أنماطا من المنافسة ذات طابع جيوسياسية، وتعزز الانقسام الداخلي، وتبقي على الإطارات التي تلمح فيها النخب إلى طموحٍ سياسي خارجي  في صالح قلة قليلة على حساب الأغلبية.

يتحقق هذا ايضا من خلال جوانب من المعرفة واقتصاد المعلومات، وإعادة إنتاج بعض المخرجات التكنولوجية التي تحافظ على نقاط قوة النخب، المجمع الصناعي العسكري، لا أقل. إنها دائرة دائمة حافظت على نفسها في ضوء فترة ما بعد الحرب (العالمية الثانية)، والتي تركت قوتين عظميين فقط تتقاتلان حتى نهاية الحرب الباردة. منذ أوائل التسعينات، كان صعود الرأسمالية الغربية غير مسبوق، رغم أنه يظل هناك نمطا عالقا من صراع ما بعد الحرب الباردة مع روسيا والصين والهند، الكل كجزء من مخاوف الدولة العميقة فيما يتعلق بإرث الشيوعية الذي يحوم في قلب ذلك النموذج.

من خلال التفكير في العرقية كنسقٍ محدد للشرق الأوسط، فإن الأكراد مجموعة تجد نفسها مشتتة عبر أربع دول قومية. في النموذج التركي من العلمانية والقومية، فقد دفع الأكراد جنوبا. بينما تم امتصاصهم بواسطة إيران وسوريا والعراق إلى حدٍ أكبر، لكن ليس تركيا. لذا فإن هناك ايضا بعدا كرديا ينبغي أن يتم فهمه في سياق الصراع الحالي في سوريا والعراق، لكن ايضا دور تركيا وإيران في تقدير مخاوف معينة ابتلى بها الشرق الأوسط.

التحرك تجاه حلول

تشير الدلائل عبر العالم ككل إلى أن التفاوت يزداد. في هذا السياق، لا يمكن أن يكون هناك سلام. هناك معارضة ما بين قليلة إلى منعدمة للفردية والمنافسة والواسطة والأنانية. هذا هو الإطار المهيمن. الحل هو حل روحاني، بتركيز الانتباه على النفس، ومع قدرٍ كبيرٍ من الجهد يمكن تنشئتها. من الممكن هنا التحرك من موقعٍ للروحانية المتدنية والقوة المتدنية إلى قوة مرتفعة وروحانية مرتفعة، مما يقود إلى مساواةٍ وعدل للجميع بينما يوفر مساحةً ووقت كافيين للإبداع والابتكار ومشاريع في صالح المجتمعات الإنسانية ككل.

ظل العرب والأتراك والفرس في صراعٍ لفترةٍ كبيرة من التاريخ الحديث. في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تفكك الشرق الأوسط، تلك الصراعات الموجودة لم تتبدد تماما في ضوء الضعف الداخلي والمصالح الخارجية. أصبحت دول الخليج وإيران وتركيا عرضة للحروب بالوكالة، وهي تحدياتٍ داخلية عسكرتها مصالح خارجية (من خلال الإمداد بالسلاح والمعدات الأمنية) والتلاعب بالنخب بواسطة المصالح الغربية، مما قاد إلى افتقاد الاستثمار في المجتمعات، أو الحاجة إلى قمع تطلعاتهم عبر شكلٍ من التدين المضلل والذي تم تحييده.

يتعلق التوازن، بالنسبة إلى تحدي المشكلات في الشرق الأوسط، بمعالجة النخبوية بشكلٍ مناسب، والتي تركز كليا على النظر للخارج وتقديم شكل من الروحانية وحشد الجموع، بدون الوقوع في فخ العنف السياسي والتطرف الذي تدفعه تصورات أيديولوجية مضللة ساعدت في الإبقاء على هياكل السلطة الموجودة في دولٍ عربية معينة.

خلال الفترة العثمانية، وبينما كان هناك عدد ضخم من المجموعات تحت إدارة السلطان، وكان هناك اختلافات يتم التعبير عنها في الدين والثقافة، لم يوجد دليل على صراعٍ محدد بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، حتي عندما كان هناك توترات. في فترة ما بعد الحرب، بقى هذا الوضع، لكن النخب في تركيا لم تنجح في الحديث للتوفيق بين العلمانية والإسلامية.

بعد تفكك الشرق الأوسط، حظى العرب بالنفط، والفرس بالنفط، بينما لجأ الأتراك إلى الكمالية. فصلت الجمهورية الجديدة، القائمةً على أفكار مصطفى كمال أتاتورك، نفسها جذريا عن الماضي العثماني عبر العلمانية والليبرالية. استغل الغرب هذا حيثما استطاعوا، حيث أبقوا على تركيا قريبة معظم الوقت، مستخدمين إياها كوكيلٍ عندما يحتاج الأمر، ومعتبرين إياها حليفا مهما في منطقةٍ معقدة، وايضا كجسرٍ إلى أوروبا.

الحلول هي الانتقال من التاريخ إلى نظرية جديدة، حيث يمنح الباحثون والبحث مساحةً مناسبة بواسطة الدول القومية. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى التوقف عن لوم الآخرين والبدء في العمل معا، مع الوضع في الاعتبار التزييف والتضليل الذي يميز نواحي من اقتصاد المعرفة المحلي والعالمي. هناك ايضا حاجة للاختيار ما بين الاستقرار والأمن والديمقراطية، لكن مع إدراك أن معاداة العولمة ليست بالضرورة سؤالا طائفيا. هذا هو، من خلال النضال السياسي الجمعي، يمكن أن يتم تقييد الاختلافات العرقية في إطار السعي إلى جهودٍ مركزة بواسطة المجتمعات المتنوعة لتحدي وضع يؤثر على الجميع. لدى الصراع طبقاتٍ مختلفة عديدة في الشرق الأوسط، ومن السهل الوقوع في فخ الثنائيات.

لذا، من أجل تحدي هذه الأنساق المهيمنة، هناك حاجة إلى مجتمعٍ مدني يركز على القيم، والروحانية، والمساواة، والتنوع، لأن الصراع الاجتماعي هو الطبيعي. الحكم الرشيد في الأعلى يحتاج أن يصاحبه حشد مناسب من الأسفل، مما يقود إلى القضاء على أدوات القمع، وبناء مشاريع تنمية مناسبة، وتقديم تعليم واسع النطاق، والاستثمار في التكنولوجيا، كل ذلك في صالح المجتمع ككل، بدلا من القلة فقط.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب