حرب على الموارد الطبيعية في تونس

مقال رأي

 رغم حصارها من المشكلات الاقتصادية والأمنية منذ عام 2011، نجحت تونس حتى الآن في تجنب حلقة أخرى من الاضطرابات الاجتماعية الواسعة. إلا أنه حسبما أظهر صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتوسعه، يغيب عن تونس الاستقرار المستدام الذي تحتاجه لتلعب دورها على نحو أمثل. المشكلات الأمنية مهمة بالتأكيد، ولكن التركيز قصير المدى على مكافحة الإرهاب من قبل الحكومة التونسية وحلفاءها يقدم لمحة عن الدور الذي تلعبه الموارد الطبيعية التونسية في خلق موجة جديدة من الاحتجاجات.

قد لا تكون تونس مغمورة بالنفط والغاز كجاراتيها الجزائر وليبيا، ولكنها لا تزال بلد غني بالموارد. رغم أنها أنتجت 60 ألف برميل نفط يوميا فقط في عام 2013 و6 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي عام 2012، إلا أن الجنوب التونسي به تشكيلات صخرية تحوي ما يقدر بـ23 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج و1,5 مليون برميل من النفط القابل للاستخراج، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. مثلت إيرادات النفط بين عامي 2010 و2014 نسبة صغيرة ولكنها جديرة بالذكر، 4,1 بالمئة، من إجمالي الناتج المحلي.

تمثل صناعة الفوسفات التونسية مصدرا أكبر للدخل. ففي عام 2010، شكل 8,1 مليون طن من الفوسفات التي أنتجتها شركة الفوسفات الحكومية "قفصة"، حوالي أربعة بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، ولكن منذ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن على عام 2011، انخفض الإنتاج بشدة بسبب التظاهرات الشعبية المتكررة المطالبة بالتوظيف والتنمية الاقتصادية. فبلغ إجمالي إنتاج الفوسفات في السنوات الأربع التي تلت 2011، 11,2 مليون طن فقط، وخسر القطاع ذاته حوالي 2 مليار دولار في نفس الفترة.

أدت تلك العوامل بالمشهد الاقتصادي في تونس، التي تصل فيها معدل البطالة إلى 15 بالمئة، إلى المزيد من القتامة. تتوقع البلاد العام الحالي نسبة نمو ثلاثة بالمئة فقط، بينما انخفض النشاط الصناعي بنسبة 3,7 بالمئة في الربع الأول من عام 2015 بالمقارنة بالسنة الماضية. وبينما تنضال الحكومة التونسية للتعامل مع انخفاض الإنتاج الناتج عن المظالم الاقتصادية، يصبح التونسيون في الجنوب، حيث يتركز قطاع الفوسفات، أعلى صوتا وسط أزمة اقتصادية مستمرة.

في يوم 8 مايو، علقت أعمال شركة "قفصة" بسبب اعتصامات الشباب العاطلين. فاستجاب رئيس الوزراء الحبيب الصيد عبر الإعلان عن عدد كبير من مشروعات البنية التحتية بينها مستشفى، حفر آبار للمزارعين الفقراء، وبناء طريق بين تونس وقفصة. عاودت المنشأة التابعة للشركة في المتلوي، والتي تنتج 60 بالمئة من إنتاج الشركة من الفوسفات، أعمالها جزئيا في نهاية الشهر، ولكن جهود الصيد لم تمنع أربع بلدات في المنطقة، بينها المتلوي، من بدء إضراب عام في 20 مايو. "يهدف الإضراب إلى جذب الانتباه إلى الأوضاع السيئة والبطالة في المنطقة، رغم أنها غنية بالفوسفات"، حسبما صرح القائد النقابي علي جديدي. "يريد السكان الوظائف أكثر من أي شيء".

في ضوء حجم الأزمة الاقتصادية التونسية، من غير المفاجئ أن المظالم المتعلقة بالموارد لم تعد محدودة بقطاع ومنطقة محددة. ففي مطلع يونيو، أعلنت شركة الطاقة "سيرينوس" عن إغلاق حقل "صبريا" في وسط تونس بسبب الاحتجاجات المحلية التي تقطع الطرق المؤدية إلى منشأة المعالجة المركزية. فبعد استهداف حقل "الفرانيج" المجاور في البداية، الذي تملكه وتديره شركة "بيرينكو"، انتقل المتظاهرون نحو حقل "صبريا" و"أصروا على أن يوقف معظم العمال العمل ويغادروا منشأة المعالجة المركزية". أفاد بيان شركة "سيرينوس" أن المحتجين "معترضين على غياب التنمية، الاستثمار، وخلق فرص العمل في المنطقة"، وليسوا ضد الشركة نفسها.

بالتأكيد لا تمثل الاحتجاجات ضد تنمية النفط والغاز ظاهرة جديدة في منطقة المغرب العربي. ففي الجزائر المجاورة، تظاهر السكان في بلدة "إنصلاح" الجنوبية ضد الحفر لاستخراج الغاز الصخري في موقع مجاور للبلدة منذ الأول من يناير. تم إضعاف الحركة، التي تذكر مخاوف بيئية، بشدة منذ هجومها الأولي، ولكن ذلك لا يمثل مؤشرا عما قد يحدث في تونس. رغم أن المظالم الاجتماعية المصاحبة لصناعة الفوسفات كافية وحدها لتعطيل الاقتصاد التونسي بشكل خطير، إلا أنه من الممكن تماما – والجدير بالتصديق – أن المظالم الموجهة ضد قطاعي الفوسفات والنفط قد تعزز بعضها البعض لتخلق صورة من الاضطراب الاجتماعي تنقص الحكومة التونسية الإمكانيات للتعامل معها.

ليس المقصود أن الإجراءات المركزة على الجانب الأمني التي يروج لها حلفاء مثل الولايات المتحدة غير مهمة. بل إن إعلان تونس دولة حليفة غير عضوة بالناتو، تسهل شراء مروحيات "بلاك هوك"، وتسليم عربات "هامفي" وقوارب تأمين، جميعها تمثل بعض أقوى الإشارات للدعم الأمريكي، أكثر من أي وقت مضى. إلا أن ذلك لا يعني أن التركيز على الأمن يجب أن يأتي على حساب المشكلات الأخرى التي تهدد انتقال تونس الكامل نحو دولة ديمقراطية مستقرة ومسالمة.

مع استمرار الأزمة الاقتصادية التونسية في التعمق، من المرجح أن تواجه تونس المزيد من الاضطراب الاجتماعي العميق. رغم أنه لا يزال من غير الواضح إن كان الهبوط الموجه نحو قطاع الموارد الطبيعية التونسي والمصاحب له يمكن أن يصبح قويا كفاية ليربك النظام الحالي، إلا أنه يمثل خطرا محتملا بالتأكيد. ويمثل الفشل في وضع ذلك العامل في الاعتبار استراتيجية مضللة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب