حسابات السعودية في اليمن

تقرير صحفي

 على الرغم من دخول الفصائل اليمنية المتورِّطة في الصراع الجاري في محادثات، في جنيف، يوم 15 يونيو، إلا أن آفاق حدوث هدنة تبدو قاتمةً بما أن الحوثيين والسعوديين – ولا يعني ذلك أنهم  المشاركين الوحيدين، لكن بالتأكيد اللاعبين الأكثر تدميرًا – قد كثّفوا هجماتهم. وعلاوة على ذلك، في حين يواجه الحوثيون ضغوطًا متزايدة من المكونات اليمنية الواقعة تحت إجهاد هائل، فإنَّه لدى المملكة العربية السعودية القليل من الأسباب لإنهاء حملة القصف اليومي التابعة للائتلاف الذي تتزعمه. ولكي تحصل أي هدنة، فإنَّه يجب أن تتغير حسابات السعودية.

إنَّ الجهات المحلية الرئيسة في الصراع الجاري - حركة الحوثي، و المؤتمر الشعبي العام التابع للرئيس السابق علي عبد الله صالح، ولجان المقاومة الشعبية – مستعدة على الأرجع للانخراط بجدية في محادثات هدنة والبدء في وضع الترتيبات اللازمة لترتيبات سياسية طويلة الأمد. يشعر جميع هؤلاء الأطراف بدرجات متفاوتة أنهم مجبَرون بسبب أنصارهم وظروفهم على إنهاء الاقتتال، بطريقة أو بأخرى. ومع ذلك، ليس لدى السعوديين حوافز سياسية مباشرة لوقف الحملة اللاهادفة لسحق جارتهم اليمن، بما في ذلك العديد من الهجمات على المواقع التراثية.

أشارت بعض التقارير إلى أن الرئيس المنفى، عبد ربه منصور هادي، يخشى من أن يكون مهمّشًا في مفاوضات جنيف، بيد أنَّ هذا الخوف قد أتى ثماره بالفعل. إنَّ ممثلي هادي هم في الواقع  مندوبين سعوديين، تابعين لمعايير التفاوض الموضوعة من قِبَل الرياض. وعلاوة على ذلك، فإنَّه من الصعب تحديد الجماهير المعبِّرة التي لا تزال تتبنى تسمية "أنصار هادي" في اليمن. ولدى الكوادر المحلية في تعز وعدن وأماكن أخرى أجنداتها القائمة حول الأمن المحلي. إنَّهم يقاتلون ضدَّ الحوثيين ولكن بعيديين كل البعد عن القتال من أجل الهادي. والشرعية التي اكتسبها هادي من صعوده من نائب الرئيس علي عبد الله صالح لرئيس الحكومة في الانتخابات بالتزكية انتهت منذ زمن بعيد.

من المرجّح أن يعمل القائمون على المفاوضات على إقناع الأطراف بالمصلحة المشتركة في إنهاء الاقتتال. وينبغي أن يكون الشركاء القريبيين من المملكة العربية السعودية  - كالولايات المتحدة - على استعداد لدعم هذه الحجج. وعلى رأسها التهديد المتنامي للمجموعات الإرهابية المستفيدة من الفوضى. فقد استُهدِفَ الزيديين، وهم طائفة شيعية بارزة ترتبط بحركة الحوثي، عِدّة مرات في الأشهر الأخيرة في هجمات القتل الجماعي التي يقف خلفها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، كما واجه سكان المملكة العربية السعودية من الشيعة هجمات مماثلة من قِبَل داعش في الدمام والقطيف. وفي الوقت نفسه، عزز تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية من سيطرته على مدينة المكلا من خلال الوصول لاتفاقات مع رجال القبائل المحليين – وهو إنجاز كبير لمجموعة تُعادي علنًا الحوثيين والسعوديين على حد سواء.

ما يتجاوز تلك المخاوف الأمنية المتبادلة هو الأزمات الإنسانية العاجلة التي من شأنها أن تغذيها لا محالة. إنَّ 21 مليون يمني في حاجة طارئة إلى المياه، والصرف الصحي، ودعم النظافة بسبب نقص الوقود في أنحاء البلاد، وعجز المضخات عن الوصول إلى المياه الجوفية لعدم وجود طاقة. كما يعطل نقص الوقود الخدمات الطبية كالمستشفيات والعيادات لانعدام الكهرباء، وهو ما أدى لعدم حصول الملايين على الرعاية الصحية. وأخيرًا، يعاني 12 مليون من انعدام الأمن الغذائي. وقد أشار البيان الأخير الصادر عن 13 وكالة إنسانية أنه بدون وقف لإطلاق النار، ووضع حدٍّ للحصار، والتزام ضخم بإعادة الإعمار في اليمن، يمكن أن تضيع حياة الملايين.

لدى القوى الأمريكية والأوروبية والإقليمية القليل لتكسبه من الجلوس على مقاعد الاحتياطي بينما تواصل المملكة العربية السعودية قصفها لليمن. وقد جعلت مهمّة السعودية في اليمن المملكة أقل أمنًا الآن، وهناك أدلة فائضة عند حلفائها لصنع هذه الحالة. يطلق الحوثيون الآن الصواريخ على أهداف داخل المملكة، كما حاولوا شن هجمات عبر الحدود. يمكن لتكثيف البؤس والمعاناة في اليمن أن يضغط على الحوثيين من أجل إبرام اتفاق. لكن مع المزيد من اليأس، سيلقي اليمنيون اللوم على الحصار السعودي وسيدعمون العدوان الحوثي ضدَّ المملكة.

تعتزم المملكة العربية السعودية إرسال رسالة لإيران من هذه الحرب، لكن قد تنهار هذه الرسالة تمامًا نظرًا للفهم المبالغ فيه عند مجلس التعاون الخليجي لمفهوم التدخل الإيراني. وبالإضافة إلى ذلك، إنَّ الرسالة المرسلة إلى الولايات المتحدة – بأن المملكة تستطيع العمل مستقلة -  لم ينتج عنها سوى الارتباك: تمتلك المملكة العربية السعودية، بعد ثلاثة أشهر من الحرب، القليل لإظهاره بجانب جلب بلد لطالما وصف بأنه "على الحافة" إلى مستوى جديد من الكارثة. وأفضل طريقة لحفظ ماء الوجه في هذه المرحلة هي العمل بجدية وعمق أكثر على إعادة إعمار البلاد. ووعود السعودية السابقة، والسخية، لم تُسلَّم بعد.

تسببت الحملة التي تقودها السعودية في الكثير من الدمار وهي لذلك يجب أن تنتهي. وليس هناك ببساطة على المدى القصير أو الطويل أي منطق لإدامة الأزمة. من الممكن وينبغي أن يتم الاتفاق على تدابير لبناء الثقة المتبادلة على أن: يُلغي السعوديون الأمر العسكري السابق الذي أعلن محافظة صعدة كهدف عسكري، ووقف الحملة الجوية واسعة النطاق، وانسحاب الحوثيين من ساحات القتال فورًا في تعز ومأرب وعدن. كما يجب أن تُترك صنعاء، جنبًا إلى جنب مع مدن الوسط والشمال حيث عزز من حكم الحوثيين، للحوار السياسي. علي أي حال، ليس للقنابل أي تأثير على قدرة الحوثيين في السيطرة على الأرض.

يوفّر شهر رمضان ذريعةً مثالية للهدنة والتفاوض. وإذا كان لوسائل التواصل الاجتماعي الحكم على أي شيء، فإنَّ التوقعات اليمنية منخفضة وهي ببساطة الأمل في راحة لحظية. وعلى الرغم من الفرصة التي يقدِّمها رمضان، فإنَّ السعوديين يناضلون لا شك من أجل حفظ ماء الوجه في سياق الكارثة التي تلوح في الأفق، في اليمن. وعلى الرغم من المخاطر الحرجة وحياة العديد من المعرضين للخطر، إلا أن ذلك كلّه يعود إلى قدرة القادة السياسيين والعسكريين السعوديين على الاعتراف بالفشل.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب