دفاعا عن اليونان: كشف حقيقة 6 أساطير

مقال رأي

 

تتجه الأحداث في اليونان نحو مرحلةٍ حرجة. في نهاية الأسبوع عرضت قيادة سيريزا على الشعب اليوناني استفتاءً على قبول إجراءات التقشف – والتي تتضمن تخفيض معاشات التقاعد وإنفاق القطاع العام ورفع القيود على سوق العمل – كشروطٍ للحصول على أموال يتم استخدامها لسداد استحقاقات الدين. لكن حسب كل الروايات فإن اليونان ربما تُجبَر على ترك منطقة اليورو قبل نهاية الأسبوع. وحيث أنه يتم تقديم سيريزا في وسائل الإعلام الرئيسية باستمرار كحكومةٍ يسارية غير مسؤولة تحركها الأيديولوجيا، فمن المهم مناقشة بعض الحجج التي قد تبدو منطقية ضد سيريزا.

1. ’على الناس تسديد ديونهم. فلماذا لا تفعل اليونان؟’

عندما يقرض شخصٌ أموالا إلى آخر بنية تحقيق ربح، فإنه يتحمل مخاطرة، كما يفعل الشخص الذي يقترض النقود. ولأن كلا الطرفين يتحمل مخاطرة على أمل تحقيق بعض المكاسب في المستقبل، فإنه يجب عليهما تشارك المسؤولية عن النتيجة. هذا هو سبب إلغاء سجون المدينين والتي كانت شائعة في القرنين الثامن والتاسع عشر: لأنها تعاقب أحد الطرفين بشكلٍ غير عادل على سيناريو تسبب فيه كل من الدائن والمدين. لكن لا البنوك الأوروبية التي قامت بقروضٍ بها مخاطرة، أو المؤسسات السياسية التي صاغت السياسات التي شجعت على ممارساتٍ مالية غير سليمة، مستعدة لتحمل أي مسؤولية عن الوضع الحالي. يتم تدمير الخدمات العامة الحيوية بينما ينكمش الاقتصاد اليوناني لأن لا أحد باستثناء اليونان يتحمل مسؤولية ما هو فشل مشترك.

ثانيا، 90% من أموال الإنقاذ تم إنفاقها على إنقاذ البنوك، وليس على الإنفاق اليوناني. معظم الدين العام اليوناني (78%) هو لصالح الترويكا – صندوق النقد الدولي، والمفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي. أقرضت هذه المؤسسات أموالا لحكومة باسوك حتي يستطيعوا رد أموال البنوك اليونانية والأجنبية والتي أقرضت أموالا بتهور لجميع الدول الأوروبية قبل الأزمة المالية العالمية في عام 2008. وعندما أصبح واضحا أن توقعات البنوك بشأن النمو الاقتصادي لدولٍ مثل اليونان وايرلندا كانت خاطئة، طالبوا بأموالهم على الفور. هذا هو ما سبَّب أزمة الدَين، وقاد اليونان إلى طلب قروض إنقاذ. استخدمت الأموال التي تدين بها اليونان للترويكا في إنقاذ المصرفيين الذين أخطأوا الحساب. فقط 10% من القروض التي تلقتها اليونان من الترويكا وصلت إلى اليونانيين العاديين.

ثالثا، إذا كان الهدف هو أن ترد اليونان ديونها، فإن سياسات الترويكا الحالية ليست منطقية من الناحية الاقتصادية. لتصبح اليونان قادرة على رد بعض ديونها فإن اقتصاد اليونان يحتاج إلى أن ينمو، لكن نتيجة سياسات الترويكا كانت العكس. كما تجادل حكومة سيريزا: تحتاج اليونان أن تستثمر حتى تنمو وتتجاوز الركود، تماما كما فعلت المانيا عام 1953 بعد إلغاء ديونها الخارجية وتم ربط السداد بالنمو الاقتصادي.

2. ’لم يكن ينبغي على اليونان أن تقترض من البداية’

تتجاهل هذه الفكرة الأسباب الهيكلية لاقتراض اليونان. تقترض جميع الدول أموالا للاستثمار في اقتصاداتها والتنافس في الاقتصاد العالمي. بحلول عام 2009، أثقلت جميع اقتصادات منطقة اليورو الأصغر – اليونان، البرتغال، أيرلندا، أسبانيا – بديونٍ ضخمة لأن اقتراضهم فشل في جعلهم أكثر تنافسية. كما أظهر كوستاس لابافيتساس، فإن سبب ذلك بسيط: جمدت الحكومة الألمانية الرواتب حتى تتفوق على دولٍ مثل اليونان. ونظرا لأنها تنطلق من نقطة بداية متفوقة اقتصاديا وتكنولوجيا، فإن المانيا كانت لتنتصر دائما إذا كانت أجورها منخفضةً بما يكفي. وبالتالي راكمت اليونان عجزا تجاريا كبيرا والذي كان متناسبا مع الفائض التجاري الألماني. لذا تم تشجيع الاقتراض اليوناني بنشاط من قِبَل المانيا والتي تطلب الآن أن تتحمل اليونان اللوم على ما كان فشلا لمنطقة اليورو بالكامل.

3. ’ينبغي أن تقبل اليونان فقط الشروط المعروضة’

الصفقة التي عرضها الدائنون كانت لتحكم على بلدٍ عانت، منذ حزمة الإنقاذ الأولى في 2010، من أعوامٍ من الركود، وتقلص الأجور بنسبة 25%، وارتفاع البطالة بشدة؛ بأعوامٍ من التقشف. ارتبط خفض الإنفاق والاضطراب الاقتصادي بفقزةٍ في معدلات الانتحار.

الشروط التي فرضتها الترويكا مماثلة لبرامج الإصلاح الهيكلي التي ظل صندوق النقد الدولي يفرضها على الدول المنكوبة بالديون (في جنوب الكرة الأرضية بالأساس) منذ الثمانينيات. في اليونان، كما في تلك البلاد الأخرى التي وافقت على قروض صندوق النقد، سوف تعود الغالبية العظمى من تلك الأموال التي يوفرها صندوق النقد مباشرةً إلى خزائن البنوك متعددة الجنسيات. كما في الحالة اليونانية، تتطلب برامج الإصلاح الهيكلي خصخصة بالجملة، التحرير المالي وتحرير السوق، تقشف الحكومة، وتدمير الحقوق العمالية. هذه هي السياسات العكسية تماما لما صوت اليونانيون لصالحه عبر انتخاب سيريزا.

ينبغي أن تكون الشروط المرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي بغيضةً بالنسبة لليسار. لكن مطلعين ايضا، مثل جوزيف ستيجلز – كبير الخبراء الاقتصاديين السابق بالبنك الدولي – يجادلون بأن تأثير قروض صندوق النقد الدولي المشروطة كان فقط إثراء المؤسسات المالية العالمية. حتى بعض الاقتصاديين اليمينيين الذين يوافقون تاريخيا على سلوك صندوق النقد يخرجون معارضين الشروط التي تفرضها الترويكا على اليونان. هذا لأنه بينما يفرض صندوق النقد عادةً على المستثمرين تخفيضا كبيرا للدين – على سبيل المثال إلغاء جزء من الدين على الدولة المدينة مقابل إصلاحٍ هيكلي – ، فإن الضغط من حكومات منطقة اليورو ورغبةً في سحق الحركات التقدمية عنيا أن اليونان لم يعرض عليها هذا النوع من إعادة الهيكلة.

4. ’لماذا لا يستطيعون حل الأمر بأنفسهم؟’

في عالمٍ معولم، تعتمد الاقتصادات على بعضها البعض. وجود فائض تجاري لدى دولة مصدرة يقتضي ضمنا وجود عجز تجاري في أخرى مستوردة، إذا، كما كان الوضع مع اليونان وباقي منطقة اليورو، تبنت الدول المصدرة سياسات لإضعاف الإمكانات الاقتصادية لخصومها. لذا تحتاج الأزمات الاقتصادية حلولا جمعية بدلا من سياسات إفقار الجار التي تفضلها المانيا والترويكا في الوقت الحالي.

حاليا تمنع الترويكا اليونان فعليا من حل مشاكل اقتصادها عبر فرض التقشف والذي يؤدي إلى أثرٍ سلبي على معدل النمو. ولأن اليونان ليس لديها بنكا مركزيا خاصا بها فهي لا تستطيع استعمال سياسة نقدية للهروب من الركود، لذا فإن ما كانت الحكومة اليونانية تطلبه في المفاوضات هو تخفيف عبء الدين والذي سوف يسمح لها بالاستثمار في النمو الاقتصادي. لكن منطقة اليورو ككل رفضت تلك السياسات الكينزية المعتادة لصالح تخفيضاتٍ قاسية للاستثمار والخدمات العامة.

5. ’ألم يكن ينبغي على سيريزا أن يجرب كل شيء يستطيع فعله للبقاء في منطقة اليورو؟’

لقد فعل. يتم إظهار سيريزا في وسائل الإعلام على نطاقٍ واسع على أنه أعطى ظهره لمنطقة اليورو، لكن الموقف هو العكس بالضبط. في بداية هذا العام تم انتخاب سيريزا بتفويضٍ لتخفيف آثار التقشف بينما يظل اليونان داخل منطقة اليورو. رغم بعض الأصوات داخل الحزب التي تجادل ضد ما يسمى ’استراتيجية يورو جيد’، فإن قيادة سيريزا قد حاولت بلا هوادة في المفاوضات موازنة تفويضهم الانتخابي الشعبي المعادي للتقشف مع إرادة الدائنين.

حتى يوم الخميس من الأسبوع الماضي بدا أن قيادة سيريزا مستعدة لقبول تنازلاتٍ في صورة تقشف أكثر من أجل الحصول على المزيد من أموال الإنقاذ. انهارت المفاوضات، في وقتٍ لاحق من اليوم، عندما لم يحتو الاتفاق النهائي الذي عرضته المؤسسات سواء على تخفيف عبء الدين أو أموالٍ للاستثمار، وبالتالي إذا تم قبوله سوف يسحب اليونان إلى كسادٍ شبه أبدي.

6. ’لا يهمني الأمر’

أدت مفاوضات سيريزا مع الترويكا دورا تربويا وهو إظهار عدم استعداد المؤسسات غير الديمقراطية مثل الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لاحترام الإرادة الديمقراطية للدول القومية ذات السيادة. بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم استعداد الترويكا لربط استحقاقات الدين بالنمو الاقتصادي يثبت الحاجة إلى خلق استراتيجاتٍ سياسية واقتصادية تقترح طرقا للخروج من النموذج الاقتصادي النيوليبرالي.

السماح لليونان بالسقوط من فوق الجبل هي نتيجة سوف تقيد الحركات الديمقراطية عبر أوروبا. سوف تمثل هزيمة أول تحدي ديمقراطي جاد للنظام النيوليبرالي التكنوقراطي في أوروبا. هناك فقط حزبٌ واحد في اليونان سوف يستفيد من مثل ذلك السيناريو: الفجر الذهبي.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب