شهادة من اليمن: الجثث في كل مكان

مقال رأي

 في الساعات الأولى من صباح 13 يونيو، كان أفراد عائلة العماري نائمين في منزلهم في بيت معياد، وهي منطقة بالقرب من قلب العاصمة صنعاء. ثم جاءت القنابل. ضربت أربعة صواريخ على الأقل شارعهم في تتابع سريع في حوالي الساعة الثانية ليلًا.

ضربت الصواريخ متجرًا قريبًا يبيع اسطوانات الغاز؛ كانت النيران في كل مكان. سارعت العائلة بالفرار من منزلها. كانوا بالخارج تقريبًا عندما وقع انفجار في البوابة الرئيسية للمبنى قبالتهم، اصطدمت بأربعة منهم وقذفت بهم إلى الوراء الى داخل المنزل.

قتل أربعة أشقاء على الفور: إياد البالغ من العمر 11 عاما، وعبد القادر 18 عاما، ومنى 22 عاما، وعائشة  25 عاما. ابن عمهما، أحمد العماري، الذي كان يعيش في البيت المجاور، قتل أيضا في الانفجارات. كان في العاشرة من عمره.

قالت بشرى العماري، عمة الضحايا: "لقد تقطعت أجسادهم تمامًا. دفنّا قطعًا منهم." إنها تعيش على بعد شارعين وكانت جالسة مع أبنائها الثلاثة في منزلها ذلك اليوم الذي تساقطت فيه الصواريخ.

غير الأشقاء الأربعة الذين قتلوا، نجا شقيقهم البالغ من العمر 18 عاما وشقيقتهم البالغة من العمر 20 عاما، وهي الآن في حالة صدمة وغير قادرة على الكلام. عانت والدة ابن عمهم المقتول فقط من كسر في الذراع، لكنها في حالة من الهستيريا. إنها تعتقد إن الأطفال أصيبوا، لكنهم لا يزالوا على قيد الحياة. خوفا على حالتها النفسية ، لم تجرؤ بشرى على أن تقول لها إنهم جميعًا موتى.

كما قتل في الهجوم خمسة أفراد من عائلة الأكوع، الذي كانوا يعيشون في البيت المجاور، بينهم ثلاثة أطفال، ليصل بذلك عدد القتلى إلى 10 على الأقل، جميعهم من المدنيين وخمسة منهم من الأطفال. كما جُرِح ما يصل إلى 60 شخصًا في الهجوم.

بيت معياد هي منطقة سكنية، ولكن السبب المفترض لشن تلك الضربات هو أن أعداء السعودية يعيشون في المنطقة.

في 26 مارس، بدأ تحالف الدول العربية الذي تقوده السعودية في قصف اليمن لوقف تقدم مجموعة من المتمردين المعروفين باسم الحوثيين، الذين استولوا على العاصمة في سبتمبر واستمروا في مسيرتهم جنوبًا وفرضوا سيطرتهم على أجزاء كبيرة من البلاد.

تقصف الطائرات السعودية مواقع في جميع أنحاء اليمن بشكل يومي تقريبًا منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، وتتلقى دعمًا لوجستيًا واستخباراتي من الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى الأهداف عسكرية ومستودعات الأسلحة، ضربت الغارات الجوية المطارات في عدن وصنعاء، حيث لا تزال اثنين من الطائرات التجارية المدمرة ماثلة على مدرج المطار. كما ضربت أيضًا مخيم لاجئين في منطقة حرض الشمالية. ومواقع تراثية عديدة محمية من اليونسكو ، بما في ذلك مؤخرا خمسة منازل على الأقل في مدينة صنعاء القديمة التي يبلغ عمرها 2500 عامًا.

بالإضافة إلى الضربات الجوية، بدأت معارك ضارية في الشوارع في عدن وتعز وغيرها بين الحوثيين- الذين تحالفوا مع القوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح- والقوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي يقبع في المنفى وغيرهم من الخصوم. قتل أكثر من 2500 شخصًا في الصراع، فضلًا عن أكثر من 11000 جريح، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

يقول محللون ومقيمون في العاصمة إنه منذ بداية يونيو دخلت حملة القصف مرحلة جديدة: بدأت الطائرات في استهداف منازل أعداء السعودية، بدلا من الأهداف العسكرية فقط. وقد وجد المدنيين نفسهم محاصرون بشكل متزايد في تبادل اطلاق النار.

كان الشارع الذي عاشت فيه العائلة العماري موطنًا لمساكن ابن شقيق صالح وإخوته. لكنهم لم يكونوا بالمنزل في ذلك الوقت. في وقت سابق من هذا الشهر، تم قصف منزل نجل صالح، أحمد علي، كما قُصِف مكتبه، الذي يقع بالقرب من مقهى للانترنت ذي شعبية في صنعاء. وليلة الأحد 14 يونيو، قصف أيضًا منزل حليف وثيق للحوثيين في ​​منطقة فج عطان في صنعاء.

وقال ماجد المذحجي، وهو باحث سياسي يعيش صنعاء: "إنهم يحاولون ترويع ومعاقبة معارضيهم،" مشيرًا إلى ان حلفاء صالح لا ينامون في منازلهم بعد الآن. واضاف "انها استراتيجية غبية، وهي علامة على فشلهم. انهم لا يعرفون ما يجب القيام به. إنهم لا يستطيعون كسب هذه الحرب من الجو."

لكن الحملة الجوية التي تقودها السعودية ليست الخطر الوحيد الذي يتعرض له المدنيون في صنعاء مثل عائلة العماري. قالت بشرى إن الليلة التالية لمقتل أقاربها، أصابت قذيفة من سلاح مضاد للطائرات أطلقها الحوثيون سقف منزلها، وسقطت أخرى في فناء منزلها. وقالت "صوتهم مرعب." ثم أضافت " تضرب منزلنا كل يوم تقريبا بعض الشظايا منها."

الومضات السريعة لنيران الأسلحة المضادة للطائرات تملأ السماء في صنعاء كلما سمعت هدير طائرة حربية عابرة، وأحيانا حتى عندما لا تسمع ذلك الهدير.

وقال الدكتور نصر القدسي، رئيس المستشفى الجمهوري في صنعاء، ثاني أكبر مستشفى في اليمن، إنه يتلقى ثلاثة إلى خمسة مرضى يوميًا بجروح جراء الذخائر المضادة للطائرات. وأشار القدسي "إنهم يطلقون النار بشكل عشوائي وبدون هدف." وأضاف" "أنا أكثر خوفا من نيران المدافع المضادة للطائرات من خوفي من الصواريخ." وفي تقرير صدر في مايو، وجدت منظمة العفو الدولية إن الذخائر المضادة للطائرات التي يطلقها الحوثيون: "كانت السبب الرئيسي للخسائر في العاصمة."

وفي الوقت نفسه، تقع بشرى في حيرة عما يجب القيام به، بينما أفراد أسرتها- مثل الكثير من المدنيين اليمنيين- محاصرون في القتال.

بالإضافة إلى أفراد الأسرة الخمسة الذين فقدتهم قبل أيام في غارة جوية سعودية، توفيت خالتها البالغة من العمر 80 عاما في بلدة جليلة، نحو 90 ميلا الى الشمال الغربي من العاصمة، بعد أن أصيبت نتيجة قصف القوات المتحالفة مع الحوثيين. وكانت العمة غير قادرة على الوصول إلى المستشفى لمدة شهر بسبب القتال، وأخيرا استسلمت لإصاباتها. في عدن، قتل زوج ابنة عم بشرى- المختل عقليًا- برصاص قناصة بينما كان يسير في الشارع. وخُطِف أحد أقارب نسيبها – وهو صيدلي- من قبل الحوثيين في صنعاء الأسبوع الماضي.

تقول بشرى والدموع في عينيها: "أنا لا أرى ذلك ينتهي. أعتقد إن الأمور ستزداد سوءا بكثير."

لقد فقدت وظيفتها كصحفية بعد إغلاق الحوثيين الصحيفة التي كانت تعمل بها. ولم يتلق زوجها راتب حكومي منذ ثلاثة أشهر. وهم يعتمدون على قريب يعيش في الولايات المتحدة يرسل لهم المال. إنها تريد أن تترك اليمن، ولكن مع غلق الحدود، وعدم خروج أي رحلات جوية من صنعاء تقريبًا، فهي ستظل محاصرة في الداخل.

تقول بشرى: "ليس هناك مكان آمن." وتضيف: "أريد أن أحمي أطفالي ولكن كل الأماكن مستهدفة. أنا لا أعرف كيف أحميهم."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب