على الولايات المتحدة دعم الديمقراطية وليس الديكتاتورية في مصر

مقال رأي

 في عام 2009، عندما كنت أقدم برنامج تلفزيوني حواري في القاهرة، صدمت بوقاحة الأجهزة الأمنية في التدخل في عملنا، محاولين فرض خط تحريري موالي للحكومة ومناصر للحكم العسكري من خلال التهديد والمكالمات الهاتفية المشؤومة لمنتجي البرنامج. تسببت الرقابة في ألا تذاع أجزاء من البرنامج، وموظفينا الذين يعملون لصالح الحكومة تلاعبوا بعملية المونتاج. وبعد الموسم الأول، اضطررنا إلى إيقاف البرنامج.

لكن وراء الستار السلطوي في مصر، كان مثقفو القاهرة يثيرون ضجيجًا حول خطاب الرئيس باراك أوباما التاريخي، في جامعة القاهرة، في يونيو من ذلك العام. لم تكن كلمات أوباما وحدها التي أثارت اهتمام المصريين ، بل المثال الذي كان يطرحه: إنه رجل له نفس لون بشرتهم، وقد تربى والده على الإسلام، انتخب رئيسًا لأقوى دولة في العالم، بينما هم لا يزالوا محرومين من الحقوق الأساسية في بلادهم. وبينما كان حسني مبارك، الذي ترأس نخبة من قلّة صغيرة لا تربطها صلة بالمصريين العاديين، يستعد لتسليم السلطة لابنه جمال، كانت انتفاضة ديمقراطية درامية في طور البناء.

بعد خمس سنوات، كان الرئيس الأمريكي الذي وعد يومًا ما الشعب المصري أن يدافع بنشاط عن حقه في "قدرته على التعبير عن أفكاره وآرائه في أسلوب الحكم" قد وجه دعمه خلف نظام أكثر استبدادية بكثير من مبارك. تحت القبضة الحديدية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، توسع "الدولة العميقة" العسكرية التي تسيطر على ثلث الاقتصاد المصري وتسيطر على أروقة السلطة من نفوذها في الوقت الذي تجمع فيه قلّة من النخبة في البلاد ثروة قياسية. ومؤخرًا حُكِم على الزعيم الوحيد المنتخب ديمقراطيًا في تاريخ مصر الذي يمتد لـ 5000 عامًا - محمد مرسي - بالإعدام في محكمة صورية، في الوقت الذي يقبع فيه 40000 سجين سياسي وراء القضبان، يتعرضون للتعذيب والاعتداء الجنسي. لقد تم سحق جميع البدائل السياسية للنظام الحالي من خلال القوة والترهيب، بينما يقيم زعماء المعارضة في المنفى. ويحكم مصر اليوم نفس النظام العسكري المتحالف مع المصالح التجارية كما كان يحدث في عهد مبارك، بل ومع مقدار أقل من ضبط النفس مما أظهره الديكتاتور السابق عندما يتعلق الأمر بالوحشية التي يجرى بها مواجهة المعارضة غير العنيفة.

في كل مرحلة من مراحل محاولة السيسي لترسيخ الحكم العسكري، قدمت واشنطن الدعم الدبلوماسي والمادي اللازم، مما يضمن انحدار القاهرة لتصبح عاصمة القمع العربي. قبل أيام من قتل قوات الأمن المصرية 1000 متظاهر لاعنفي، في منطقة "رابعة العدوية" في ضواحي القاهرة، في أغسطس 2013، أعلن وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، أن السيسي كان "يستعيد الديمقراطية". وفي أكتوبر 2014، في مؤتمر عقد في القاهرة مخصص لجمع الأموال لإعادة بناء مناطق قطاع غزة التي دمرتها الهجمات الإسرائيلية هذا الصيف (وهي العملية التي لم تبدأ بعد)، أضفى كيري على السيسي المزيد من الشرعية، مشيدًا بالديكتاتور "للدور المحوري الذي لعبته مصر في هذه المنطقة لفترة طويلة". وفي الوقت الذي كثّفت محاكم السيسي من الحكم القمعي للنظام، بالإشراف على سجن هؤلاء الأربعين ألفًا من المصريين المشار إليهم ومئات من أحكام الإعدام التعسفي، التقى بيل وهيلاري كلينتون بالسيسي لالتقاط صورة تذكارية. وفي شهر أبريل الماضي، عندما ألغى أوباما أمرًا تنفيذيًا يحظر أي مبيعات أسلحة إلى مصر، أشارت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، برناديت ميهان، إلى أن "الإدارة لن تصدر ما يسمى بـ ’شهادة الديمقراطية’ خلال ذلك التشريع".

وقد حصل السيسي على دعم واشنطن من خلال طرح نفسه كضامن للاستقرار، سواء في بلده، حيث تتعارك قواته المسلحة مع المليشيات الإسلامية في شبه جزيرة سيناء، وفي ليبيا واليمن، حيث قد أذن بشن عمليات عسكرية. لكن حكم البلاد بقبضة حديدية لم ينتج له شيئًا سوى الفوضى. في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2015 وحده، سجلت مصر 1641 حادثة عنف سياسي، بمعدل حادثة كل 90 دقيقة. والآن حتى جنرالات السيسي قد أصبحوا شديدي التوتر. كما أفاد ديفيد هيرست في مقال لموقع "ميدل إيست آي" الشهر الماضي، فقد سُمِع أحد كبار الشخصيات العسكرية يتذمر قائلًا "لم يكن الحال أبدًا بهذا السوء في مصر".

حتى الآن، حكم على 500 شخص بالإعدام، كلهم متهمون بقتل ضابط الشرطة نفسه. وفي الوقت نفسه، تم قتل ما يقدر بنحو 6000 من المتظاهرين العزل من قِبل المكلفين بإنفاذ القانون المصري، وحتى الآن لم يجر أي تحقيق في وحشية الشرطة. ومما يزيد من المشكلة، تمثل سياسات مصر القمعية سيناريو مثالي لتنظيم القاعدة والعناصر المتطرفة التي تشبهه. فقد انضم عدد يثير القلق من النشطاء، سواء من الإسلاميين أوالعلمانيين - الذين كانوا قد انضموا إلى التمرد السلمي عام 2011 - إلى جماعات متطرفة منذ صفع باب المشاركة الديمقراطية في وجوههم. كان على رأسهم أحمد الدراوي، وهو ناشط مؤيد للديمقراطية ترشح للبرلمان، وانتهى بالانضمام إلى داعش بعد انقلاب عام 2013 في مصر.

ومن الجدير بالذكر كيف أن أحد قيادي تنظيم القاعدة، المصري أيمن الظواهري، قد حذر الشباب المسلم من الديمقراطية. في كتابه "الحصاد المر"، حثهم على تغيير واقعهم من خلال الجهاد العنيف، وليس من خلال صناديق الاقتراع، مؤكدًا أن الحكام العسكريين لن يسمحوا لهم بممارسة حقوقهم. لقد شجب الإخوان المسلمين واصفًا إياهم بالسذاجة لمشاركتهم في الانتخابات وطموحاتهم الديمقراطية. ووفقًا للظواهري، كان من الأفضل للاستيلاء على السلطة عن طريق العنف، لأن "الصليبيين" وحلفائهم في العالم العربي لن يسمحوا بظهور دولة إسلامية حقيقية. وبطرق عديدة، يُعَد السيسي تحقيقًا لنبوءة الظواهري.

يرى كثير من الشباب في منطقة الشرق الأوسط سير الأحداث إثباتًا لادعاءات الإرهابيين العدميين بأن "الديمقراطية وهم خطير". ولسخرية القدر، تعتمد خطابات السيسي وداعش على بعضها البعض. مثل بشار الأسد في سوريا، يبرر السيسي القمع بضرورة إنقاذ مصر من "التهديد الإرهابي" الكبير، وعودة معارضي قوات القمع مرّة أخرى إلى طريق العنف، يغذّي بدوره ادعاءات السيسي. ورغم التزام قادة جماعة الإخوان المسلمين المستمر لرفض المنظمة لأعمال العنف وهو الالتزام الذي بدأ منذ عقود، فهم لم يعودوا قادرين على السيطرة على النشطاء والمؤيدين الأصغر سنًا الذين تُرِكوا دون بديل سوى العنف.

يتبع السيسي نفس قواعد اللعبة الطائفية التي يمارسها الأسد ونوري المالكي، الذين تسبب قمعهم للمعارضين في سوريا والعراق في تمهيد الطريق لداعش. مثل الأسد، والمالكي، والطغاة في جميع أنحاء المنطقة، فهو يقدّم للمصريين خيارًا بسيطًا: أنت إما معي أو ضدي، وإذا كنت ضدي، ستوصف بأنك "جهادي"، سواء كنت كذلك أم لا. وقد بنى السيسي خطة استمراره على محو المناطق السياسية الرمادية وتحطيم قوى الوسط.

تواصل إدارة أوباما إيهام نفسها، مفكرة بأن الأمن القومي الأمريكي يمكن تأمينه من خلال تحالفات مع الحكام المستبدين الذين أدى تعذيبهم وزنازينهم إلى ارتفاع شأن سيد قطب، الأب المؤسس للجهادية الحديثة، وكذلك أيمن الظواهري، العقل المدبر وراء تنظيم القاعدة. (لقد جرى تعذيب قطب والظواهري بشكل وحشي، قطب في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حتى تم إعدامه في عام 1966؛ والظواهري في عهد مبارك) ومن الخطورة أيضًا الاعتقاد أن تحقيق الاستقرار في المنطقة سيأتي من الانضمام إلى ضغط مؤيدي السيسي بين ملكيات الخليج ، وأهمهم السعودية، التي وفر مذهبها الديني الرسمي- الوهابية - الجذور اللاهوتية لتنظيم القاعدة وإيديولوجية داعش. إن حنث أوباما بوعده بدعم الديمقراطية في مصر يضمن تقريبًا أن السجون السيسي ستنتج يومًا ما الشخصية الذي تجعل الظواهري المتعصب يبدو وكأنه كات ستيفنز.

أي استراتيجية أمن قومي عملية تتطلب أن تكون الولايات المتحدة قاسية على الحكام المستبدين في الشرق الأوسط كما هي قاسية على الإرهابيين. يجب على واشنطن تجميد المساعدات لمصر على الفور، وربط استئنافها بإجراء إصلاحات ديمقراطية ملموسة، بما في ذلك الترحيب بجماعة الإخوان المسلمين مرّة أخرى في العملية السياسية الديمقراطية الشاملة. يجب أن نتواصل على الفور مع مكتب مفتي الديار المصرية لإجباره على عدم التوقيع على حكم الإعدام الصادر بحق مرسي قيد الصدور الاسبوع المقبل. هذا يمنع مرسي من أن يصبح رمزًا وشهيدًا، مثل سيد قطب آخر. مثل هذه الخطوة سوف ترسل رسالة مفادها أن واشنطن لا تتغاضى عن انتهاكات حقوق الإنسان، حتى عندما يكون الجناة من الحلفاء. وإلى أن نلتزم بالديمقراطية والكرامة في الشرق الأوسط، فنحن نلعب في صالح تنظيم القاعدة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب