فورين أفيرز الأمريكية: لا تساعدوا داعش

مقال رأي

 بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (والذي يدعى ايضا داعش) على الرمادي الأسبوع الماضي، خلص عدد من المحللين البارزين إلى أن التنظيم في تصاعد مرة أخرى. قارن البعض الاستيلاء على المدينة، عاصمة محافظة الأنبار الاستراتيجية، باندفاع التنظيم الذي لم يواجه مقاومةً تقريبا عبر الموصل قبل حوالي عام. بل وتوقع آخرون أنه يستطيع الآن الاستيلاء على بغداد.

كتب مارتين تشولوف مراسل ذا جارديان "من بيروت إلى بغداد وحتى الرياض، بدأت الأطراف الاقليمية الفاعلة في تقبل أن تنظيما يستطيع الفوز بأغلب معاركه ويقتحم بنجاح أكثر المعاقل تحصينا في سوريا والعراق". بينما زعم ستيوارت جوتليب، أستاذ مساعد السياسة الخارجية بجامعة كولومبيا، أنه "رغم ثمانية أشهر من حملةٍ جوية تقودها الولايات المتحدة، فإن داعش ما تزال مستمرة في زحفها إلى حدٍ كبير".

تبالغ مثل تلك التقديرات كثيرا في قدرات داعش: رغم ان الرمادي كانت انتصارا تكتيكيا ودعائيا كبيرا، فإن الحقيقة تبقى أن الجماعة الإرهابية مجهدة وفي وضعٍ دفاعي في أغلب مناطق العراق. تفشل تقديرات المحذرين في إدراك تعقيدات الهجوم العسكري ضد داعش. أي حملة طويلة الأمد ضد خصمٍ قوي سوف يكون بها مكاسب وخسائر على الجانبين، ويجب أن يكون المراقبون حذرين بحيث لا يبالغون في ما الذي تستطيع معركةٌ واحدة أن تخبرنا إياه عن الحرب.

بالنسبة للعراق وخبراء مكافحة الإرهاب، لا ينبغي أن يكون غزو داعش للرمادي مفاجئا. بدأت داعش في السيطرة على أجزاءٍ من المدينة منذ يناير 2014، ما يعني أن المنطقة كانت متنازعا عليها لمدة ما لا يقل عن 16 شهرا قبل سقوطها النهائي. وحتى بينما كان يصبح أكثر وضوحا أن الرمادي على حافة السقوط في أيدي داعش، فإن قوات الأمن العراقية قامت فقط بجهودٍ فاترة لتأمين المدينة. بالفعل فقد كانت المدينة أقل تأمينا من اللازم بكثير: كررت القوات التي كانت تواجه داعش طلب تعزيزاتٍ من بغداد، بينما توسلت القوات القبلية المحلية للجيش العراقي للحصول على معداتٍ وذخيرةٍ إضافية قبل شهورٍ من سقوط المدينة. لم تكن سيطرة داعش على الرمادي حتمية؛ لكن استجابة الحكومة العراقية المتقاعسة للقتال هناك أجبر قوات أمن المدينة المجهدة والمستنزفة على تدبر أمورهم بأنفسهم.

كان سقوط الرمادي آتيا منذ وقتٍ طويل، وينبغي رؤيته كانتصارٍ متبقي ينبع من هجوم داعش الأولي في محافظة الأنبار في يناير 2014. الاختبار الأفضل لقدرات التنظيم هو ما إذا كان سيستطيع الاحتفاظ بسيطرته على الرمادي والمناطق الأخرى في الشهور القادمة ومواصلة البناء على انتصاره هناك عبر مكاسب أخرى كبيرة. في الواقع ربما تكون سيطرته على الرمادي قصيرة الأجل للغاية. أعلنت القوات الحكومية والميليشيات الموالية للحكومة في 26 مايو إطلاق هجومٍ عسكري لإستعادة الرمادي وباقي محافظة الأنبار، وبدأت القوات المعادية لداعش بالفعل في قطع خيوط إمداد التنظيم إلى المدينة. صرح عضو بالمجلس المحلي للأنبار أن مسلحي داعش "بدأوا في الانسحاب من بعض مناطق الرمادي". رغم أن الهجوم لإستعادة الرمادي يمكن أن يستغرق أسابيع أو حتى شهورا، فإن حقيقة أن قوات الأمن العراقية قد أعادت بالفعل السيطرة على أراضي يظهر أن مكاسب داعش في الرمادي يمكن عكسها.

أسكتوا الإنذار

محللي الرمادي المحذرين ليسوا فقط مخطئين، إنهم خطرين. عبر التفسير غير الدقيق للاستيلاء كمؤشرٍ على صعود داعش، فإن ذلك يصب مباشرةً في صالح رواية التنظيم.

ترعى داعش تصور الزخم والقوة لإقناع المقاتلين الأجانب والمنظمات الجهادية الأخرى بالانضمام، سواء في سوريا والعراق أو في مسارح أخرى للأحداث مثل ليبيا واليمن، والتي تأمل في تعزيز بصمتها فيها. قدم التنظيم رسالة انتصار حتى بينما كان يعاني من خسائر في ساحة المعركة، خاصةً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. تضخيم المحللين لتلك الرسالة يعمل فقط لصالح داعش وعلى حساب التحالف الذي يحاربها.

Shia fighters stands near a wall painted with the black flag commonly used by Islamic State militants in the town of Tal Ksaiba, near the town of al-Alam, March 7, 2015.

مقاتلون شيعة يقفون بجوار حائط رُسم عليه العلم الأسود الذي يستخدمه مقاتلو داعش في قرية تل كصيبة بجوار بلدة العلم، 7 مارس 2015.

ظلت هذه الديناميكية مشكلة لبعض الوقت. في نوفمبر 2014، نشرت عدة وكالات أنباء رائدة أن داعش قد استولت على مدينة درنة الليبية، بينما في الواقع كانت داعش واحدة فقط من خليطٍ من التنظيمات المسلحة التي تعمل في المدينة. هذه المرة، اقتبست كريستيان آمانبور عن مستشارٍ سابق بالقيادة المركزية الأمريكية قوله إن 6000 من قوات الأمن العراقية قد انهزموا أمام 150 فقط من مقاتلي داعش في الرمادي. هذا الادعاء من شبه المؤكد أنه غير حقيقي، حيث أنه من غير المرجح أن ترسل داعش فقط 150 مقاتلا فقط لبسط السيطرة على مدنيةٍ حضريةٍ كبيرة. هذا هو النوع من التحليلات المبالغة التي تصب في صالح داعش عبر تصويرها كقوةٍ محاربةٍ خارقة.

حتى أن داعش قد أدرجت تعليقات محللين غربيين في دعايتها الخاصة: خصصت مجلتها الشهرية الناطقة باللغة الانجليزية، دابق، قسما بعنوان "في كلمات العدو" للاقتباس عن المسؤولين الحكوميين والمحللين الغربين الذين حذروا من قوة داعش المتنامية.

ينبغي أن يتذكر المحللون أن تقديراتهم لقدرات داعش يتردد صداها أبعد بكثير من المؤسسة السياسية في واشنطن ووسائل الاعلام الوطنية. تعقد التفسيرات الخاطئة للتطورات في ساحة المعركة والمبالغات في قوة الجهاديين جهود الولايات المتحدة لمحاربتهم في حلبة الرأي العام، وبالتبعية، في ساحة المعركة.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب