فورين بوليسي: الجنود المجهولون الجدد في العراق وأفغانستان

مقال رأي

 يوم الاثنين الماضي، وكما يحدث في كل يوم ذكرى، أحيا السياسيون والقادة العسكريون الأمريكيون ذكرى تضحية الجنود الذين ضحوا بأرواحهم من أجل بلادهم. إنه ليس فقط يوما لتكريم الموتى، ولكنه ايضا لتقدير عشرات الآلاف من الجنود الذين مازالوا ينتشرون في مناطق القتال اليوم، بغض النظر عن إن كان السياسيون يسمونها "حروبا" أو إن كانت تلك العمليات تشغل عقول الأمريكيين. في يوم الذكرى ذاته، أصدر البنتاجون بيانا كئيبا: "توفي الرقيب أول بابلو رويز، من مدينة ملبورن بولاية فلوريدا، يوم 24 مايو في أفغانستان، نتيجة حادث غير قتالي".

متحدثا في مقبرة ارلينغتون الوطنية، استخدم أوباما لغةً انعكاس عادية معلنا: "نحن نفخر بتضحية آلاف الجنود الأمريكيين – رجالا ونساءً – الذين ضحوا بأرواحهم منذ أحداث 11 سبتمبر، ومن ضمنهم أكثر من 2200 أمريكي وطني قاموا بالتضحية العظمى في أفغانستان". هذا صحيح في الواقع.

لكنه يتغافل عن التضحيات المهمة التي قام بها غير المجندين نيابةً عن مهماتٍ عسكرية. منذ أحداث 11 سبتمبر، قتل ايضا 1529 متعاقد من القطاع الخاص (حوالي 32 بالمئة منهم أمريكيون) يعملون بموجب عقود مع وزارة الدفاع في أفغانستان. في العام الماضي، بلغت نسبة المتعاقدين من القطاع الخاص 64% من جميع الوفيات الأمريكية في البلاد (حيث توفي 56 جندي و101 متعاقد). لكننا لا نعلم بالتحديد من أين هم متوفو العام الماضي، لأنه من الصادم أن وزارة العمل "لا تتبع روتينيا جنسية العما الذين أصيبوا أو قتلوا تحت أي قوانين يديرها البرنامج".

تلك الممارسة الشائعة وهي إسقاط دور المتعاقدين في العمليات العسكرية الأمريكية هي مقلقة لعدة أسباب. فهي تتغافل عن خدمتهم وتضحيتهم، هي توزع عبء الحرب على أشخاص محليين قليلي الراتب والحماية أو مواطني دول عالم ثالث، كما أنها تعطي انطباعا خاطئا لحجم وجود عسكري والتزام وطني أمريكي أصغر بكثير. متى يعلن البيت الأبيض والبنتاجون عن عدد الجنود الذين سوف يرسلون إلى العراق أو أفغانستان، فهم لا يذكرون ابدا عدد المتعاقدين الذين سوف يرسلون معهم. عندما يطلب الصحفيون والمحللون معلومات، يبدو أن المسؤولون والمتحدثون الرسميون لا يملكونها دائما، ومن الصعب الحصول على تقديراتٍ دقيقة ومحدثة في وقتٍ لاحق.

لقد تأخر كثيرا اعتراف القادة المدنيين والعسكريين الذين يقودون ويفوضون بالعمليات العسكرية للولايات المتحدة بالدور الحيوي الذي يلعبه هؤلاء المتعاقدين. لعب المتعاقدون من القطاع الخاص دوما دورا أساسيا في العمليات العسكرية للولايات المتحدة بالخارج، وقد زادت نسبة المتعاقدين إلى الجنود الأمريكيين الذين يتم إرسالهم زيادةً هائلة منذ نهاية الحرب الباردة. يظهر الرسم البياني بالأسفل المأخوذ من تقريرٍ لمجلس علوم الدفاع صادر عام 2014 ذلك.

بالفعل، فمنذ 11 سبتمبر، تم إرسال المتعاقدين من القطاع الخاص بنفس معدلات إرسال الجنود الأمريكيين دعما للحروب في أفغانستان والعراق، أو حتى تفوقها. من الصعب تفصيل ذلك، لأن العسكرية الأمريكية لم تقم ابدا بتعقب المتعاقدين من القطاع الخاص الذين تم إرسالهم دعما لعمليات قتالية بالخارج، حسب تقارير عدة لمكتب المحاسبة التابع للحكومة. (وكمثال لطرفةٍ مزعجةٍ بشدة توضح ذلك، فقد توصل مكتب المحاسبة التابع للحكومة إلى أن القوات المسلحة لا تستطيع أن تحدد بدقة عدد المتعاقدين الذين قتلوا أو أصيبوا في العراق أو أفغانستان، بينما في نفس الفترة الزمنية كان البنتاجون يتعقب بدقة عدد الكلاب القتالية التي قتلت في كلا البلدين).

رغم ذلك فبالاعتماد على البيانات شبه التفصيلية المتوفرة بدءا من 2008، فإن الرسم البياني بالأسفل يظهر كيف أنه – منذ العام الرئاسي الأول لأوباما – كان هناك دائما عدد متعاقدين أكبر من الجنود الأمريكيين في العراق والأفغانستان، لكن لم يحمل البنتاجون أو البيت الأبيض عرفانا لهم في أي وقت.

التجاهل النسبي للمتعاقدين محير بشكل خاص بالنظر إلى أن دعمهم للعمليات العسكرية الأخيرة يمتد لجميع مراحل العمليات تقريبا: تشكيل البيئة، الردع، دعم عمليات إعادة الإستقرار، والحكم المدني. وتتضمن مهامهم التدريب، النقل، الترجمة، وحماية القوات. لكن "متعاقدين" هي كلمة بذيئة في بعض الدوائر السياسية والعسكرية، واحدة يمكن أن يخلط الأمريكيون بينها وبين الشركة سيئة السمعة التي تدعى بلاك ووتر، والتي كانت مسؤولة عن مذبحة قتل 17 عراقيا في سبتمبر 2009. لكن حتى في ذروة خطة زيادة القوات، شكل عاملو بلاك ووتر من 1 إلى 2 بالمئة فقط من جميع المتعاقدين بالعراق.

كل أربعة أشهر يقوم مكتب نائب مساعد وزير الدفاع (لدعم البرامج) بإصدار تقارير إحصائية ربع سنوية لمنطقة عمليات القيادة المركزية: العراق، أفغانستان، و16 دولة أخرى. أعلن تقرير يناير 2014 متفائلا "سوف يكون هذا التقرير الأخير للقيادة المركزية الأمريكية عن عدد المتعاقدين بالعراق". لكن في يناير 2015، عاد مؤشر المتعاقدين للظهور من جديد اعترافا بنشر قوات ضد الدولة الإسلامية ضمن عملية العزم التام. قدر ذلك التقرير عدد المتعاقدين بخمسة آلاف شخص، زاد عددهم إلى 6300 في التقرير الأخير الذي صدر الأسبوع الماضي؛ بالمقارنة، هناك أقل من نصف ذلك العدد (3000) من الجنود الأمريكيين في العراق. في نفس الوقت، هناك ثلاثة أضعاف من المتعاقدين (30820) بالنسبة للجنود الأمريكيين (10000)، 12033 منهم أمريكيون. من المهم ملاحظة أن هذه التقديرات لا تتضمن المتعاقدين الذين يدعمون وكالة المخابرات المركزية، وزارة الخارجية، وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة، أو الوكالات الحكويمة الأخرى.

يمكن الكشف عن مدى الدعم التعاقدي لحروب الولايات المتحدة في تقارير "تعاقدات" البنتاجون الصحفية اليومية. أكثر بيانين أهمية لسياسة الولايات المتحدة فيما بعد 2014 في أفغانستان لم يأتيا من البيت الأبيض، لكنهما وجدا في فقرتين نشرتا مؤخرا عشية رأس السنة الجديدة، أعلن فيهما البنتاجون عن تعاقدات تقدر قيمتها بـ 100 مليون دولار لصالح داين كورب انترناشونال، لـ "تقديم الاستشارات، تدريب، ومراقبة" وزارتي الداخلية والدفاع الأفغانيتين. تتضمن التعاقدات الكاشفة ايضا 12.8 مليون دولار لصالح Six3 لحلول الاستخبارات المحدودة، 36 مليون دولار لصالح IDS للخدمات الحكومية الدولية المحدودة، وتعاقدان – صدرا في نفس اليوم – قيمتهما 6.9 و6.8 مليون دولار منحا إلى فضاء المعركة للخدمات الجوية المحدودة، مقابل العمل الذي تم القيام به "في جلال آباد بأفغانستان" والعمل "الذي تم القيام به في قاعدة كريتش للقوات الجوية بولاية نيفادا" (مثل السيطرة والتحكم في الطائرات بدون طيار). لا يتلقى كل هذا أي قدر من التدقيق العام لكنه مؤشرا واضحا على حربٍ يديرها المتعاقدون بالأساس وبازدياد.

بالطبع، يقوم المتعاقدون بمساهماتٍ ضخمة للجيش خارج مناطق القتال، من بينها مباشرةً لوزير الدفاع أشتون كارتر. حسب تقريرٍ لمكتب المحاسبة التابع للحكومة، قدر مكتب وزير الدفاع "أنه كان هناك 3287 متعاقد معادل لوقتٍ كامل عبر المؤسسة، يشكلون حوالي 55% من قوة العمل بمكتب وزير الدفاع. "إذا قمت بزيارة أي قاعدة أو ثكنة داخل الولايات المتحدة أو بالخارج، فمن المرجح أن المتعاقدين هم من يديرون مراكز مساعدة العائلة، برامج منع الاعتداء الجنسي، عيادات إعادة التأهيل الجسدي، ومدارس لأبناء الجنود".

يلعب المتعاقدون ايضا دورا كبيرا في مهمات الأمن القومي الأخرى التي تعتبر حيوية ومثيرة بشدة للجدل. على سبيل المثال، كان لدى تقرير لجنة مجلس الشيوخ المختارة للاستخبارات عن برنامج الاعتقال والاستجواب التابع لوكالة المخابرات المركزية اكتشافا جديرا بالملاحظة يبدو أنه تم التغاضي عنه في النقاشات العامة حول فعالية او أخلاقية البرنامج. حيث وجد التقرير أنه في مارس 2006، كان يشغل 73% من جميع الوظائف بوكالة المخابرات المركزية ومراكز الاعتقال متعاقدون، بل وارتفعت تلك النسبة بحلول 2008 إلى 85%.

بعد إصدار التقرير، أبرز مدير الوكالة جون برينان بشغف أن "العديد من التضحيات ققام بها ضباط وكالة المخابرات المركزية وعائلاتهم"، ومن ضمنهم هؤلاء المشتركين في برنامج الاعتقال مباشرةً. لم يكن مفاجئا أنه لم يذكر ابدا مساهمات المتعاقدين، رغم أنهم شكلوا ثمانية من كل عشرة أشخاص مشاركين. بينما كان المتعاقدون مشاركين في عمليات عرض وتأسيس وتشغيل وتقييم البرنامج، فإنهم خاطر ثانوي الآن، لا يتم تقدير، أو تحميلهم مسئولية، أي أنشطة يحتمل أن تكون إجرامية.

نحن لا نلوم الجنود على حكمة المسؤولين المدنيين الذين يرسلونهم إلى الحرب (أو الإفتقاد إليها)، ونحن نعبر عن تقديرنا بشكلٍ مناسب لتضحياتهم عندما يصابون أو يقتلون. لكننا لا نمد أي تقديرٍ كان إلى المتعاقدين، والذين بدونهم اليوم لم يكن من الممكن نشر هؤلاء الجنود في المقام الأول. ليس هناك مراسم احتفال بالعودة، رميات أولى في مباريات البيسبول، أو إحياء ذكرى عام. هؤلاء المتعاقدون يتلقون (مؤقتا) أموالا أثر من الجنود ويعيشون بشكلٍ عام في قواعد أكبر وأكثر أمنا حيث يواجهون مخاطر أقل على حياتهم. لكن المتعاقدون الذين يعملون في العراق وأفغانستان ليسوا بآمنين تماما، وهم يعانون ايضا من اضطراب واحباط ما بعد الصدمة – بمعدلاتٍ لا تقل عن تلك الخاصة بالجنود.

السبب أن أوباما والسياسيين في الكابيتول هيل لا يذكرون ابدا عدد المتعاقدين الذين يتم إرسالهم بجانب الجنود إلى مناطق الحرب اليوم، أو يقدرون الدور الذي يلعبونه، هو انهم ببساطة لا يريدون أن يعلم المواطنون الأمريكيون عنهم. إذا كان الشعب الأمريكي مدرك بالفعل، فإنهم ربما سيستوعبون بشكلٍ أفضل المدى الكامل للمشاركة العسكرية في الحروب الجارية. هذا مهين لقطاع المتعاقدين ومضلل لأنه يقلل من شأن مجال الالتزام العسكري للولايات المتحدة. المرة القادمة التي يعلن فيها البيت الأبيض أو البنتاجون عدد القوات في العراق وأفغانستان، ينبغي أن تتضمن الإخبار بكم عدد المتعاقدين الذين سوف يذهبون معهم، كم منهم سوف يكونون أمريكيين، وما هي الأدوار التي سيلعبونها لدعم المجهود الحربي. حينها ربما حينها يأتي اليوم الذي يتم فيه تقدير تضحيتهم بشكلٍ مناسب في يوم الذكرى أو أي يوم وطني آخر لإحياء الذكرى.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب