فورين بوليسي تتساءل: ماذا نفعل عندما يعود المقاتلون الأجانب؟

مقال رأي

 منذ أن بدأ تنظيم الدولة الإسلامية في اجتياح الشرق الأوسط، يُقدَّر أن هناك أكثر من 20 ألف شخص من أنحاء العالم سافروا للإنضمام إليه. من ذلك العدد، والذي تم جمعه من بياناتٍ حكومية بواسطة المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، والذي يقع مقره في لندن؛ سوف يموت الكثيرون. لكن الكثيرين ايضا سوف يعودون إما إلى بلدانهم الأصلية أو ينتقلون إلى أماكن جديدة.

الاختيارات التي سيقوم بها هؤلاء الرجال والنساء، نوع الحياة التي ستقود إليها تلك الاختيارات، والتهديد الذي ربما يشكلونه على مجتمعاتهم، سوف تتوقف بشدة على ماهية الخيارات المتاحة لهم في تلك المرحلة الجديدة من حياتهم، وكيف سيتم معاملتهم عند العودة. هناك حاجة ملحة لتطوير استراتيجيات فعالة للاستجابة لهؤلاء العائدين – تلك الاستراتيجيات يجب أن تُستمد ليس فقط من فهمٍ واضح للأسباب التي جعلت هؤلاء الأشخاص يتركون أوطانهم من البداية، وإنما ايضا ما الذي دفعهم للعودة. لأنه عبر تطبيق استراتيجية محددة الهدف ومعدة جيدا، تستطيع الحكومات أن تحافظ على مجتمعاتها آمنة بينما ما تزال تدرك أن ليس كل عائد هو خطرٌ محتمل.

الخوف من المقاتلين العائدين والتهديد الأمني الذي يمكن أن يشكلوه ليس هاجسا جديدا – فقبل أن يصبح تنظيم الدولة الإسلامية مقصدا لهم، كان المقاتلون الأجانب من الدول العربية، الولايات المتحدة، وأوروبا ينجذبون إلى الصراعات في البوسنة وأفغانستان. لكن الدراسات تشير إلى أن نسبة صغيرة فقط منهم اشتركت في أنشطةٍ عنيفة عند عودتهم إلى بلادهم. درس توناس هيجهامر من مؤسسة الدفاع النرويجية تأثير المقاتلين الغربيين العائدين بعد الانضمام إلى جماعاتٍ جهادية في أماكن مثل أفغانستان والصومال على مدى 20 عاما. وقد وجد أن أقلية واضحة من المقاتلين العائدين تمثل تهديدا حقيقيا وخطيرا. لكن بسبب أن عدد المقاتلين الذين سافروا إلى العراق وسوريا أكبر بدرجةٍ كبيرة، فإن التعرف على هؤلاء الذين يمثلون ذلك الخطر أكثر إلحاحا بكثير.

اختارت العديد من الدول في أوروبا وشمال أفريقيا أن تعامل جميع المقاتلين الأجانب العائدين من العراق وسوريا كتهديدٍ محتمل، حيث جرمت سفرهم ومصاحبتهم، رغم أنه هناك عادة القليل من الدلائل تثبت بالضبط ماذا فعلوا ومدى تورطهم في القتال. في بعض الأحيان، المعاملة التي يتلقونها عند العودة بواسطة قوات الأمن أو في السجون يمكن أن تزيد من تطرف العائدين وتشكل سلوكا ربما لم يكن ليحدث في البداية. يمكن أن تسبب السياسات العقابية الأخرى مثل مصادرة جوازات السفر أو إسقاط الجنسية إقصاء العائدين بطرقٍ تمثل عائقا حقيقيا أمام تخليصهم من التطرف وإعادة دمجهم في المجتمع.

مع استجابة أعدادٍ غير مسبوقة من الولايات المتحدة، أوروبا، شمال أفريقيا، السعودية، دول الخليج، آسيا الوسطى، أستراليا، واندونيسيا لنداء القتال، فهناك ضرورة لكلٍ من التأكد من ان استجابات جهات إنفاذ القانون للمقاتلين العائدين عادلة وقابلة للمحاسبة وتطوير استراتيجيات قابلة للتطبيق لمنع المقاتلين العائدين من مواصلة المشاركة في نشاطٍ عنيف. لتحديد كيف يمكن للدول منع المتطرفين من الانخراط مجددا في أعمال عنف، من المفيد أن ننظر إلى أي الطرق نجحت في سياقاتٍ أخرى وأيها فشلت.

ركزت برامج تخليص المتطرفين من تطرفهم منذ 11 سبتمبر في أماكن مثل السعودية، اندونيسيا، واليمن على معارضة وتفنيد المعتقدات العقائدية والأيديولوجية التي استخدمت لتبرير العنف: اشترك قادة دينيون عادة في اظهار الأخطاء المنطقية والأخلاقية في الخطاب الذي استخدم لدعم الدعوة للعنف. لكن تلك الأنواع من البرامج، والتي تديرها الحكومة عادة، أثبت نجاحا جزئيا فقط.

هذا لأن الأسباب التي تجعل الأفراد ينضمون للمجموعات المتطرفة دائما ما تكون ليست أيديولوجية سوى جزئيا: السياق الأيديولوجي هو الخطاف الذي يسحب المقاتلين، لكن جوهر القصة هو كيف يتم تجنيدهم، وليس لماذا. أظهرت برامج التخلص من التطرف التي تديرها الحكومة في سنغافورة واندونيسيا، على سبيل المثال، والتي تستهدف أعضاء الجماعة الإسلامية، الجماعة المسؤولة عن هجمات بالي في 2002؛ نجاحا محدودوا لأنها فشلت في معالجة الأسباب التي جعلت الأفراد ينخرطون: البحث عن معنى، عن انتماء، أو عن هوية تأتي مع كون المرء جزءا من القضية، الفرص التي منحتها العضوية، أو الرغبة في البحث عن العدالة أو الانتقام لمظالم حقيقية أو مُتصورة. الجهود لاستخدام "السابقين" أو "المتطرفين العنيفين المعاد تأهيلهم" كمتحدثين رسميين للمكافحة أسفرت عن نتائج عكسية في بعض الأحيان، لأن هؤلاء السابقين في الحقيقة لم يتخلوا ابدا عن معتقداتهم في الواقع.

أشار الباحثون الذين درسوا مشكلة التطرف العنيف من زاويةٍ نفسية إلى تحدي التنافر المعرفي في التخلص من التطرف. من غير المرجح أن يتخلى البشر بسهولة عن معتقداتٍ تبرر وتدعم سلوكهم، وخاصةً السلوك المتطرف. في الواقع، كما أظهرت بعض الدراسات، فإن المعتقدات تتغير عادةً بعد تغير سلوكنا، وليس العكس. كتب جون هورجن وتوريه بجورجو، الباحثان المعروفان في ذلك المجال، في كتابهم الصادر عام 2008 لنترك الإرهاب خلفنا: فك الارتباط الفردي والجماعي أن "بعض الأشخاص يتخلصون من أفكارهم المتطرفة نتيجةً لتركهم الجماعة بدلا من كون التخلص من تلك الأفكار سببا لذلك".

بدأت السعودية برنامجا لإعادة تأهيل هؤلاء المقاتلين الذين عادوا من القتال في أفغانستان بعد 11 سبتمبر بفترةٍ وجيزة. أكد البرنامج، الذي يقع مقره فيما يعرف بمركز إعادة التأهيل خارج الرياض، على جلسات للتخلص من التطرف مع رجال دين ومستشارين نفسيين، كما حفز المقاتلين ماليا على التخلي عن العنف. ظهرت أوجه قصور ذلك البرنامج للضوء في 2009، عندما ألقت السلطات السعودية القبض على تسعة من خريجيه لانضمامهم مجددا إلى جماعات إرهابية. كما تم اكتشاف ان طالبين سابقين آخرين في البرنامج، كلاهما كان مسجونا في خليج جوانتانامو، انضما للفرع اليمني للقاعدة. قاد هذا إلى تجديدٍ للبرنامج زاد الانتباه لمعالجة العوامل السلوكية في مقابل المعتقدات والأيديولوجيات الدافعة، مؤكدا بدلا من ذلك على العلاقات والفرص لإعادة الانضمام للمجتمع. يركز البرنامج الذي بدأ في 2008 وقام بتخريج أكثر من 3000 عائد الآن على أسر العائدين ويدرك أهمية العلاقات الاجتماعية والأسرية والوطنية في إعادة دمج المقاتلين الأجانب.

العلاقات مع الأسرة والأقران هي عوامل رئيسية ليس فقط في تشكيل الخيارات للانضمام إلى الجماعات العنيفة المتطرفة في البداية ولكن ايضا في التخلص الناجح من التطرف وإعادة الدمج في المجتمع. أتى كثير من الشباب الذين سافروا من شمال أوروبا من نفس المجتمعات والشبكات الاجتماعية (الصغيرة عادة). في مدينة آرهوس بالدنمارك، موطن عدة عشرات من المقاتلين، قادت شرطة شرق جوتلاند وبلدية آرهوس برنامج إعادة دمج يؤكد على العلاقات الشخصية والمهارات الحياتية. أورد مقال بمجلة نيوزويك أن "الدنماركيين يعاملون جهادييهم العائدين كمراهقين متمردين بدلا من جنودٍ معادين تجاوزوا فرصة الإصلاح". يُمنح العائدين مساعدةٍ في التعليم، التوظيف، وإصلاح علاقاتهم.

اعتبرت البرامج المصممة لفك ارتباط المتطرفين اليمينيين في النرويج وألمانيا والسويد بالتطرف ناجحةً بسبب تأكيدها على العلاقات الأسرية، المهارات الحياتية، وتركيز أقل على معالجة الأيديولوجية المتطرفة. هذا النوع من البرامج يقوم على فكرة أن إعادة الدمج في المجتمع هو ما سيقوم في الوقت المناسب بتخليص الأفراد من التطرف بشكل حقيقي ويمنعهم من الانخراط في العنف مجددا. هذه البرامج يمكن أن تمنح الأفراد فرصةً ثانية للحياة والتحول في اتجاهٍ مختلف. هذه البرامج، إذا وُجدت، هي لازمة بديهية لاستجاباتٍ عادلة وقابلة للمحاسبة لجهات إنفاذ القانون – ليس كل مقاتل أجنبي عائد هو هجوم إرهابي في انتظار الحدوث.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب