فورين بوليسي تسأل: هل ينمو تنظيم داعش في غزة؟

تقرير صحفي

  انحنى إياد البزم إلى الأمام مستندًا على مكتبه وحاول أن يبدو مطمئنًا. "غزة آمنة تمامًا. يمكنك أن تسير الساعة الثالثة فجرًا في أي مكان"، حسبما قال المتحدث باسم وزارة الداخلية، الخاضعة لسيطرة حماس. "لا وجود لداعش داخل غزة".

بعد ساعات قليلة من يوم 11 يونيو، انطلقت صفارات الإنذار في مدينة عسقلان المحتلة، معلنة عن الوابل الثالث من الصواريخ التي اطلقها مسلحون فلسطينيون خلال أقل من أسبوعين. ليعلن سريعًا تنظيم متأثر بفكر تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن الهجمة ووعد بالمزيد من الهجمات. لم تصل الصواريخ في الهجمة الأخيرة إلى هدفها، بيد أن صاروخين سابقين أخليا الحدود وهبطا حول عسقلان. لكن لم ينتج عنهما أضرار.

أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مولعًا بمقارنة حماس بالتنظيم الجهادي، الذي يسيطر الآن على الكثير من العراق وسوريا. فبعد خطابه، في سبتمبر، بالأمم المتحدة، الذي وصف فيه حماس والدولة الإسلامية بأنهما "فرعين لذات الشجرة الخبيثة"، ظهر يونيت ليفي، مقدّم نشرة الأخبار الرئيسية بالقناة الثانية الإسرائيلية، مستاءً وصائحًا: "يا إلهي! إنها 45 دقيقة من قول إن "تنظيم داعش هو حماس، وتنظيم حماس هو داعش".

مع أن حماس قد حاربت مؤخرًا الدولة الإسلامية – أو على الأقل التنظيمات التي تحاول محاكاته.

شن المتطرفون حملة بطيئة ولكن مستمرة من التفجير والاغتيالات في غزة، لما يقارب الستة أشهر. أعدادهم صغيرة، وكانت الخسائر قليلة، لكن أفعالهم الأخيرة تهدد بتآكل الهدنة الهشّة مع إسرائيل. في المقابل، شنت حماس حملة أمنية قوية، حيث اعتقلت عشرات الأشخاص في مداهمات متكررة.

مما يثير القلق أن تلك الجماعات المتشددة تجد دعمًا من داخل حماس نفسها، بين الأعضاء العاديين الذين يريدون عودة الحرب مع إسرائيل. ففي وقت سابق من هذا الشهر، قتلت الشرطة مسلحًا في منزله بشمالي غزة. وهو يونس الحنر، الذي تبين أنه عضو قديم في كتائب القسام، الجناح المسلح لحماس، قبل أن يرتحل إلى تنظيم متشدد.

تؤدي الانشقاقات إلى المزيد من الانقسام في الحزب الحاكم المنقسم بالفعل حول العودة إلى الحرب أم لا. تتفاوض الإدارة السياسية المعتدلة نسبيًا بالتنظيم على هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، التي قد تقدّم خمس سنوات من الهدوء مقابل تخفيف كبير للحصار، حتى مع استعداد الجناح العسكري بنشاط لنزاع آخر.

"ينتمي 80 بالمئة من المنضمين إلى تلك الحركات إلى أحد فصائل المقاومة"، وفق قول أبو إبراهيم، وهو عضو متوسط المستوى في الجناح العسكري لتنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني، وهو الفصيل الآخر المهيمن في غزة الذي شهد انشقاقات لصالح التنظيمات السلفية. وتابع: "إنهم غاضبون من أن الفصائل لم تستمر في الحرب. فهم يحتفظون بفكرة رفض التفاوض مع إسرائيل".

وصلت حركة حماس إلى السلطة بعد الفوز في الانتخابات البرلمانية عام 2006، ورغم أنها قد خاضت ثلاثة حروب ضد الدولة اليهودية، إلا أنها أظهرت أيضًا استعدادًا للتفاوض مع إسرائيل. ما جعلها هدفًا للسلفيين المسلحين، وهم المسلمون المتشددون للغاية الذين يعتبرون حماس علمانية للغاية ولينة جدًا مع إسرائيل. فاستهدفوا لعدة سنوات أعضاء حماس وفجروا مقاهي الإنترنت، ومحلات الفيديو، والمؤسسات الأخرى "الفاسقة".

في أغسطس 2009، حلّت المواجهة عندما أعلن قائد تنظيم جند أنصار الله، المتصل بتنظيم القاعدة، عن "إمارة إسلامية" في مدينة رفح الجنوبية. فاجتاح مسلحو حماس مسجده، وقتلوه إلى جانب العشرات من داعميه. ووصلت الرسالة إلى التنظيمات السلفية الأخرى، وهدأ العنف.

"لقد تعاملنا مع مشكلة "التكفيريين" من قبل"، حسبما علّق فوزي برهوم، المسؤول بحركة حماس. "لست تلك بالظاهرة الجديدة".

لكن هناك اختلاف رئيسي واحد: المسلحون الأقدم، المعروفون لحماس، ليسوا متورطين في أحداث العنف الأخيرة. بل ظهرت قائمة من التنظيمات الجديدة الغامضة.

يسمي التنظيم الأكثر نشاطًا نفسه "سرية الشيخ عمر حديد"، حيث يحمل اسم جهادي عراقي بارز خلال الفترة المبكرة بعد الاجتياح ذي القيادة الأمريكية للعراق. والذي أعلن مسؤوليته عن الهجمات الصاروخية الثلاث الأخيرة وأصدر إنذارًا هدد بالمزيد من الضربات ما لم تفرج حماس عن مساجين سلفيين.

حاولت تنظيمات أخرى صغيرة وغامضة أن تعيث فسادًا في غزة نفسها. فقد اغتال تنظيم يحمل اسم "أنصار الدولة الإسلامية في القدس" مسؤولًا أمنيًا في حماس خارج منزله الشهر الماضي وقصفوا معسكر تدريب تابع لحماس بقذائف الهاون. بينما أرسل تنظيم آخر تهديدات بالقتل للنشطاء الليبراليين في ديسمبر. كما فجر مجهولون القنصلية الفرنسية في مدينة غزة مرتين خلال الشتاء الماضي.

لم يتعهد أي من هؤلاء المسلحين بعد بالولاء رسميًا لتنظيم الدولة الإسلامية، كما لم يعترف قادة الخلافة، التي نصبت نفسها، بعد بتابع لهم في الأراضي الفلسطينية المحاصرة. لكن بيانات تلك التنظيمات يتخللها أناشيد من إنتاج الجناح الإعلامي للدولة الإسلامية ومواد أخرى مصورة مرتبطة بالتنظيم.

يقلق الدبلوماسيون من أن تلك التنظيمات قد تبدأ بخطف الأشخاص، سواء من أجل قيمة الدعاية أو لاستخدامهم كأوراق مساومة مقابل الرفاق المسجونين. عمليات الاختطاف نادرة في غزة، فقد حدثت الأخيرة عام 2011، عندما قتل المسلحون السلفيون الناشط الإيطالي فيتوريو أريجوني. مع ذلك، رفعت الأمم المتحدة تقديرها للتهديد في غزة في وقت مبكر من هذا العام. فيمتنع على الكثير من عمال الإغاثة السير في الشوارع، بحيث يقصرون حركتهم على المكاتب والفنادق.

"الجميع يعلم أننا لدينا ذلك النوع من الفكر في غزة"، حسبما علّقت دنيا إسماعيل، ناشطة نسوية ممن واجهوا تهديدات في ديسمبر. "لكنها المرة الأولى التي يحدث فيها مع حركة إسلامية غير معروفة".

رغم التطمينات المنعشة لمسؤولي حماس مثل البزم، إلا أن الحركة الفلسطينية قلقة. فقد اعتقلت الشرطة عشرات السلفيين وهدمت مسجدًا في دير البلح كان يستخدم من قِبل شيخ متطرف، ويتم اعتقال المسلحين الذين يطلقون الصواريخ خلال 24 ساعة، حسبما أوضحت الشرطة التي شاركت في المداهمات.

ضغطت وزارة الإعلام على الصحفيين المحليين للتهوين من أهمية الأمر، وهاجم الشيوخ والمنصات الإعلامية التابعة لحماس مؤخرًا وبشكل معلن الفكر التكفيري.

شدد برهوم والبزم على أن الجماعات المسلحة صغيرة. وبالفعل، تقول المصادر الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية إنها تتمتع بقوة مجتمعة تقل عن 1000 مسلح – وهو  عدد لا يقارن بمقاتلي حماس الذين يصل عددهم تقريبا إلى 35,000 مقاتل. لن يتمكن أي من تلك التنظيمات من السيطرة على غزة قريبًا.

إلا أن تلك الفصائل تبدو متفقة على استراتيجية يمكن أن تكون مدمرة بشكل مشابه لغزة. إنهم يحاولون أن يجروا إسرائيل وحماس إلى حرب أخرى، آملين أن إطلاقهم للصواريخ من حين لآخر سيؤدي في النهاية لاستثارة استجابة إسرائيلية قوية بما يرغم حماس على المشاركة.

حتى الآن، لم يسقط أي من الطرفين في الشرك. فقد أرسلت حماس رسالة مباشرة لإسرائيل أكدت فيها أنها لا تزال ملتزمة بوقف إطلاق النار. بينما تحمل إسرائيل حماس مسؤولية الحفاظ على النظام في غزة، كان ردها على الصواريخ رمزيًا تمامًا، حيث تنتظر القوات الجوية الإسرائيلية لساعات قبل أن تبدأ ضربات جوية انتقامية على معسكرات التدريب في غزة، مقدمين لحماس الكثير من الوقت لإخلاء أفرادها وتجنب الخسائر.

قال الجنرال سامي تورجيمان، رئيس القيادة الجنوبية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، مؤخرًا إن إسرائيل لن تعود للحرب بسبب "عدد صغير" من الصواريخ.

زار تورجيمان الشهر الماضي ناحل عوز، وهي مستوطنة تقع على الحدود مع غزة. والتي كانت مدينة أشباح أثناء الحرب، مع فرار السكان من الصواريخ وقذائف الهاون، لم تعد عشرات العائلات إلى المدينة بعد، مفضلين الانتقال إلى مدينة أخرى. لذلك فإن رسالته كانت غير معتادة، في ضوء تلك الملابسات، حيث قال للمسؤولين المحليين: "تتمتع إسرائيل وحماس بمصالح مشتركة". "ليس هناك بديل لحماس كجهة سيادية في غزة... وسيكون الوضع الأمني أكثر إشكالًا بكثير (في حال تولي تنظيم آخر للمسؤولية)".

مع ذلك، تسير حماس على خط رفيع مع محاولتها الحفاظ على النظام في غزة دون إغضاب الجمهور، أو أن تبدو عاملة في مصلحة إسرائيل. حيث اتهم أحد التنظيمات حماس بقتل الحنر، المتشدد الذي قتلته قوات الشرطة، "لإرضاء اليهود".

في مسجد ببيت حانون، وهي مدينة في شمالي شرق غزة، توقع إمام سلفي أن التنظيمات المتشددة ستستمر في إيجاد متطوعين جدد. والإمام، كمعظم السلفيين، غير مهتم بالسياسة، حيث يقدّم بفخر نسخة من كتاب نشره العام الماضي أدان فيه تنظيم الدولة الإسلامية بصفته غير إسلامي. وعلّق على التنظيم الجهادي قائلًا: "إنهم يخضعون كل المجتمع للدين، ويحققون ذلك عبر إهدار دماء المسلمين بأيدي المسلمين". لكنه اعترف بأن الكثيرين في غزة يختلفون مع ذلك الرأي. حيث وجد استطلاع للرأي أجري مؤخرًا أن 14 بالمئة من الفلسطينيين في غزة يعتقدون أن تنظيم الدولة الإسلامية "يمثل الإسلام الصحيح"، بالمقارنة بـ8 بالمئة في الضفة الغربية.

"نستنبط أنه ليس هناك تنظيمات أو فصائل سياسية متمتعة بشرعية هنا"، حسبما أضاف. "فالتنظيمات مثل (الدولة الإسلامية)، يمكنها أن تنمو في أوضاع مثل هذه، حيث تغلق المعابر، وتختفي أنفاق (التهريب)، ينهار الاقتصاد... إن لم يتغير الوضع، ستحدث معركة هنا".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب