كيف نتجنب حربا عالمية ثالثة؟

مقال رأي

 على الرغم من أن الحروب بين الدول الصغيرة تكون مأساوية بالنسبة للسكان المعنيين، ويمكن أن تسبب مشاكل أوسع في النظام الدولي، فإن احتمال الصراع المسلح بين القوى الكبرى هو سيناريو كابوسي حقيقي، خصوصًا في عصر الأسلحة النووية. توفر الحربين العالميتين الذين مزقا القرن العشرين ببشاعة تذكيرًا هامًا بالعواقب الوخيمة للصراعات بين القوى العظمى. ويترتب على ذلك إن جميع الدول الكبرى المسؤولة يجب أن تتجنب الأفعال التي تزيد من مخاطر مواجهات لا داعي لها. لكن للأسف، يبدو أن مستوى الخطر من هذا السلوك يزداد بدلا من أن يقل.

يمكن للكبرياء الوطني والضغط السياسي المحلي لـ"رفع العلم" و "إثبات المصداقية" في بعض الأحيان أن يطغى على الحس السليم في إدارة السياسة الخارجية. وتذكرنا الإجراءات الأخيرة من قبل العديد من القوى الكبرى بالمواقف التي تحدث في ملاعب المدارس المتوسطة بين الطلاب الذكور.

على سبيل المثال، شاركت روسيا مرارًا في الرحلات الجوية العسكرية الاستفزازية بالقرب من المجال الجوي لأعضاء حلف شمال الأطلسي، وخاصة جمهوريات البلطيق الثلاث. بل إنه في إحدى المرات، حلقت قاذفات روسية بالقرب من المجال الجوي لبريطانيا العظمى. وجرى التشديد على الطبيعة الحمقاء لتلك المناورة، بالنظر إلى أن القاذفات كانت عبارة عن طائرات قديمة تعمل بالمروحيات. ولم يكن القادة العسكريون في بريطانيا ومنظمة حلف شمال الأطلسي ليخشوا من الأسلحة التي تجسد تكنولوجيا من الأربعينيات. وهكذا، كانت تلك الرحلات مزيجًا فريدًا من كونها مزعجة وغير فعالة، مما يجعلها مثالًا للاستفزاز الذي لا داعي لها.

لكن الرحلات جوية التي تقوم بها طائرات مقاتلة روسية حديثة وطائرات استطلاع في منطقة بحر البلطيق أكثر خطورة، وكذلك الأنشطة التي تنطوي على سفن حربية روسية تعمل بالقرب من المياه الإقليمية لدول أوروبية مختلفة. وقد ندد مسؤولون من الولايات المتحدة والناتو مرارًا وتكرارًا بمثل هذا السلوك.

لكن أعضاء حلف شمال الأطلسي شاركوا بحماقة أيضا في أعمال استفزازية. في فبراير 2015، أجرى التحالف تدريبات بدبابات و1400 جندي بالقرب من نارفا، في إستونيا، بالكاد على بعد 300 كيلومتر من الحدود الروسية. وفي أواخر شهر مايو، سارعت الطائرات الروسية لاعتراض المدمرة الأميركية التي كانت تبحر في البحر الأسود المجاور للالمياه الإقليمية الروسية بالقرب من قاعدتها البحرية المهمة في شبه جزيرة القرم.

ولا تقدم تلك التصرفات سوى فوائد عسكرية ملموسة هزيلة. إن إجراء مناورات بقوات برية في جمهوريات البلطيق هو مسألة رمزية بشكل شبه كامل. اعترف مسؤول عسكري رفيع المستوى بحلف شمال الأطلسي صراحة بأن روسيا يمكن أن تحتل جميع دول البلطيق الثلاث في غضون أيام، إذا اختارت موسكو القيام بهذه الخطوة.

وإذا لم يكن حلف شمال الاطلسي على استعداد لخوض حرب واسعة النطاق مع روسيا المسلحة نوويًا، فهناك القليل الذي يمكن للتحالف فعله لمنع مثل هذا الأمر من الحدوث. وليس من المرجح أن تؤثر المناورات العسكرية التي تجرى على مستوى الكتائب العسكرية بشكل كبير في تقييم الكرملين ما إذا كان الحلف يلتزم بتعهد المادة 5 التي تعتبر أي هجوم على أحد أعضاء الناتو هو هجوم على جميع أعضائها. إما أن فلاديمير بوتين وزمرته يعتقدون أن الناتو ملتزم بذلك التعهد أو يعتبرونه مجرد خدعة. ومن غير المحتمل إن تلك التصرفات العسكرية الرمزية ستغير حساباتهم بأي طريقة مجدية.

على الجانب الآخر من العالم، تتزايد نزعة القوى الكبرى للانخراط في التصرفات الاستفزازية المحفوفة بالمخاطر. هذا صحيح خاصة فيما يتعلق بالنزاع الإقليمي القائم بين الصين واليابان حول جزر سينكاكو / دياويو في بحر الصين الشرقي. كثيرا ما تدخل قوارب الصيد الصينية والسفن البحرية المياه المحيطة بتلك الجزر الصغيرة، وتطير الطائرات العسكرية الصينية بالقرب منها. في نوفمبر 2013، أعلنت بكين إنها ستجعل المنطقة المتنازع عليها "منطقة تحديد هوية للدفاع الجوي"، على الرغم من الاعتراضات الشديدة من كل من طوكيو وواشنطن. وعلى الفور تحدت الطائرات الأمريكية "منطقة تحديد هوية الدفاع الجوي" الجديدة، وجعلت الطائرات العسكرية تحلق في ذلك المجال الجوي دون إعلام الصين.

التوتر يزداد بشكل واضح. بعثت اليابان طائراتها المقاتلة سريعًا لاعتراض الطائرات الصينية في بحر الصين الشرقي ما يقرب من 415 مرة بين مارس 2013 ومارس 2014، ولم تنخفض الوتيرة منذ ذلك الحين. من جانبها، اعترضت الصين مرارا طلعات المراقبة الجوية للولايات المتحدة واليابان في أو بالقرب من المناطق المتنازع عليها.

عندما تعمل الطائرات العسكرية المتنافسة في مثل هذا الوضع الذي تغلب عليه المواجهة، يمكن لأي سوء تقدير أو حدث صغير أن يؤدي الى حادث سيئ للغاية. وهذا هو بالضبط ما حدث في ربيع عام 2001 عندما اصطدمت طائرة تجسس أمريكية من نوع EP-3 مع طائرة مقاتلة صينية قرب جزيرة هاينان الصينية. استمرت الأزمة الناجمة لأسابيع قبل أن يسود الهدوء ويجرى التوصل إلى حل دبلوماسي وسطي.

قد يتصور المرء أن بكين وواشنطن قد تعلما من تلك التجربة المثيرة للقلق واتخذا خطوات لتجنب مخاطر مماثلة. ولكن لا يوجد الكثير من الأدلة على حدوث هذا التعقل. في الواقع، تشارك البلدين حاليا في مواقف محفوفة بالمخاطر متعلقة ببحر الصين الجنوبي. تداعب بكين فكرة إعلان "منطقة تحديد هوية للدفاع الجوي" في تلك المنطقة، على الرغم من النزاعات الإقليمية متعددة الجوانب الجارية مع جيرانها. كما تعمق واشنطن مشاركتها في التوترات الكامنة، ويشمل ذلك إجراءها دوريات جوية وبحرية في المنطقة.

أنه أمر سيء بما فيه الكفاية إذا نشأ صراع بين القوى الكبرى بسبب مظالم مستعصية حول القضايا الجوهرية الحاسمة. ولكن ما هو أسوأ حالًا حدوث مثل هذه المأساة بسبب انخراط القوات المتنافسة في تصرفات رمزية غير مدروسة. للأسف، يبدو أنه ذلك هو الاتجاه في كل من شرق آسيا وشرق أوروبا. وقد يكون من الحكمة لجميع الأطراف المعنية الحد من مستوى المخاطر ونبذ هذا السلوك.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب