لا يمكنك محاربة ما لا تفهمه

تقرير صحفي

 تزداد غرابة عالم التطرف العنيف اليوم أكثر فأكثر: تبحث فتيات مراهقات من أحد ضواحي لندن الخارجية عن الحب مع رجال تنظيم الدولة الإسلامية، يبحث لاعب كرة من ريف استراليا عن المغامرة في سوريا، ويسافر آلاف المسلحين من أنحاء العالم إلى الشرق الأوسط. لذا فإن الحرب ضد الجهادية – والتي تدفعها أو تلهمها أو تبررها أو ترتبط بها أيدلوجية متصلبة – عليها أن تتغير، ايضا، لتصبح منتشرة ورشيقة كالجهاديين أنفسهم. رغم أن محاولة إيقاف الإرهاب كانت طويلة، إلا أن الصعود الصاروخي لتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي أجبر على المزيد والمزيد من الانتباه إلى فكرة "مكافحة التطرف العنيف، وهو ممارسة منع التطرف من المنبع بدلا من محاربته عندما يكتمل نموه.

لكن هل سلالة التطرف التي اجتاحت عناوين الأخبار مختلفة عما جاء قبلها؟

إن الدافع لعكس النمو المزدهر للمقاتلين المتشددين في مناطق الصراع والبلاد التي ينبع منها هؤلاء الجنود والمتعاطفون معهم يجعل من البالغ الأهمية التأكد من أنه، في زخم الاندفاع للوصول إلى حلول، أن لا يستبق الممارسون فهم الظاهرة التي يتعاملون معها. في الحقيقة فإن الجهود لفهم طبيعة التطرف العنيف والحلول لمكافحته ومنعه قد بدأت للتو. مازل لدى صانعي السياسات أسئلة مهمة يصارعونها: هل التطرف العنيف اليوم يختلف تماما عن باقي أشكال العنف – ومن ضمنها الإرهاب السياسي الذي كان مألوفا أكثر لدى الغرب؟ ما هي الفروقات العملية بين مكافحة التطرف العنيف ومنعه؟

الإجابة على هذه الأسئلة سوف تركز جهود مكافحة التطرف العنيف وتقلل احتمالية مجرد وضع ملصق جديد لمكافحة التطرف العنيف على الحلول القديمة. يجب أن يتم تمييز برامج مكافحة تهديد عاجل عن الجهود طويلة المدى لتقويض التطرف. ويمكن أن يتم اختيار الحلفاء المحليين بناءً على مجموعات المهارات المختلفة المطلوبة لمكافحة ومنع الإرهاب. وإلا ستبقى تدخلات مكافحة التطرف العنيف غير مركزة وبالكاد تطفو عبر الهواء على أمل أن تجد هدفا.

عشت في أفغانستان بين عامي 2005 و2012 حيث خدمت معظم ذلك الوقت كضابط سياسي ورئيس مكتب البعثة السياسية للأمم المتحدة. علمتني تلك الخبرة مدى مصيرية فهم المشهد السياسي والاجتماعي من أجل مكافحة التطرف العنيف بنجاح. كانت جاذبية التجنيد المستمرة لطالبان، على سبيل المثال، تعتمد على الجاذبية الأيدلوجية للتنظيم أقل بكثير من اعتمادها على واقع الحياة اليومية في افغانستان، مثل حقيقة أن أغلبية البلاد تحت سن 25 عاما ويعاني معظمهم من البطالة.

غذى التهميش التطرف، وبعد ذلك، من السهل للغاية التعرف على العواقب. اتُّهم برنامج مدعوم دوليا لتقوية قوات الشرطة في أفغانستان، على سبيل المثال، بزيادة وتيرة العنف لأن المنظمين فشلوا في التنبؤ بأن أي مبادرة سوف تخلق خاسرين كما تخلق فائزين. في تلك الحالة، كانت قوة مقاطعة جديدة مكونة بالكامل تقريبا من المجموعة العرقية المهيمنة، مما أعطاها مصدر قوة جديد. تصور شابا من أقلية مقموعة بالفعل يتم استيقافه باستمرار في نقاط التفتيش، ويتكرر التعدي عليه بالضرب بواسطة قوة الشرطة المعينة حديثا. أين ينبغي أن يتجه سوى لطالبان؟

ربما لا يكون من السهل في الغالب توضيح ومكافحة ومنع التطرف العنيف. تمييز دوافع التطرف العنيف لن يكون سهلا، خاصةً عندما تكون الرحلة نحو التشدد والتطرف العنيف لشخصٍ ما شخصية للغاية. خلال عملي، وصف ممارسي مكافحة التطرف العنيف من مجموعة متنوعة من المنظمات التطرف العنيف كظاهرة قد تكون البرمجة القديمة كافية لها. لكن ممارسي التطرف العنيف يحتاجون إلى التفكير في احتمالية أن التطرف العنيف اليوم ليس فقط رد فعل على حكوماتٍ يتم مشكوك في شرعيتها وسلطتها وقدراتها. في النهاية فإن الحكم السيء ليس ظاهرة جديدة. على خلاف التجاذب الأيدلوجي الذي ساد في أوساط الحركات السياسية عبر القرن العشرين مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي في أيرلندا الشمالية، فإن الشباب والشابات الذين يلجأون للعنف اليوم قد لا يملكون بالضرورة أجندة سياسية، رغم خطاب تنظيمات مثل الدولة الإسلامية، التي تقول إنها تهدف إلى بناء خلافة.

بدلا من ذلك، ربما يحتاج ممارسي مكافحة التطرف العنيف أن يأخذوا بعين الاعتبار أن التطرف العنيف ينبع من المجتمعات المحلية التي تفككت للغاية حتى لم تعد السلطات التقليدية تستطيع التحكم في الادعاءات المتنافسة للأفراد وفصائلهم، حيث ينهار الاستقرار المعتمد على تماسك المجتمع.

يدرس علماء علم الإنسان تطور العالم الحديث وتأثيره على المجتمعات والأشخاص. يمكن أن يفعل مجتمع مكافحة التطرف العنيف نفس الشيء. بفعل ذلك، يمكن أن يتقبل أن التطرف العنيف اليوم يمكن أن يكون يشكل ظاهرة جديدة تحتاج لأجلها برمجة جديدة. الفردانية والهجرة والأدوار الجنسانية المتطورة – والتشوش الذي تغذيه، خاصة لدى الشباب – وعصر المعلومات والثروة العالمية غير المسبوقة، وتوزيعها المجحف: هل يسبب كلٍ مما سبق عن غير عمد تآكل  الآليات التي تحافظ على تماسك المجتمعات وتمنع العنف؟ هل تلك التركيبة من العوامل، التي تمثل تطور المجتمع، يمكن أن تكون مسؤولة جزئيا عن أن تصبح تنظيمات مثل الدولة الإسلامية قادرة على جمع تحالف غريب ومتنوع من الداعمين؟ سوف يكون الممارسون متهورين إن لم يدرسوا ذلك.

يحتاج الممارسون بعد ذلك إلى أن يدرسوا الفرق بين مكافحة التطرف العنيف الذي يحدث بالفعل ومنعه من الحدوث من البداية. مكافحة التطرف العنيف الذي يحدث بالفعل محفوف بالمخاطر أكثر من منعه لأن الحاجة ملحة للغاية. التطرف العنيف حساس للغاية وقضية مسيسة بشدة للقادة الذين يكافحون لاستعادة السلطة والسيطرة. وبينما يمكن أن نتفق جميعا أفضل من يقوم بمكافحة التطرف العنيف هم اللاعبون المحليون استجابةً لقضايا محليا، لكن ماذا نفعل عندما تكون الحكومة ذاتها هي المشكلة وترفض الاعتراف بذلك. ما تزال الإجراءات العسكرية والشرطية والاستخباراتية تهيمن على معظم الممارسين لمواجهة الاحتياجات العاجلة التي تنبع من التطرف العنيف، لكن المنع ضروري بنفس القدر، وتبحث الحكومات حول العالم عن طرق لمنع التطرف العنيف والذي يسبقه، التشدد. يبقى التركيز على تطوير مهارات الحكومات للحكم بصورةٍ أفضل، وعلى أن ينخرط المجتمع المدني على المستوى المحلي عبر نشطاء يفهمون البيئة المحلية.

لذا كيف ينبغي أن يقارب المجتمع الدولي تحدي مكافحة التطرف العنيف مقابل منعه؟

انهيار العراق العام الماضي هو مثال جيد. في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس في سبتمبر 2014، لم يترك وزير الخارجية جون كيري أي شكوك في أن الطائفية كانت عاملا ساهم في عدم الاستقرار عبر العراق والذي استغلته الدولة الإسلامية عندما اجتاحت قواتها مدنا عراقية بالكامل. لكن حتى بينما تم الترحيب بقوات الدولة الإسلامية من قِبل المجتمعات السنية التي أصبحت تفرقة بغداد الطائفية مزعجة بالنسبة لها، فإن المجتمع الدولي، حسب خبراء مثل مدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر، قلل من مدى القوة التي يمكن أن يصل إليها تنظيم الدولة الإسلامية.

يشرح الدمار الناتج لماذا تتطلب القدرة على مكافحة التطرف العنيف معرفة عميقة بشبكات المسلحين، خاصة العناصر التي تنشر وتحافظ على وجود الرواية المتشددة. ويحتاج ايضا معرفة – والوصول إلى – المحايدين، هؤلاء الذين يتعاطفون أو يميلون إلى الأيدلوجية المتطرفة، وهؤلاء الذين ما زال عليهم أن يقرروا في أي معكسرٍ هم ولكنهم معرضون للتأثر بالمبادرات المتطرفة. القبائل السنية الساخطة في العراق أو أقرانهم في جنوب أفغانستان هما مثالين للسكان الذين قرروا، في لحظةٍ حرجةٍ، التحالف مع المتشددين الذين يمثلون مصالحهم بصورةٍ أفضل. يحتاج الممارسون إلى أن ينخرطوا مع هؤلاء السكان قبل أن يصلوا إلى تلك النقطة، إما مباشرةً أو من خلال شركاء محليين بارعين سياسيا ومعروفون بأنهم وسطاء أمناء ويستوعبون المخاطر الأمنية المتضمنة.

يمكن أن يعتبر هذا منعا، لكنه يشكل ايضا مكافحة للتسلح عندما تفكر في الوصول السهل الذي يملكه المتشددون عادة إلى السكام الساخطين وتفهم مدى سرعة حدوث التجنيد. إهانة أخيرة يمكن أن تقصم ظهر البعير. واستهداف هؤلاء المحايدين يوفر أفضل فرصة لمكافحة التطرف العنيف، عبر دعم شبكات المجتمع التي تقف بالفعل ضد التشدد لكنها قد لا تكون قوية وحدها بما يكفي لإبطال جاذبية القتالية، يمكننا أن ندفع الذين لم يحددوا بعد إلى جانبٍ أو آخر.

تتطلب برمجة مكافحة التطرف العنيف للاستجابة إلى العنف الجاري ايضا تدخلات رشيقة بما يكفي للتكيف مع ما يسبب التطرف في أي وضعٍ بعينه. ويدعو أحد الطرق الفعالة أحيانا إلى التعامل مع غير المرغوب بهم، إما في حكومة الدولة المستهدفة أو في شبكات المسلحين أنفسهم.

يأخذ المنع تصور أبعد مدى. من الأسهل ادارته لأن الاستراتيجيات قد تتطور مع الوقت، حسب النجاحات والإخفاقات، بدون ضغط الاستجابة إلى أزماتٍ عاجلة وخطر فعل ذلك بدون معلومات كافية. يمكن أن يتضمن المنع أنشطة أقل إثارة للاضطراب والتي تعتبر عادة تنمية، مثل تحسين كفاءة السلطات في الحكم وبالتالي تهدئة السخط الذي يمكن أن يسبب الاضطرابات. يمكن ايضا أن تصبح مبادرات التنمية أكثر قبولا من الحكومات المستقبلة – ربما عبئا إلى حدٍ ما، لكن لا جدال عليها معظم الوقت، وربما حتى مفيدة للسلطات – ومن ثم تصبح أكثر فاعلية مع الوقت.

سواء كانوا يحاولون منع التطرف العنيف أو مكافحته، يجب أن يكون لدى المؤسسات الأجنبية شركاء من المنظمات والأفراد المحليين على الأرض الذين يعلمون طبيعة مناطقهم ويمكن الوثوق بهم لتطبيق مبادرات تتضمن مجموعة من اللاعبين في المجتمع، من المعلمين إلى عمال الصحة إلى الشرطة أو القادة الدينيين.

التطرف العنيف هو استجابة فردية ومجتمعية لاستياءٍ عميق من العالم الأوسع. سوف يكون من السهل إيجاد نمط لذلك الاستياء، أو استجابةٍ مناسبة. فقط التطبيق الماهر الناقد للنفس وطويل المدى للمعرفة والمنهجية يمكن أن يسيطر ومن ثم يمنع في النهاية التطرف العنيف. سوف يكون من المهم ليس فقط القيام بإجراءات وقاية ولكن الانخراط في مكافحة التطرف الذي يشتعل الآن، وإلا قد يجد هؤلاء الذين يكافحون الإرهاب أنفسهم يحاربون وحدهم.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب