لماذا تحتاج إيران الشيعية لدعم حركة طالبان السنية؟

مقال رأي

 تعتبر التقارير الأخيرة حول تجنيد وتسليح إيران لمقاتلي طالبان مثيرة للقلق، ولكنها ليست جديدة. فقد صادرت القوات الدولية من قبل في أفغانستان شحنات أسلحة إيرانية في طريقها لجماعات طالبان، مرة عام 2007 ومجددا عام 2011. كانت الشحنات كبيرة كفاية لدرجة أن وزير الدفاع السابق روبرت جيتس تحدث بشكل معلن عن كميات "كبيرة" من الأسلحة التي ليس من المرجح أن تمر عبر الحدود "دون معرفة من الحكومة الإيرانية". إلا أن ديفيد باتريوس، الذي كان في حينها قائد القوات الأمريكية في أفغانستان، شرح لاحقا أنه بشأن إرسال الأسلحة إلى طالبان، لم يكن المسؤولون الإيرانيون آملين على الأرجح أن ينجح التنظيم السني. ولكنه أضاف: "ولم يريدوننا أن ننجح بسهولة أيضا".

يظل ذلك حقيقيا اليوم. فبالنسبة لإيران، يعتبر تسليح حركة طالبان وسيلة لصد النفوذ الأمريكي ولمحاصرة التهديد المتصاعد لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

في اللحظة الراهنة، تتمتع طهران بعلاقات ودية مع كابول. ولكن الترتيبات المشتركة مدفوعة بشكل رئيسي بفعل المخاوف الأمنية. فأثناء حكم حركة طالبان، دعمت إيران تحالفا هشا من الميليشيات المعارضة، وهو التحالف الشمالي سابقا، لدرجة ذكر تقارير أن بعض قادة الحرس الثوري الإيراني قد حاربوا إلى جانب التحالف. كانت إيران محفزة بفعل المخاوف من أن طالبان قد تضم قواتها بشكل محتمل إلى تنظيم جند الله، وهو تنظيم ميليشيا سني يمارس نشاطه داخل محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية، ويدعم الإنفصاليين البلوشيين. في عام 1998، وصلت إيران إلى حافة الحرب مع طالبان بعد أن استولى التنظيم على قنصلية إيرانية في شمالي أفغانستان وقتل ثمانية دبلوماسيين. وفي أعقاب ذلك، دعمت طهران تكتيكيا في عام 2001 الاجتياح الأمريكي والإطاحة بنظام طالبان، بل وعرضت لاحقا المساعدة في تدريب القوات الأمنية الأفغانية.

وفي غضون ذلك، ربما كانت إيران قد دست القليل من الأسلحة لطالبان، لكن حتى عام 2010، كانت طهران معارضة بشكل معلن لأي مفاوضات بين الحكومة الأفغانية وطالبان. إلا أنه في عام 2011، وفي تحول مفاجئ في السياسات التي تبنتها طويلا، أصبحت إيران فجأة داعمة لمحادثات السلام بل وعرضت استضافة الاجتماعات بين الطرفين في طهران. ما يحتمل أن يكون قد دفع تحول إيران في تلك الفترة هو تعيين برهان الدين رباني – وهو شخصية قوية في الحلف الشمالي – من قبل الرئيس السابق حامد كرزاي لقيادة المجلس الأعلى للسلام الأفغاني، وهو كيان معني بتسهيل المحادثات مع طالبان. (بعد فترة وجيزة من تعيينه، قتل رباني على يد طالبان مباشرة بعد عودته من زيارة إلى إيران). وفي ذات الوقت، تظل إيران معارضة لأي محادثات مباشرة بين طالبان والولايات المتحدة. وفي عام 2013، بعد أن فتحت حركة طالبان مكتبها السياسي ومقره في قطر، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا قالت فيه: "تعتقد إيرن أن المفاوضات المفروضة والمدبرة من قبل دخلاء يتجاهلون المصالح الوطنية والنفعية لأفغانستان، لن تحقق أي نتائج".

حاليا، تتضمن مشاركة إيران في أفغانستان 3 مليارات دولار سنويا من التبادل التجاري، وتلعب دور المضيف لأكثر من مليون لاجئ أفغاني – وتجند منهم إيران المقاتلين لإفادهم إلى طالبان، حسبما يفترض – وتبني وتمول المراكز الدينية الشيعية، وتدعم المؤسسات الإعلامية الأفغانية، وتمول حملات مرشحيها المفضلين في الانتخابات، وتبني الطرق التي توصل محافظة هرات الأفغانية بالحدود الإيرانية. وفي عام 2006، افتتحت أفغانستان أكبر مسجد شيعي فيها تحت رعاية إيران، والذي يضم أيضا جامعة إسلامية. في عام 2010، ظهرت تقارير تفيد بأن إيران قد قدمت بشكل متكرر حقائب مالية بقيمة ملايين الدولارات لشراء الولاء داخل حكومة الرئيس السابق حامد كرازي. وفي عام 2013، وقعت إيران وأفغانستان اتفاقية تعاون استراتيجي تهدف (على الجانب الإيراني) إلى موازنة النفوذ الأمريكي. شمل الاتفاق إجراءات اقتصادية وأمنية هامة، بينها تعزيز التعاون الثنائي في مجالات النقل، والاستثمار، والتجارة، والبعثات التعليمية، وتعزيز السياحة، ومحاربة الإرهاب وتهريب المخدرات عبر الحدود، ومشاركة الاستخبارات، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة. تضمن الاتفاق أيضا دعوات لإجراء عدد من المحادثات الثلاثية، تستبعد منها الراعية التاريخية لطالبان، باكستان. وفق برقيات حكومية أمريكية مسربة، حثت إيران بشكل متكرر البرلمان الأفغاني على دعم سياسات مناهضة للولايات المتحدة وإثارة النقاط المناهضة لها أثناء جلسات البرلمان لتعزيز التوترات. اعترفت إيران بشكل سري بدعمها المالي المدروس لأحزاب وقادة سياسيين محددين في أفغانستان.

أمام جميع تلك التدخلات يبقى أمر واحد واضحا، هدف إيران الرئيسي هو تحقيق التوازن أمام النفوذ الأمريكي. فقد عارضت إيران على نحو قاطع الاتفاق الأمني الثنائي بين الولايات المتحدة وأفغانستان، الذي وقع منذ عام، والذي يسمح للولايات المتحدة بالإبقاء على تواجد عسكري أصغر وقواعد عسكرية في أفغانستان. سيكون بعضها قرب حدود إيران، التي رفعت الرايات الحمراء وسط صفوف المتشددين الإيرانيين. رغم أن إيران ستعارض بالتأكيد عودة طالبان إلى السلطة، إلا أن الوجود الأمريكي المستمر في المنطقة دفع النظام الإيراني نحو إيجاد استراتيجية بديلة، تنطوي على تعزيز بعض التنظيمات التابعة لطالبان، لضمان تمتع إيران ببعض السيطرة على طالبان في حال تصالحت يوما ما مع الحكومة الأفغانية.

أقامت إيران اتصالاتها رفيعة المستوى مع تلك الفصائل. رغم أنه من غير المعلوم أي التنظيمات التابعة لطالبان تحديدا التي دعمتها إيران، إلا أن يبدو أن مسؤول اتصالات النظام في طالبان هو طيب أغا. والذي كان سابقا مترجما وضيع المستوى بوزارة الخارجية التابعة لحكومة طالبان، ترقى أغا سريعا في المنصاب بعد أن أصبح صديقا مقربا لقائد تنظيم طالبان، الملا عمر، وهو الآن ظاهريا مسؤول عن مكتب طالبان في قطر. وفي عام 2007، استضافته إيران إلى جانب نائب وزير التجارة السابق بحكومة طالبان في مؤتمر الصحوة الإسلامية الذي ينظمه المرشد الأعلى، علي الخميني، في طهران. منذ ذلك الحين، استقبلت إيران على الأقل اثنين آخرين من وفود طالبان في طهران – أحدهما عام 2013 والآخر حل مؤخرا في شهر مايو – والذين كانا بقيادة أغا حسبما تذكر تقارير. ليصبح أغا مقربا إلى إيران عبر السنوات، ما أدى إلى تكهنات، في فترة ما، بأنه قد سعى للجوء في إيران لتجنب الاعتقال في باكستان.

عبر احتضان رجال مثل أغا وتنظيمات محددة تابعة لطالبان، أصبحت إيران بشكل فعال صانعة سلام ومخربة. كذلك يلعب صعود داعش والمسلحين السنة الآخرين دورا. فخلال الأشهر الأخيرة، توسع داعش نحو جنوب آسيا، ويعزز قاعدته بشكل فعال ويبحث عن مجندين، والذي تعتبره إيران تهديدا. أما بالنسبة لطالبان، يمثل داعش خصما ومنافسا لا يجتذب داعميها فقط بل وكذلك التمويل. فقد أرسلت طالبان مؤخرا رسالة طويلة إلى داعش محذرة من أن حرب أفغانستان يجب أن تخاض تحت "راية واحدة وقائد واحد" وأنه إن لم يبق داعش بعيدا، "ستضطر حركة طالبان للتصرف". إلا أن العديد من أعضاء طالبان المنشقين حولوا بالفعل ولاءاتهم نحو داعش. ومن جانب إيران، قال مؤخرا أحد هؤلاء المنشقين، الملا محمد نورزاي، لموقع "دايلي بيست" إن: "إيران هي عدوتنا الأولى وإن أرسل أبو بكر البغدادي (الخليفة الذي نصب نفسه) الأوامر، سنعبر بالتأكيد من أفغانستان إلى إيران". ويتابع: "لقد قاتلت لحساب الملا عمر لمدة 20 عاما ويؤسفني ذلك كثيرا. فطالبان تخدم مصلحة باكستان فقط، وليس الإسلام". وبالتالي يقدم ظهور داعش، وكذلك التمرد المحتمل تحت قيادة سنية في إيران، سببا إضافيا لطهران لتتعاون مع طالبان. وعلى نطاق أوسع، تريد إيران أن تصد السنة بشكل عام والفكر الوهابي النابع من السعودية بشكل خاص. وكرد فعل على بناء إيران للمسجد الشيعي، أعلنت السعودية أنها ستنفق 100 مليون دولار وستبني مركزا إسلاميا خاصا بها وجامعة في أفغانستان، وهو مشروع ينتظر اكتماله عام 2016.

التحالفات المتنامية بين طهران وكابول، وطهران وطالبان، رغم عدم الثقة من أي جانب، تؤدي فقط إلى المزيد من التشابك للعقدة الأفغانية. وأثناء محادثات السلام المستقبلية، يمكن أن تستخدم إيران نفوذها داخل طالبان كأداة للضغط على كابول، التي لم يمر دعمها للتدخل العسكري السعودي الأخير في اليمن، الذي استهدف المتمردين الشيعة، مرور الكرام. مما يعد غنيا عن الذكر أن إيران تعتبر نفسها لاعبا رئيسيا ولديها مصالح شرعية في أفغانستان، ولا تريد أن تشهد تطورات هناك تسير عكس مصالحها الجوهرية. إن كان مقابل تلك المصالح الإقليمية هو احتضان فصائل محددة تابعة لطالبان، فتبدو طهران مستعدة لدفعه.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب