لماذا يتجه السعوديون إلى الطاقة الشمسية

تقرير صحفي

 ينتمي الأمير تركي بن سعود بن محمد آل سعود إلى الأسرة التي تحكم المملكة العربية السعودية. يرتدي ثوبا أبيض وغطرة، وهو الزي وغطاء الرأس التقليديين للرجال العرب، ولديه مكتب واسع تعلق على جدارنه صور لثلاثة من أعضاء العائلة السعودية المالكة. عندما زرته في الرياض هذا الأسبوع، صب نادل شايا ودون مساعديه ملاحظاتٍ بينما كان يتحدث الأمير. كل شيء بشأن ذلك الرجل بدا أنه يمثل أفكارا غربية لموظفٍ راضٍ عن نفسه في مملكةٍ غنيةٍ بالنفط راضية عن نفسها.

لكن تركي لا يناسب ذلك القالب، ولا دولته ايضا. بهدوء، يساعد الأمير السعودية – النموذج المثالي للدولة البترولية – في الاستعداد للقيام بما يمكن أن يكون أحد أكبر استثمارات العالم في الطاقة الشمسية.

بجوار الرياض، تستعد الحكومة لبناء مصنع لألواح الطاقة الشمسية على نطاقٍ تجاري. على ساحل الخليج العربي، هناك مصنع آخر على وشك بِدء انتاج كمياتٍ كبيرة من البولي سيليكون، وهي مادة تستعمل في صنع الخلايا الشمسية. وفي العام القادم، تخطط الشركتان المملوكتان للدولة اللتان تسيطران على قطاع الطاقة – أرامكو السعودية وهي أكبر شركة نفط في العالم، والشركة السعودية للكهرباء، منتج الطاقة الرئيسي في المملكة – لوضع حجر الأساس لحوالي عشرة مشروعات في أنحاء البلاد.

يرأس تركي مؤسستان سعوديتان تدفعان بقوة تجاه الطاقة الشمسية: مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا، وهي وكالة وطنية للبحث والتنمية يقع مقرها في الرياض، وتقنية، وهي شركة مملوكة للدولة قامت بالعديد من الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة وتتطلع للقيام بالمزيد. قال لي الأمير تركي: "لدينا اهتمامٌ واضح بالطاقة الشمسية، وقريبا سوف تتوسع باطراد في المملكة".

يبدو مثل ذلك الحديث ثوريا في السعودية، والتي ظلت لعقود رمزا لتبديد الوقود الحفري. تبيع الحكومة الجازولين للمستهلكين مقابل حوالي 50 سنتا للجالون (3.79 لتر) والكهرباء مقابل ما يصل إلى 1 سنت للكيلووات/ساعة، وهي نسبة ضئيلة من أرخص الأسعار في الولايات المتحدة. ونتيجةً لذلك، تمتلئ الطرق السريعة بسيارات الكاديلاك واللينكولن والسيارات الرياضية متعددة الأغراض (SUVs) الضخمة؛ القليل من المباني تحتوي على عزل حراري؛ ويُبقي الناس ميكفات الهواء المنزلية تعمل – عادة في درجات حرارة تحتاج سترات صوفية – حتى عندما يذهبون في عطلة.

https://cdn.theatlantic.com/assets/media/img/posts/2015/06/WEL_Ball_SaudiSolar_Skyline/a3ba8a0f0.jpg

تعد سماء الرياض تذكيرا بارزا بنمو وتمدن السعودية السريعين. في عام 1960، كان يقطن بالمدينة 155 ألف نسمة فقط، الآن بها ما يزيد على 5 ملايين.

تنتج السعودية معظم كهربائها عبر حرق النفط، الممارسة التي هجرتها معظم الدول منذ وقتٍ طويل، مسوغين ذلك بانهم يستطيعون استخدام الفحم والغاز الطبيعي وتوفير النفط للنقل، التطبيق الذي لا يوجد له بدائل رئيسية. معظم محطات الطاقة السعودية تفتقد بشدة لكفاءة استهلاك الطاقة، كما مكيفات هوائها، والتي استهلكت 70 بالمئة من كهرباء المملكة في 2013. لذا فرغم أن المملكة بها 30 مليون نسمة فقط، فإنها سادس أكبر مستهلك للنفط في العالم.

الآن يقول حكام السعودية إن الأمور يجب أن تتغير. دافعهم ليس القلق حول الاحتباس الحراري؛ آخر ما يريدونه هو انتهاء عصر الوقود الحفري. إنما العكس تماما: هم يرون الاستثمار في الطاقة الشمسية كطريقةٍ للبقاء كقوةٍ نفطية عالمية.

يحرق السعوديون حوالي ربع النفط الذي ينتجونه – وظل استهلاكهم المحلي يرتفع بنسبة 7 بالمئة سنويا، وهو معدل ينذر بالخطر ويعادل تقريبا ثلاثة أضعاف معدل النمو السكاني. حسب تقريرٍ أعده "تشاتام هاوس"، وهو مركز أبحاث بريطاني، في ديسمبر 2011 وانتشر على نطاق واسع، إذا استمر هذا الاتجاه فقد يلتهم الاستهلاك المحلي صادرات النفط السعودية بحلول عام 2021 ويحول المملكة إلى مستوردٍ صاف للنفط عام 2038.

هذا المآل سوف يكون مدمرا بالنسبة للسعودية. ظل الاستقرار السياسي للمملكة معتمدا طويلا على "صفقة حكم"، توفر بموجبها الأسرة المالكة للمواطنين، الذين لا يدفعون ضرائب دخل للأفراد، خدماتٍ اجتماعية واسعة تمولها صادرات النفط. اذا ترك بدون مراقبة، يمكن أن يقيد الاستهلاك المحلي ايضا قدرة البلاد على تهدئة اسعار النفط العالمية عبر احتياطيها للتغير المفاجئ – النفط الإضافي الذي تستطيع ضخه لتلببية الطفرات في الطلب العالمي على النفط. إذا أراد حكام السعودية الإبقاء على السيطرة  في الداخل والحفاظ على قوتهم على الساحة العالمية، فيجب أن يجدوا طريقةً لاستخدام نفط أقل.

الطاقة الشمسية، هكذا قرروا، هي بديلٌ واضح. بالإضافة إلى امتلاك بعض أغنى حقول النفط في العالم، تمتلك السعودية ايضا بعض أكثر ضوء شمس شدةً في العالم. (على خريطةٍ تظهر مستويات الاشعاع الشمسي، حيث تلون المناطق الأكثر إشماسا بالأحمر القاتم، تظهر المملكة بلونٍ أحمرٍ دموي كشريحة لحمٍ نيئ). لدى السعودية ايضا مساحاتٍ واسعة من الصحراء المفتوحة والتي تبدو وكأنها مصممة خصيصا لصفوف الألواح الشمسية.

انخفضت أسعار الطاقة الشمسية بنسبة حوالي 80 بالمئة خلال السنوات القليلة الماضية، نتيجة الزيادة المطردة في عدد المصانع الصينية التي تقوم بصنع الواحٍ  شمسية رخيصة، وتكنولوجيا شمسية أكثر كفاءة، والاهتمام المتصاعد للمستثمرين الكبار بتمويل مشاريع طاقة شمسية. منذ ثلاث سنوات، أعلنت السعودية أن هدفها بناء 41 جيجاوات من قدرات الطاقة الشمسية بحلول عام 2032، أي أكثر بقليل مما تمتلكه الدولة الأولى على مستوى العالم، ألمانيا، اليوم. حسب أحد التقديرات، سوف يكون ذلك كافيا لتلبية حوالي 20% من احتياجات المملكة المتوقعة للطاقة – وهو هدفٌ شديد الطموح، نظرا لأن امدادات الطاقة الشمسية اليوم تشكل لا شيء تقريبا من الطاقة في السعودية وكانت، حتى عالم 2012، تشكل أقل من 1% من امدادات الطاقة في العالم.

اصطفت بعض أكبر المؤسسات الصناعية السعودية، وايضا منتجي الكهرباء العالميين وشركات الطاقة الشمسية الكبيرة والصغيرة، للربح مما يرونه سوقا جديدا كبيرا. حقيقة أن السعودية، النصير المتحمس للوقود الحمفري، وجدت اسبابا اقتصادية قهرية للمراهنة على الطاقة الشمسية هي أحد أوضح العلامات حتى الآن على أن الطاقة الشمسية أصبحت، على الأقل في بعض الحالات، مصدر طاقة فعال من حيث التكلفة.

لكن خطة السعوديين الكبرى كانت بطيئة التحقق على أرض الواقع. تتضمن الأسباب التناحر البيروقراطي؛ العقبات التقنية، وبالأخص عواصف الغبار والعواصف الرملية التي تستطيع سريعا تخفيض كمية الكهرباء التي تستطيع الألواح الشمسية انتاجها؛ والأهم، الدعم النفطي الذي يحمي المستهلكين السعوديين من أي ضغط حقيقي لاستعمال نفط أقل. المملكة هي ناقلة وقود حفري عملاقة، ورغم أن القبطان يعلم أن هناك بحارا خطرة تنتظره، فإن تغيير المسار يثبت كونه صعبا إلى حدٍ بعيد.

ناصر القحطاني هو رجل نفط تماما. فوق خزانةٍ في مكتبه بالرياض، يوجد لديه كأس تذكاري يحتوي على مقدارٍ من النفط الخام من أكبر حقول السعودية. لقد قضى 15 عاما يعمل في مصنع تكرير أرامكو. ولديه درجة الماجستير من جامعة تكساس ايه آند إم، وهو ما يشرح لماذا لديه كوبي قهوة آجيس (وهو اللقب الذي يطلق على خريجي تلك الجامعة) على رف الكتب الخاص به. "هذا من أجل أيامي السهلة"، قال لي مشيرا إلى أصغرهم. "وذلك من أجل أيامي العصيبة"، قال بوجهٍ بوجهٍ جامد تماما، مشيرا إلى الكوب أكبر.

https://cdn.theatlantic.com/assets/media/img/posts/2015/06/WEL_Ball_SaudiSolar_SprayChamber/bbc04f8d8.jpg

لدى ناصر الكثير من الأيام العصيبة. أي تحولٍ للابتعاد عن النفط يهدد مجموعة كبيرة من القوى المتخندقة، وكنائبٍ لحاكم الشؤون التنظيمية لهيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج السعودية، فهو يقضي معظم وقته محاولا تنظيم المؤسسات المتنافسة لتعمل معا لتحديث نظام الطاقة بالبلاد.

وبينما يصب قهوةً عربية ويجلس أسفل لوحاتٍ لنفس الأمراء الثلاثة الذين كانوا يزينون حائط مكتب الأمير تركي، قلل ناصر من المدى الذي يشجع به دعم بلاده للطاقة على الإهدار. في أكتوبر الماضي، قدر البنك الدولي  أن السعودية تنفق ما يزيد على 10 بالمئة من ناتجها القومي على ذلك الدعم، ما يعادل 80 مليار دولار سنويا، أي أكثر من ثلث ميزانية المملكة. "في رأيي الشخصي، هذا رقم صحيح"، أكد ناصر. "ذلك غير قابل للاستمرار".

ايضا من غير القابل للاستمرار تكلفة الفرصة البديلة لحرق كل ذلك المقدار من النفط محليا. تبيع أرامكو النفط إلى الشركة السعودية للكهرباء مقابل 4 دولارات للبرميل، وهو نفس ثمن الانتاج تقريبا. حتى مع انخفاض أسعار النفط إلى 60 دولارا للبرميل وقت كتابة هذا التقرير (منخفضا بنسبة حوالي 40 بالمئة منذ يوليو 2014)، فإن السعودية تتخلى عن 56 دولارا على كل برميل تستخدمه محليا. هذه الفجوة سوف تتسع أكثر بكثير إذا، كما يتوقع العديد من الخبراء، عاد السعر العالمي إلى الارتفاع.

يضبط قادة السعودية إنتاج المملكة بعناية للحفاظ على ذلك السعر العالمي حيث يريدونه: مرتفعا بما يكفي لملء الخزائن السعودية لكن منخفضا بما يكفي لتفادي تحفيز تهديداتٍ منافسة. لسنوات، جادل المحللون حول كم تبلغ كمية النفط التي تملكها السعودية في باطن الأرض، وزعم بعضهم أن المملكة أقل ثروةً بكثير عما تدعيه. يقول المسؤولون السعوديون إنهم لا يواجهون أزمةً طارئة، لكنهم يتحدثون عن الحاجة إلى إبقاء المنافسين مثل صناعة الزيت الصخري الأمريكي تحت المراقبة. أي انخفاضٍ كبير في كمية النفط المتاحة للتصدير سوف يعيق قدرتهم على دفع تلك التهديدات.

خلال العام الماضي، شددت الحكومة متطلبات كفاءة استهلاك الطاقة لميكفات الهواء، وفرضت أول معايير لاقتصاد وقود السيارات في تاريخ البلاد، وبدأت في تطلب وجود عزل حراري في المباني الجديدة. وهي تتجه لتتطلب أن تكون محطات الطاقة الجديدة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة من التي تستبدلها. وفي مارس وقعت المملكة اتفاقية تفاهم مع كوريا الجنوبية لبناء أول مفاعلي طاقة نوويين، وربما أكثر.

https://cdn.theatlantic.com/assets/media/img/posts/2015/06/WEL_Ball_SaudiSolar_assemblyred/c82445556.jpg

ما يبدو من غير المرجح أن يفعله القادة السعوديون، على الأقل في أي وقتٍ قريب، هو خفض الدعم الحكومي على الوقود الحفري. يرى الكثير من السعوديين الطاقة الرخيصة كحقٍ يكتسبونه بالميلاد، وأي زيادة في الأسعار سوف تكون غير شعبية بشدة. في خطابٍ في فبراير، دعا رئيس البنك المركزي إلى إعادة هيكلة الدعم ببطء، لكنه لم يعط أي إشارة حول متى. في ذلك الوقت، يفحص المسؤولون الآن ما كان يبدو في وقتٍ ما حلا غير وارد: تشجيع الطاقة المتجددة.

"كان التصور في البداية عدم دعم الطاقة المتجددة"، أخبرني ناصر، شارحا أن المسؤولين السعوديين خافوا "أنه لو نجحت الطاقة المتجددة فلن نجد مستهلكين لبضاعتنا". تغير ذلك التصور، نوعا ما. لكن إذا بدأت الطاقة الشمسية بطريقةٍ ما في تهديد السوق الأساسي للنفط السعودي – كوقودٍ للنقل – قد تتغير حسابات المملكة مجددا.

لا يوجد الكثير من الأماكن تشرح تحدي الطاقة الذي تواجه السعودية أكثر من ساحل البلاد على البحر الأحمر. على امتداد قطعة من الطريق السريع الأسود الذي يمتد شمالا من مدينة جدة الساحلية تقع سلسلة من مباني البنية التحتية الجديدة. جميعها كبيرة. جميعها سميت على اسم الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، الذي توفي في يناير بعد قيادة البلاد لعقدٍ من الزمان. ومعظمها تم بنائها بواسطة أرامكو، والتي، بجانب كونها عملاق نفط عالمي، تعتبر اللاعب المفضل للحكومة السعودية لإنجاز الأمور. هناك ملعب الملك عبدالله الجديد لكرة القدم، جامعة الملك عبدالله الجديدة للعلوم والتكنولوجيا، مدينة الملك عبدالله الاقتصادية الجديدة، وميناء الملك عبدالله الجديد. إلى الشمال من جميع تلك التنمية، في قرية الرابية، تقع أداة لتمكين النمو: محطة طاقة ضخمة تعمل بالنفط.

تتكون المحطة التي بنيت بواسطة شركة صينية وتم إكمالها في عام 2012 من فرنين شاهقين ينتجان الكهرباء عبر حرق زيت الوقود الثقيل. عندما زرتها في أحد أيام هذا الربيع، وجدت ناقلة بترول ترسو عند رصيف الميناء وتضخ سائلها إلى أحد خزانات المحطة الاسطوانية الستة. يحتوي كل خزان على حوالي 14.5 مليون جالون (55 مليون لتر) من النفط، تحرقهم المحطة عادةً في أسبوع. في الجو القائظ، تبدو رائحة المكان وكأنه إحدى محطة جيفي لوب لتغيير زيت السيارات، نوع الرائحة الذي يخترق جميع مسامك. أخبرني لؤي الشلبي، وهو عامل يعيش في مهجعٍ هنا، أن رائحة النفط دائما حاضرة: "أشعر بها طوال الوقت".

النفط ليس السائل الوحيد الذي تحتاجه هذه المحطة، إنها تحتاج ايضا مياها عذبة – أكثر من نصف مليون جالون يوميا. يحرق فرني المحطة النفط، تغلي الحرارة المياه، ويدفع البخار توربينات المحطة. لا تتوفر جميع هذه المياه العذبة بسهولة في المملكة الصحراوية؛ لذا فعلى السعوديون أن يستخلصوا معظمها من المياه المالحة.

بجوار محطة توليد الطاقة الكهربائية تقع محطة لتحلية المياه. إنها صغيرة بالنسبة للمقاييس السعودية؛ الأكبر بكثير منها تنتج مياه الشرب. لكنها ما تزال تبدو ضخمة: متاهة من الخزانات والأنابيب والفلاتر والمضخات تغطي مساحة توازني ضعف مساحة ملعب كرة قدم. تحتوي المياه التي تسحبها المحطة من البحر الأحمر على حوالي 40 ألف جزء في المليون من الملح. بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى النهاية الأخرى، بعد أن يكون قد تم فلترتها وخلطها بالكيماويات، يكون محتواها من الملح قد وصل إلى 25 جزء في المليون. العملية هي انتصار للإنسان على الطبيعة. وكل خطوة تستهلك كهرباء – والتي تأتي بشكل أساسي من النفط.

https://cdn.theatlantic.com/assets/media/img/posts/2015/06/WEL_Ball_SaudiSolar_Eitelhuber/42eb90bdf.jpg

جاء جورج ايتلهابر إلى السعودية ليعمل كمدرس فيزياء للمرحلة الثانوية. منذ بضعة سنوات، بدأ في تطوير نظام للحفاظ على الألواح الشمسية نظيفة في الصحراء.

تقدم الطاقة الشمسية خيارا مغريا. بدأت المملكة اختبار الطاقة الآتية من الشمس لأول مرة في السبعينيات. في عام 1979، نفس العام الذي سبب فيه الاضطراب في الشرق الأوسط صدمة نفط عالمية وقام الرئيس جيمي كارتر بتركيب ألواحٍ شمسية فوق سطح البيت الأبيض، أطلقت الولايات المتحدة بالاشتراك مع السعودية محطة بحوث شمسية تبعد حوالي 30 ميلا شمال غرب الرياض، في قريةٍ صغيرة تدعى العوينية، والتي كانت تفتقد الكهرباء في ذلك الوقت.

انخفضت حدة العمل في ذلك الموقع في التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، لكنها عادت للارتفاع في الأعوام القليلة الماضية. في عام 2010 بنت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا، وهي وكالة البحوث التي تدير المحطة، خط تجميع صغير هناك لتصنيع الألواح الشمسية، ليزيد الانتاج أكثر من أربع أضعاف بعد عام. وهي تخطط لتوسيع المنشأة مرة اخرى خلال الشهور العديدة القادمة، هذه المرة إلى ثمانية أضعاف.

أخبرني الأمير تركي أن المسؤولون السعوديون يرغبون في إضافة مصنعٍ ثان في مكانٍ آخر بالمملكة؛ وسوف يكون أحد أكبر المصانع خارج الصين. الهدف، يقول الأمير، ليس فقط تركيب ألواح شمسية عبر السعودية ولكن تصديرها ايضا – وهي طريقة يأمل مسؤولو المملكة أن توفر فرص عمل تقنية عالية الأجر للعدد الكبير من السكان الشباب بالمملكة. (حوالي ثلثي السعوديين هم تحت سن الثلاثين). يريد المسؤولون ايضا تمويل تركيباتٍ شمسية في دولٍ أخرى، لدعم سوق الألواح المصنوعة في السعودية. من بين المواقع المحتملة الولايات المتحدة، حيث يتصور تركي أن تقوم المملكة بتقديم أسعار أفضل من مزودي الألواح الشمسية الآخرين جزئيا عبر توفير قروض تنمية رخيصة من البنوك السعودية.

لكن المصنع في العوينية يظهر طول الطريق الذي على البلاد أن تقطعه. تأتي المعدات غالبا من أوروبا، والخلايا الشمسية – الشرائح المربعة من السيليكون التي تكون اللوح الشمسي – تصنع في في تايوان. عادةً، كما كان الحال في اليوم الذي زرت فيه، لا ينتج خط التجميع الكثير. لأن المواد اللازمة عالقة في العبور. في إحدى المرات ظلت شحنة من التغليف البلاستيكي الذي يستخدم في تغطية الوجه الخلفي من الألواح الشمسية في ميناءٍ سعودي لمدة شهر، حتى ذابت.

https://cdn.theatlantic.com/assets/media/img/posts/2015/06/WEL_Ball_SaudiSolar_assemblymachines/e5ea6b54b.jpg

يبدو الانفصال بين الطموح والواقع أكثر وضوحا في جامعة الملك عبدلله للعلوم والتكنولوجيا، أحد أكبر المشروعات على ساحل البحر الأحمر. لدى الحرم الجامعي الذي تكلف مليارات الدولارات كلا من معملٍ لابحاث الطاقة الشمسية على مستوى عالمي وبعض المرافق ذات كفاءة استهلاك طاقة شديدة الانخفاض، من بينها، في وسط الصحراء، فندق وجدت غرفتي به مبردة عند 16.7 درجة مئوية وملعب جولف ذو 9 فتحات مضاء بالكامل للعب الليلي.  

شُيد الحرم الجامعي بالكامل في حوالي ثلاث سنوات. حيث توجد به ساحة تحتوي على فروعٍ لكويزنوز وبرجر كينج ومتجر بقالة به مجموعة واسعة جدا من التمور والجعة غير الكحولية، تقع جميعا على الناحية الأخرى من الشارع من مسجدٍ أبيض. وبه مكاتب من الخشب والحديد ومنازل ذات أسقف حمراء مائلة، يستحضر كلاهما ضواحي كاليفورنيا. وبها مجموعة من الخبراء تم جلبهم من جميع أنحاء العالم.

أحد هؤلاء هو مارك فيرميرش الفيزيائي البلجيكي وعالم المواد الذي وصل في يناير بعد قضاء عدة أعوام في باريس يرأس العمل على الطاقة الشمسية بتوتال، عملاق النفط الفرنسي. أخبرني فيرميرش أنه رغم عدم ادخار شيء في تجهيز معمل الجامعة للطاقة الشمسية، فإن الأموال لم تصرف بحكمة. يحتوي المعمل على نصف دزينة طابعات شديدة التخصص – أحدها تبلغ تكلفتها حوالي مليون دولار – تقوم بطلاء الأسطح، وهي عملية مهمة في أبحاث التكنولوجيات المستقبلية للألواح الشمسية. لكن لأن السعودية ترغب في الحصول على الطاقة الشمسية قريبا، فإن فيرميرش وزملائه يعيدون ترتيب المعمل للتركيز على البحث الأقصر مدى، العمل الذي يأمل أن يثمر في السنوات القليلة القادمة.

تحوي الجامعة حضانة للشركات التكنولوجية الناشئة، من بينها شركة أُسست على فكرة أن هناك أموال يمكن أن تجنى عن طريق الحفاظ على الألواح الشمسية نظيفة في الصحراء. مؤسس الشركة هو جورج ايتلهابر، وهو مهندس ميكانيكي استرالي المولد جاء إلى الجامعة في 2009، في العالم الذي افتتحت فيه، لتدريس الفيزياء للمرحلة الثانوية بالحرم. "قدم لي الملك عبدالله عرضا لا يمكنني رفضه"، أخبرني ايتلهابر مازحا، بلهجةٍ استرالية.

في أواخر عام 2010، حضر ايتلهابر احتفالية بالجامعة تجمع خلالها مجموعة من كبار المديرين لتدشين ألواح شمسية اختبارية. لكن عاصفةً من الغبار هبت لتغطي الألواح وتهدد بإلغاء التقاط الصور. ومع درجة حرارة وصلت إلى 46 درجة مئوية وحيث "كان الجميع يعرق بغزارة"، قال ايتلهابر، أتى "أشخاص بمماسح" لينظفوا الألواح. ولأنه كان شكاكا بطبعه فقد سأل ايتلهابر كيف يتم تنظيف الألواح الشمسية في المعتاد، فجاءته الإجابة "هذا كل شيء". "كان من الواضح بالنسبة لي أنها سوف تصبح المشكلة الجديدة الكبيرة لصناعةٍ جديدة في الشرق الأوسط".

مع تمويلٍ أولي من الجامعة، بدأ هو وزملاؤه بتصميم نظامٍ غير مائي. "فكرة استخدام مياه محلاة تم تحليتها باستخدام البترول"، قال ايتلهابر، "هي فقط غسل اخضر كبير" (هو فعل تضليل المستهلكين حول الممارسات البيئية للشركة أو الفوائد البيئية لمنتج أو خدمة ما). بعد مرور خمس سنوات، تمتلك شركته نموذجا تجريبيا في مراحله الأخيرة – عمودٍ معدني طويل مع خطوط من شعر الفرشاة، يتم تزويده بالطاقة من الألواح – ويقوم عدة مصنعين لألواح الطاقة الشمسية باختبار الجهاز. يخطط ايتلهابر للبدء في تركيبه على المزارع الشمسية العام القادم.

تعد أرامكو أهم لاعب في تحول المملكة نحو الطاقة الشمسية. كانت غزوات الشركة المبدئية ضئيلة – صف من الألواح الشمسية بجوار أحد مباني مكاتبها، على سبيل المثال – لكن خططها للبدء في حوالي 10 مشاريع شمسية العام القادم يبدو أنها تمثل بداية التزام أكثر جدية. أخبرني مسؤولٌ سعودي كبير أنه يتوقع أن تطور السعودية شريحة مبدئية من بضعة جيجاوات من قدرة توليد الطاقة الشمسية عبر السنوات الخمس القادمة. سوف تكون المشاريع في أماكن تكون تكلفة الوقود التقليدي بها مرتفعة، إما بسبب أن المواقع بعيدة أو لأنها تستخدم السولار. (اضطرت السعودية تاريخيا إلى شراء كمياتٍ كبيرة من السولار بالأسعار العالمية لأن مصافي النفط لديها لا تستطيع معالجة ما يكفي لتلبية الاحتياجات المحلية).

حتى في تلك المواقع المختارة، فإنه من المرجح أن تكلف الطاقة الشمسية أكثر من الكهرباء من محطات الكهرباء التقليدية الموجودة – لكن فقط لأن هذه المحطات تحصل على النفط بسعرٍ مدعم. يشرح هذا لماذا تقوم الحكومة، وليس القطاع الخاص، بمعظم الاستثمارات في الطاقة الشمسية. تنتظر الشركات الخاصة أن تعرض الحكومة مجموعة من العقود التي سوف تسمح للطاقة الشمسية بمنافسة الكهرباء الرخيصة اصطناعيا المولدة من النفط.

https://cdn.theatlantic.com/assets/media/img/posts/2015/06/WEL_Ball_SaudiSolar_DrTurki/00421c1b6.jpg

يساعد الأمير تركي بن سعود بن محمد آل سعود في قيادة تحول المملكة إلى الطاقة الشمسية.

إحدى أكبر الشركات التي تنتظر على خط الاحتياط هي أكوا باور انترناشونال، والتي يقع مقرها في الرياض وتملك وتدير محطات طاقة وتحلية مياه في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. في السنوات القليلة الماضية، وقعت أكوا باور عقودا لإنتاج طاقة شمسية في عدة دول – أماكن حيث سعر الكهرباء التقليدية أعلى من سعرها في السعودية.

فازت الشركة بعقدٍ لبناء مزرعةً شمسية في دبي في وقتٍ سابق من هذا العام. أدهش السعر الذي وافقت أكوا باور أن تبيع به الكهرباء من تلك المزرعة الشمسية – 5.84 دولارات للكيلووات/ساعة – مراقبي الطاقة الشمسية حول العالم. وقد تم الاحتفاء به كإشارةٍ إلى بداية عصر جديد من المنافسة السعرية. أخبرني بادي بادماناثان، رئيس الشركة والمدير التنفيذي لها، أنه واثق من أن الشركة سوف تحصل على ربحٍ جيد عبر سنوات الصفقة الخمس وعشرين. "فجأةً، أصبحت الطاقة المتجددة اقتراحا شديد التنافسية"، قال بادماناثان.

لم تطور أكوا باور بعد أي مشاريع طاقة شمسية في السعودية. لكن الأمير تركي أخبرني أن تقنية، الشركة المملوكة الدولة التي يرأسها، تقوم بإنهاء تفاصيل صفقة لتوفير الطاقة الشمسية للشركة السعودية للكهرباء مقابل 5 سنت للكيلووات/ساعة – أي أقل من السعر الذي وافقت عليه أكوا باور مؤخرا في دبي. "إنه أرخص سعر أسمع عنه في العالم"، قال تركي.

قد تكون الصفقة إشارة مبشرة عن الأشياء القادمة، لكن الهدف الذي أعلنته السعودية منذ ثلاث سنوات ببناء 41 جيجاوات من القدرة الشمسية يبقى بصيص ضوء بعيد. أعلن المسؤولون السعوديون في يناير أنهم يؤجلون التاريخ المستهدف من 2032 إلى 2040 – حتى مع الجدول الزمني الأطول مدى، نبذ المتشككون الهدف معتبرينه سراب.

سوف يتطلب إثبات أنهم على خطأ إعادة ترتيب أوراق اللعب الاقتصادية التي راكمها قادة المملكة على مدى عقود لتفضيل البترول. في ضوء ذلك، فإن تحدي الطاقة السعودي هو نسخة أكثر صعوبة من التي تواجه بقية العالم. لكن إذا استطاع قادة المملكة أن يجدوا الشجاعة السياسية للتصرف بحزم، يمكن أن تصبح السعودية، من بين كل الدول، نموذجا لباقي الدول التي تحاول التحول عن النفط.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب