ماذا تعني نتائج الانتخابات التركية

مقال رأي

في نهاية الأسبوع المنصرم، خسر «حزب العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا أغلبيته البرلمانية التي حافظ عليها على مدى ثلاثة عشر عاماً. فوفقاً لنتائج غير رسمية للانتخابات التي جرت في 7 حزيران/ يونيو، انخفضت نسبة الأصوات التي حصدها إلى 41 في المائة، بينما بلغت هذه النسبة 50 في المائة في عام 2007.

ومن جهة أخرى، انخفض تأييد فصيل المعارضة الرئيسي، «حزب الشعب الجمهوري» اليساري، من 26 في المائة إلى 25 في المائة، بينما ارتفع رصيد «حزب الحركة القومية» الذي يعرف أيضاً بـ «حزب العمل القومي» من 13 في المائة إلى أكثر من 16 في المائة. ومن جهته، حصد الحزب القومي الكردي الأصغر، «حزب ديمقراطية الشعوب»، على أكثر من ضعف الدعم الذي حصل عليه سابقاً، إذ حاز على 13 في المائة من الأصوات باستناده على برنامج ليبرالي استهدف النساء والأقليات السياسية والعرقية.

وتشير النتائج الأولية إلى أن «حزب العدالة والتنمية» سيحوز على 258 مقعداً في البرلمان التركي المكوّن من 550 مقعداً، بينما سيحوز «حزب الشعب الجمهوري» على 132 مقعداً، و«حزب الحركة القومية» على 80 مقعداً، و«حزب ديمقراطية الشعوب» على 80 مقعداً أيضاً. وبما أن أي حزب لم يحصل على الأغلبية، فستكون الحكومة القادمة إما حكومة إئتلافية أو حكومة أقلية. إذ يمكن لـ «حزب العدالة والتنمية» أن يشكل ائتلافاً مع شريك واحد فقط، في حين تحتاج الأحزاب الأخرى إلى شريكين على الأقل لحشد الأغلبية.

ومن الناحية النظرية، يوجد العديد من الإمكانيات لتشكيل ائتلاف، ولكن الخيارات محدودة على أرض الواقع لأن «حزب العمل القومي» و«حزب ديمقراطية الشعوب» استبعدا - على الأقل في الوقت الراهن - التحالف مع «حزب العدالة والتنمية»، بينما استبعد «حزب العمل القومي» من جهته قيام تحالف مع «حزب ديمقراطية الشعوب». كما أن التحالفات بين اليسار واليمين غير مرجحة في تركيا، الأمر الذي يشير إلى أن حكومة ائتلافية بين «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الشعب الجمهوري» قد لا تكون وشيكة، على الرغم من أن مثل هذا التحالف يمكن أن يحقق الاستقرار الذي تشتد الحاجة إليه في تركيا، والانسجام الاجتماعي من خلال الجمع ما بين الطرفين المختلفين في البلاد. ومن جهة أخرى، من غير الممكن أن نشهد ائتلافاً بين الحزبين اليساريين «حزب الشعب الجمهوري» و«حزب ديمقراطية الشعوب»، لأن مجموع مقاعدهما لن يكون كافياً لتأمين التصويت على منح الثقة بالحكومة. ويشير التوافق السياسي إلى التوجه نحو حكومة أقلية، إلا إذا تمكّن الحزبين اليمينيين - «حزب العدالة والتنمية» و«حزب العمل القومي» - من تشكيل حكومة يوافق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من خلالها على اتخاذ خطوة إلى الوراء، وهو سيناريو غير قابل للتصديق إلى حد كبير.

وبدلاً من ذلك، يمكن أن تشهد البلاد انتخابات مبكرة. إذ ينص الدستور التركي على أنه يتعيّن تشكيل الحكومة بعد الانتخابات في مهلة أقصاها خمسة وأربعين يوماً. وإذا لم تحصل أي حكومة على الثقة من البرلمان قبل هذا الموعد النهائي، يجب أن تتم الدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة.

تداعيات أخرى

بالنسبة إلى أردوغان: لقد بدد الناخبون طموحات الرئيس أردوغان بأن يصبح أول رئيس تركي له أيضاً طابع تنفيذي. كما واستبعد كل من «حزب الحركة القومية» و«حزب الشعب الجمهوري»، و«حزب ديمقراطية الشعوب» الحفاظ على الوضع الراهن - حيث يدير أردوغان فعلياً البلاد من وراء الكواليس - كشرط مسبق للدخول في حكومة ائتلافية مع «حزب العدالة والتنمية». ومع ذلك، قد يشكل حزبه حكومة أو يعود ليصبح حزب الأغلبية في انتخابات مبكرة مرجحة، ولكن طموحات أردوغان الرئاسية قد تبددت الآن. ومع ذلك، قال الرئيس التركي إنه سيواصل جهوده لإدارة «حزب العدالة والتنمية» وانتهاج نمط تنفيذي في الرئاسة، ولكن مع تكتيكات خاصة مختلفة، لاسيما إذا بشّرت انتخابات مبكرة بتشكيلة أكثر تأييداً لأردوغان.

بالنسبة إلى السياسة التركية على المدى القصير: تاريخياً، لم تكمل أي حكومة ائتلافية أو حكومة أقلية في تركيا ولايتها، وعادة ما تشهد البلاد أزمات سياسية واقتصادية عندما تفشل هذه الحكومات نتيجة المشاحنات بين الشركاء في الائتلاف. وبالتالي، إذا ما دخلت تركيا فترة من عدم الاستقرار السياسي أو الاقتصادي في ظل حكومة ائتلافية أو أثناء فترة تشكيل الحكومة التي أقصاها خمسة وأربعين يوماً، قد يتجه الجمهور مرة أخرى إلى دعم حكومة حزب واحد، برئاسة «حزب العدالة والتنمية»، في انتخابات مبكرة. وعلى العكس من ذلك، يمكن للمعارضة أن تصوّر «حزب العدالة والتنمية» على أنه هو المشكلة، مما يزيد من الدعم الخاص بها في هذه الانتخابات.

بالنسبة إلى السياسة التركية على المدى الطويل: أثبتت النتائج أن تركيا كبيرة جداً ومتنوعة جداً بالنسبة للرئيس أردوغان، أو «حزب العدالة والتنمية»، أو أي حزب آخر للسيطرة عليها بمفرده. إذ أصبحت المعجزة الاقتصادية التي بشر بها أردوغان خلال العقد الماضي نقمة عليه. فقد ساعد في جعل تركيا مجتمعاً من الطبقة الوسطى، ولكن هذه الفئة من الناخبين وجدت الآن صوتاً في البرلمان من خلال التحالف الكردي الليبرالي و«حزب الشعب الجمهوري». ويشكل الليبراليون أعظم تحدٍ لأردوغان على المدى الطويل. وفي ظل هذا العدد القياسي من النساء (اللواتي يشكلن الآن حوالي 20 في المائة من السلطة التشريعية) والشباب والأقليات العرقية والدينية والسياسية (مثل الأرمن)، فإن البرلمان التركي الجديد سيكون أكثر تنوعاً من أي وقت مضى.

بالنسبة إلى رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو: كانت هذه الانتخابات محرجة بالنسبة إليه لأنه أساساً أدار حملة لإلغاء منصبه، قائلاً للناخبين "صوتوا لي لكي تتمكنوا من التخلص مني، ثم اجعلوا أردوغان الرئيس الرسمي للحكومة". لقد فشلت هذه المناورة، لكن لم يكن أمامه أي خيار آخر - فقد أدار أردوغان حملة «حزب العدالة والتنمية».

بالنسبة إلى الأكراد: تشكل نتائج الانتخابات فرصة للجناح المؤيد للديمقراطية من الحركة القومية الكردية لكي يتمكن أخيراً من السيطرة على جناحها [الذي مارس] العنف. فقد دخل «حزب ديمقراطية الشعوب» البرلمان بفضل دعم الأتراك الليبراليين، مما يظهر أن الديمقراطية هي الحل للمظالم التي تطال الأكراد، والأهم من ذلك، أن مستقبل الحركة متداخل مع مستقبل تركيا الليبرالية والديمقراطية.

بالنسبة إلى السياسة تجاه سوريا والعلاقات الأمريكية التركية: لقد كان «حزب العدالة والتنمية» شبه مهووس بإسقاط نظام الأسد في دمشق، واستخدم أكثر من وسيلة لتحقيق هذه الغاية، مثل السماح للمقاتلين المتطرفين بالتدفق عبر الحدود التركية. أما الآن، وبعد أن خسر الحزب الأغلبية التشريعية، فستخضع هذه السياسة لمراقبة أكبر من البرلمان ووسائل الإعلام والشعب. ونتيجة لذلك، قد تخفّض أنقرة من توجهها عبر اعتماد سياسة تنطوي على اتخاذ خطوات صغيرة للعمل على الإطاحة بالأسد، تكون أقرب إلى السياسة التي تتبعها واشنطن.

 

سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، ومؤلف كتاب ""صعود تركيا: أول قوة مسلمة في القرن الحادي والعشرين الذي سُمّي من قبل "جمعية السياسة الخارجية" كواحد من أهم عشرة كتب صدرت في عام 2014.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy