ما بعد المأزق اليوناني: من سيربح ومن سيخسر؟

مقال رأي

 يبدو أن الوضع اليوناني – الذي تجاوز وصفه على الأرجح مصطلح "الأزمة"، حيث استلزم فترة طويلة حتى يتبلور – قد وصل أخيرا إلى مرحلته النهائية. ولكن تلك بالتأكيد مجرد أوهام، فقد مكث في تلك المرحلة لفترة طويلة.

تتمثل المرحلة النهائية في منعطف لا يستطيع عنده اليونانيون أو الألمان تقديم المزيد من التنازلات. في اليونان نفسها، مرت المرحلة النهائية منذ زمن طويل. حيث تبلغ نسبة البطالة 26 بالمئة، وتتجاوز نسبة الشباب العاطل الذي لم يتجاوز عمره 25 عاما 50 بالمئة. أدت الأجور المخفضة، تحديدا في القطاع الحكومي، التي تؤثر على مهن مثل الطب والهندسة، إلى مستوى مرتفع من البطالة. وفي غضون ذلك، تجري معظم الأنشطة الاقتصادية الجديدة في الأسواق غير القانونية وغير الخاضعة للضرائب. يدين اليونانيون بالأموال لمؤسسات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقض الدولي، حيث يملك جميعهم ديون يونانية متعثرة اقرضتها بنوك في البداية إلى اليونان من أجل تعزيز استقرار القطاع المصرفي اليوناني. إلا أن أيا منهم لم يظن أبدا أن اليونانيون سيتمكنون من تسديد تلك القروض.

المقرضين الأوروبيين – خصوصا، الألمان، الذين كانوا متحكمين بشكل فعلي في المفاوضات الأوروبية مع اليونانيين – بلغوا مرحلتهم النهائية مؤخرا. الألمان أقوياء ولكنهم يعانون الهشاشة. حيث يصدرون حوالي ربع إجمالي الناتج المحلي الألماني إلى منطقة التجارة الحرة الأوروبية، وأي ما يهدد تلك التجارة يهدد اقتصاد ألمانيا واستقرارها الاجتماعي. فلم يقتصر هدفهم على الحفاظ على قوة اليورو فقط، بل الحفاظ أيضا على منطقة التجارة الحرة وسيطرة بروكسل على الاقتصاد الأوروبي.

تجنبت ألمانيا حتى الآن مرحلة الأزمة الشديدة عبر التوصل إلى سلسلة لانهائية من الاتفاقيات مع اليونان، والتي لم يتمكن اليونانيون من الالتزام بها، ولم يتوقع أحد أن يلتزموا بها، ولكنها سمحت لبرلين بالزعم بأن اليونانيين كانوا قد أذعنوا للمطالب الألمانية بسبب التقشف. ساعد ذلك الزعم ألمانيا في سعيها لإبقاء الدول الأوروبية الأخرى المديونة تحت السيطرة، حيث شهدت الدول الضعيفة ماليا الحماقة الواضحة من طرف اليونان بعد اعتزامها عدم السداد، والمطالبة بإعادة هيكلة الديون، ومواجهة الاتحاد الأوروبي بدلا من استرضاءه.

الوضع بين اليونان وقبرص

بالنسبة للألمان، تمثل اليونان سدا. لا أحد يعلم ما وراء السد، ولا يستطيع الألمان تحمل مخاطر انكسار ذلك السد. قد يصاحب عدم السداد ضوابط رأسمالية مثل التي نشهدها في قبرص، وربما تشتمل على حواجز تجارية مصممة لحماية الاقتصاد اليوناني، وإعادة توجيه جذري لليونان نحو اتجاه استراتيجي جديد. وإن لم يؤد ذلك إلى كارثة اقتصادية واجتماعية، فقد تختار دول أوروبية أخرى أن تمارس الخيار اليوناني. تمثل الخيار الألماني الأول لتجنب عدم سداد اليونان في الإيهام بالامتثال اليوناني. وكان الخيار الثاني إظهار العواقب الوخيمة لرفض اليونان الاستمرار في اللعبة الأولى.

يتشابه ذلك مع المرحلة التي وصلت إليها قبرص. حيث أصبحت عاجزة ببساطة عن الالتزام بشروط اتفاقيات تسديد ديونها. ووافقت الحكومة الموالية للاتحاد الأوروبي تحت ضغط على مصادرة الأموال المودعة في الحسابات البنكية التي تحمل أكثر من 100,000 يورو (حوالي 112,000 دولار) واستخدام تلك الاموال في تسديد بعض المدفوعات المستحقة على الأقل. ولكن وضع ذلك الحد الأدنى لرصيد الحساب بالكاد عمل على تخفيف الضربة أو العزلة عن المواطنين القبرصيين. ففي النهاية، قد يمتلك المتقاعدون بسهولة أكثر من 100,000 يورو في مدخراتهم. والفنادق أو شركات خدمات الطاقة (التي تعتبر حساسة بالنسبة للاقتصاد القبرصي) بالتأكيد لديها الكثير من الأموال في حساباتها. ربما قد زعم الألمان أن النظام المصرفي القبرصي قد حوى أموالا روسية بشكل رئيسي، ولكن – رغم أنه حوى دون شك الكثير من الأموال الروسية – معظم الأموال في النظام مثلت بالفعل ثروات جمعها واستخدمها مواطنون قبرصيون على مدار حياتهم وأعمالهم. أدت الإغارة على تلك الحسابات إلى فوضى. فلم تستطع الشركات القبرصية دفع الأجور أو الإيجارات، وتجمد الاقتصاد بشكل أساسي حتى سهلت القوانين في النهاية – رغم أنها لم تلغى تماما.

سار الألمان على خيط رفيع في مناصرتهم لذلك الحل. فبدلا من أداء لعبة التظاهر التي لعبوها في اليونان، اختاروا أن يروا الجمهور الأوروبي عواقب عدم سداد الديون بشكل حقيقي. ولكن تلك العواقب استندت على أساس سياسي مشكوك فيه. فمن الواضح أن الجمهور القبرصي قد تعرض للترهيب والتفزيع من قبل قرار قادته بالإذعان للمطالب الألمانية. ولكن الأكثر أهمية هو الرسالة التي وصلت إلى بقية أوروبا، وهي أن عواقب المقاومة ستكون كارثية في حال أذعنت القيادة السياسية للدولة لمطالب الاتحاد الأوروبي. ويتضح المثال على ذلك في مصادرة جزء كبير من الأصول القبرصية الخاصة لدفع الديون العامة، ولكنه ليس المثال الذي سعى إليه الألمان. فقد أظهر أن الإذعان لتسديد الديون قد يكون كارثيا على المدى القصير فقط إن سمح سياسيو الدولة المقترضة بحدوث ذلك. ويصاحب ذلك درس لا لبس فيه، وهو أن عقوبة عدم الانصياع، رغم قسوتها، إلا أنها يمكن النجاة منها – وأفضل كثيرا من البدائل.

صعود حزب سيريزا

فلنلق نظرة على الائتلاف الحزبي اليساري الراديكالي، المعروف باسم سيريزا، إنه أحد الأحزاب الكثيرة المعارضة للاتحاد الأوروبي التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة. يتكون الحزب من عدة قوى مجتمعة تهدف لإبعاد الفصائل المناصرة للاتحاد الأوروبي خارج السلطة، وتتمثل إحدى تلك القوى في ذكرى سلوك السياسيين المناصريين للاتحاد الأوروبي في قبرص. كان الجمهور اليوناني مدركا تماما أن أثينا لن تتمكن من تسديد الديون المستحقة بأي شكل، حتى مع تشابه الشروط التي وضعها السياسيون المناصرون للاتحاد الأوروبي بشكل غامض. وبعد إدركهم للنموذج القبرصي، صوتوا لإبعاد قادتهم الموالين للاتحاد الأوروبي، ليتيحوا مجالا لسلطة معارضة للاتحاد الأوروبي.

قدم سيريزا برنامجا انتخابيا يلتزم بشكل أساسي بتخفيف التقشف في اليونان، ويحافظ على البرامج الاجتماعية الحيوية، ويعيد هيكلة ديون البلاد بشكل جذري، ويصر على تحمل المقرضين للمزيد من أعباء الديون. مال الأفراد والأحزاب الموالين للاتحاد الأوروبي – والألمان تحديدا – إلى استبعاد سيريزا. فقد اعتادوا التعامل مع أحزاب موالية للاتحاد الأوروبي في الدول المديونة، والتي تتبنى مواقفا معارضة أمام شعوبها إلا أنها تقبل بالمبادئ الأساسية التي تطرحها ألمانيا والاتحاد الأوروبي – والتي تنطوي في النهاية على أن مسؤولية تسديد الديون تقع على عاتق الدائن. بغض النظر عن برامجها المعلنة، قبلت تلك الأحزاب بالتالي بالتقشف والتكاليف الاجتماعية المصاحبة.

إلا أن سيريزا لم يقبل. بل أجرى حوارا أخلاقيا، وتبنى الألمان موقف الأصم. اتخذ الألمان موقفا من الديون ينطوي على أن المقترض مسؤول أخلاقيا عنها. إلا أن سيريزا عارض ذلك، ففي الواقع، يتشارك المقرض والمقترض المسؤولية الأخلاقية. قد يكون المقترض ملزما بتجنب تكبد ديون لا يمكنه تسديدها، ولكن المقرض، حسبما قالوا، ملزم أيضا بممارسة العناية الواجبة عبر عدم إقراض أموال لمن لا يستطيعون تسديدها. وبالتالي، رغم كون اليونانيين مستهترين لاقتراضهم دون مبالاة، إلا أن البنوك الأوروبية التي مولت موجة القروض اليونانية كانت أيضا غير مستهترة عبر سماحها لجشعها بالتغلب على عنايتها الواجبة. وإن كان المقترضون اليونايون قد ضللوهم، حسبما زعم الألمان بهدوء، فإن الألمان لا يزالوا يستحقون ما حدث لهم، لأنهم لم يمارسوا رقابة أكثر صرامة – بل رأوا مؤشرات اليورو فقط، كحال المصرفيين عندما وقعوا على قروض لليونان بدلا من كبح أنفسهم.

تتعلق قصة اليونان بالإقتراض والإقراض بشكل مستهتر. فقانون الإفلاس في الثقافة الأوروبية والأمريكية يمثل نظام من الثنائيات، حيث تقع مسؤولية توقع السلوك الحكيم على الطرفين، المقرض والمقترض. ينتظر من المقترض أن يدفع كل ما يمكنه دفعه وفق القانون، وعندما تنتهي تلك القدرة، يتحمل المقرض المسؤولية الأخلاقية بشكل فعال عن قراره بالإقراض. بعبارة أخرى، عندما يفلس المقترض، يخسر المقرض رهانه على المقترض، وينتهي أمر القرض.

ولكن ليس هناك قانون لإفلاس الدول، بسبب عدم وجود قوة سيادية لتديره. وبالتالي، ليس هناك طرف ثالث، ليس له مصلحة، حتى يحكم بإفلاس الدول. ليس هناك قوانين سيادية تحدد المرحلة التي تكون الدولة عندها غير قادرة على تسديد ديونها، ولا توجد سلطة شاملة يمكنها أن تضمن حرية إعادة هيكلة الديون وفق القانون. كما أنه ليس هناك أي ظروف يمكن عندها اعتبار المقرض ببساطة سئ الحظ.

في غياب تلك العوامل، يظهر وضع مشابه للوضع اليوناني. حيث يلاحق المقرضون المقترض بلا هوادة، مطالبين بالسداد كأولوية أولى. وتكون أي إعادة هيكلة للدين بناء على اتفاق بين المقرض والمقترض. في حالة قبرص، كانت الحكومة جاهزة لحماية مصالح المقرضين. ولكن في حالة اليونان، سيريزا ليس مستعدا لفعل ذلك. ولا هو مستعد، إن صدقنا ما يقوله الحزب، للاستمرار في نسج أكاذيب مؤقتة أمام مقرضي البلاد. تحتاج اليونان إلى الخروج من ذلك الوضع، ويؤدي أي تأجيل جديد دون هدف إلى تأجيل يوم تصفية الحساب – وبالتالي تأجيل التعافي.

سبب خروج اليونان من منطقة اليورو وعواقبه

يبدو انسحاب اليونان من منطقة اليورو منطقيا. سيؤدي إلى بعض الخسائر في اليونان لفترة، ولكنه سيسمح لليونانيين بالتفاوض مع أوروبا وفق شروط متساوية. ستدفع اليونان إلى أوروبا بعملتها، الدرخما، التي سيحدد سعرها البنك المركزي اليوناني، ويمكنها تحديد المدفوعات من جانبها فقط. ستغلق أمامهم الأسواق المالية، ولكن اليونانيون سيكون لديهم القدرة على سن ضوابط للعملة بالإضافة إلى قوانين للتجارة، ليحولوا تركيزهم من البيع إلى أوروبا، على سبيل المثال، إلى الشراء والبيع مع روسيا أو الشرق الأوسط. لا يعد ذلك بمستقبل مشرق، وكذلك حال المستقبل الذي تتجه إليه اليونان حاليا.

يزعم العديدون أن خروج اليونان قد يؤدي إلى انهيار اليورو. يبدو ذلك الزعم مدهشا في البداية. فاليونان دولة صغيرة، وليس هناك سبب ليكون لخطواتها آثار واسعة على اليورو. وعند ذلك نتذكر الخوف الأساسي لدى ألمانيا من أن اليونان قد تشكل سابقة لبقية أوروبا. سيكون ذلك مستحيلا إن كانت بقية أوروبا تبلي حسنا، ولكن ذلك غير حقيقي. فأسبانيا على سبيل المثال تحظى بنسب بطالة تماثل سوء النسب اليونانية. بينما أشار البعض إلى أن أسبانيا الآن واحدة من الدول الأسرع نموا في أوروبا، ما من شأنه أن يكون مثيرا للإعجاب إن لم تكن معدلات النمو في بقية أوروبا مشلولة. وبشكل مشابه، هبط معدل البطالة في أسبانيا – ليصبح بالكاد 23 بالمئة. أفضل اعتبار من لا يزالون متحمسين، بشأن إجراء الاتحاد الأوروبي لتحسينات تافهة كدليل على التحول الجذري، كضوضاء في خلفية الحطام.

ستكون أضرار تخلف اليونان عن تسديد الديون وانسحابها من منطقة اليورو خطيرة. ولكن إن كان آخرون يرون اليونان كمؤشر للأحداث، وليست استثناء، فإنهم قد يحسبون أن الضرر الناتج، عن إعادة هيكلة الديون من جانب واحد، منطقي ويقدم لليونانيين عملة حتى يتمكنوا على الأقل إدارة شؤونهم. لا يرجع الخوف من خروج اليونان من منطقة اليورو إلى أي انهيار مؤسسي محتمل، بل إلى الوعي التام بأن العملات السيادية يمكنها أن تفيد الدول المتضررة – وهو حال الكثير من دول أوروبا.

أقدر بالفعل أن الاتحاد الأوروبي كان من المفترض أن يكون أكثر من ساحة للمقترضين والمقرضين. كان من المفترض أن يكون ساحة أخلاقية تذوب فيها المعاناة التاريخية الناتجة عن الحروب الأوروبية. لكن بينما قد تكون فكرة أن السلام الأوروبي يعتمد على الازدهار صحيحة، كان ذلك الازدهار مفقودا. فالاقتصادات تعلو وتهبط، ولم يحدث ذلك لأوروبا بالتوازي. يعتبر البعض أكبر الرابحين، مثل ألمانيا، بينما يعتبر الكثيرون خاسرين، مع اختلاف درجة الخسارة. إن كان قيام حضارة أوروبية مسالمة يستند على الازدهار، حسبما تزعم وثيقة الاتحاد الأوروبي، فأوروبا في مشكلة.

المشكلة بسيطة. فالمؤسسات الجوهرية بالاتحاد الأوروبي لم تعمل كمصدرات أحكام، بل عملت كوكالات لتحصيل الديون، وقد عرف اليونانيون مدى عدم مبالاة تلك الوكلات عندما تساعدها الحكومات المتعاونة. وهو ما أدركته بقية أوروبا أيضا، لذلك تزداد الأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي في أنحاء الاتحاد. تريد ألمانيا، وهي الدولة الأكثر تعرضا للتهديد من قبل الشعور المتصاعد المناهض للاتحاد الأوروبي، أن توضح أن المقترضين يواجهون ثمنا باهظا في حال التخلف عن السداد. وإن كانت المقاومة مقتصرة على اليونان، فإن الألمان قد نجحوا. ولكن إن انتشرت المقاومة إلى دول أخرى، وهو ما أظن أنه سيحدث، ستؤدي ثورة الدول المقترضة ضد الاتحاد إلى مشكلات كبيرة لألمانيا، لتهدد علاقة القوة الاقتصادية الهائلة ببقية أوروبا.

جورج فريدمان مؤسس شركة "ستراتفور".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب