متى تُوفي السعودية بتعهداتها للمدنيين في اليمن؟

تقرير صحفي

 بعد شهرين من إبداء الالتزام بدفع 274 مليون دولار لضحايا الحرب الأهلية اليمنية الجارية، لم ترسل المملكة العربية السعودية بعد الأموال إلى وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، بل ووضعت شروطًا حول كيفية إنفاقها – ومن بينها، على نحو محتمل، منعها عن المناطق التي يُسيطر عليها المتمردون الحوثيون، والتي تقصفها المملكة بشكل أكبر.

في مواجهة عجز الإنفاق، أعلن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، يوم الأربعاء، عن نداء "عاجل" في محاولة لتسريع تسليم الإغاثة إلى بعض اليمنيين – يقدّر عددهم بـ 21 مليون شخص – الذين أجبروا على إجلاء منازلهم أو المحرومين من الماء، والغذاء، والإمدادات الطبية. ذكر شهود رؤية لاجئين يلاحقون شاحنات المياه في بعض القطاعات اليمنية، وفي بعض القطاعات الأخرى، تُركت الأدوية الممنوحة لتفسد في الشمس الحارقة بسبب عدم توافر مكان آمن لتخزينها.

سيطلب النداء الجديد من المتبرعين الدوليين استكمال فارق التمويل الذي تعهدت به الرياض مبدأيًا، يوم 17 أبريل، من أجل تقديمه كاملًا. لن تعلّق المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية حول إن كان النداء العاجل الجديد – الذي يصل إجماله إلى 274 مليون دولار أيضًا – سيطلب من المتبرعين دفع المبلغ كاملًا، أم أن الأمم المتحدة لا تزال معتمدة على التمويل السعودي.

"أرى حقيقة أن الأموال لم تسلم على أنها أمر غريب للغاية وصعب التفسير"، حسبما علّق جويل آر شارني، نائب رئيس السياسات الإنسانية بتحالف "إنتر أكشن"، وهو تحالف لمنظمات الإغاثة والمناصرة حول العالم ومقرّه بواشنطن.

يأتي الغموض حول تقديم الإغاثة في توقيت حاسم بالنسبة إلى اليمن. حيث يحتاج أربعة من كل خمسة يمنيين إلى صورة من صور الإغاثة الإنسانية، وهو رقم ارتفع بمقدار 33 بالمئة عن أواخر عام 2014، من 16 مليون إلى 21 مليون.

في غضون ذلك، تستمر الضربات الجوية السعودية لسحق المتمردين الحوثيين الذين اعتدوا بشكل عنيف على الحكومة اليمنية. حتى ثلاثة أسابيع مضت، وفق أحدث بيانات متاحة، لقي حوالي 2000 شخص مصرعهم إثر القتال منذ شهر مارس، وفق منظمة الصحة العالمية. واجهت الرياض أيضًا انتقادات شديدة – من قِبل الأمم المتحدة ومراقبي حقوق الإنسان – بسبب تعريض المدنيين اليمنيين للخطر عبر تنفيذ هجمات عشوائية.

تعثرت محادثات السلام التي أجريت في جنيف، يوم الأربعاء، تحت رعاية الأمم المتحدة، دون إحراز الكثير من التقدم نحو وقف لإطلاق النار، فيما يرى على نطاق واسع كحرب بالوكالة بين المملكة المسلمة السُنية في السعودية ونظام الملالي الشيعي في إيران. الحوثيون في اليمن شيعة، وحصلوا على بعض المساعدة من طهران منذ الإطاحة بالحكومة المتحالفة مع السعودية في صنعاء الخريف الماضي.

منذ بدء العام الجاري، قدّمت الوكالات التابعة للأمم المتحدة، والدول المانحة، والشركات الخاصة، مساعدات لليمن بقيمة 206 مليون دولار، وفق إحصاء الأمم المتحدة الذي تم تحديثه يوم الأربعاء. بينما لم يتم تضمين التبرع السعودي الموعود في إحصاء الأمم المتحدة، حيث بلغت التعهدات السعودية قيمة 168 مليون دولار لم تسلّم حتى الآن.

أعربت المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، آماندا بيت، عن وجود "احتياجات هائلة وضاغطة على الأرض" في اليمن، والتي تصاعدت منذ تفاقم الحرب خلال الربيع الماضي. بدأت الرياض ضرباتها الجوية ضد الحوثيين في اليمن في أواخر مارس الماضي. وأضافت بيت أن المكتب لا يزال يناقش مع المملكة "وسائل" تحويل الأموال. بينما رفضت أن تُدلي بالمزيد من التفاصيل.

صرّح المتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن، نائل الجبير، لمجلة "فورين بوليسي" أنه "ليس هناك أي ممانعة من جانب المملكة" لتقديم التعهد ذي قيمة 274 مليون دولار. لكنه أضاف أن الأموال ستسلم من خلال المركز السعودي للإغاثة والأعمال الإنسانية، وأن الرياض تنسق مع الأمم المتحدة بشأن "تطوير الآليات فيما يتعلق بموقع وكيفية إنفاق الأموال".

لم يرد الجبير، وهو شقيق وزير الخارجية المعين حديثًا عادل الجبير، على سؤال محدد حول إن كانت الرياض ترفض إتاحة التبرع للاجئين في المناطق الحوثية.

لكن في مذكرة بتاريخ 16 يونيو، والتي وصفت أجزاء منها للمجلة، أشار منسق الإغاثة العاجلة بالأمم المتحدة، ستيفن أوبراين، إلى إصرار الرياض على لعب دور أكثر مباشرة في توجيه أموال الإغاثة، والإشراف عليها من ناحية أخرى. كما وصفت المذكرة المخاوف السعودية حول سرعة وكفاءة الأمم المتحدة في توزيع الأموال. حيث كانت المذكرة موجهة إلى المسؤولين المشرفين على اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات، المشكلة من منظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية. لم تطلع "فورين بوليسي" على الرسالة، التي حصل عليها مصدر مطلع على المفاوضات الجارية، ورفضت بيت تأكيد أو نفي الرسالة.

قالت بيت إن الرياض قد دعت أوبراين الأسبوع الماضي لزيارة السعودية لبحث الأزمة الإنسانية اليمنية. وأوفد مكتب تنسيق الجهود الإنسانية الأسبوع الجاري مدير العمليات بالمكتب، جون جينج، إلى مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بالرياض للقاء حول الإغاثة، حسبما أوضحت بيت.

"ملخص الأمر أنهم لا يريدون أن تذهب الإغاثة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين"، حسبما علّق أحد عمال الإغاثة بمنظمة غير حكومية لديها موظفين في اليمن.

تحجم الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة غير الهادفة للربح بشكل عام عن الدول المانحة التي تضع شروطًا حول المساهمات الإنسانية، خشية أن تستخدم الأموال لتحقيق أهداف سياسية. في حالة اليمن، وفيما يعتقد أنه مستوى غير مسبوق من الدعم، تعهدت السعودية بتمويل طلب الأمم المتحدة لمبلغ 274 مليون دولار بالكامل، رغم أن طلب الإغاثة الذي أعلنته الهيئة الدولية موجه إلى دول العالم أجمع.

إلا أن التبرع السخي أثار مخاوف حول أن الرياض تحاول دفع الانتقادات التي تتهم السعودية بقصف المناطق الحوثية عشوائيًا دون وضع اعتبار للمدنيين على الأرض. قالت بعض منظمات الإغاثة بشكل سري إنها سترفض الأموال طالما استمرت السعودية في تنفيذ الضربات الجوية على نسق شبه يومي واستمرت في حصار السواحل وإغلاق المطارات اليمنية، الذي أدى إلى منع دخول الإغاثة إلى البلاد.

منذ تعهدت السعودية بالوفاء بالنداء العاجل كاملًا، لا تشعر الدول الأخرى المانحة على الأرجح باضطرارها للتدخل بتمويلات إضافة بينما تتفاوض الرياض والأمم المتحدة حول كيفية استخدام الأموال، حسبما أوضح شارني. حاليًا، تحث منظمات الإغاثة دول أخرى، بينها الولايات المتحدة، على التدخل وتسديد الفارق، "لكن حتى ذلك لن يفي بالغرض، في ضوء حجم الاحتياجات وانعدام الأمن الذي يواجهه الشعب بشكل يومي"، حسبما علّق سكوت تي بول، مستشار السياسات الإنسانية البارز باتحاد أوكسفام.

يمثل اتحاد أوكسفام واحدًا من عدد ضئيل من منظمات الإغاثة الدولية العاملة في اليمن. تعرض أحد مستودعاته، الذي احتوى أدوية، وغذاء، وإمدادات إغاثة أخرى، للقصف في منتصف أبريل. علاوة على ذلك، هناك مَن تعرض مِن موظفي الهيئة الطبية الدولية للإصابة إثر ضربة جوية خلال ذلك الشهر. تعتقد منظمتا الإغاثة أن الضربات الجوية كانت موجهة من قِبل السعودية.

قدّر شارني أنه عادة ما يستغرق الأمر عدة أسابيع، وأحيانا شهر، حتى تحول دولة مانحة أموال الطلب العاجل إلى الأمم المتحدة، والتي توزعه بعد ذلك على عاملي الإغاثة في مناطق الأزمات.

يشير عدم تحويل ذلك التمويل السعودي حتى الآن – وقد مر شهرين منذ التعهد بتقديمه – إلى أن الرياض "تريد التحكم في الكيفية التفصيلية لاستخدام الأموال"، حسبما أشار شارني. "ما يضع الأمم المتحدة في موقف أصعب".

تصحيح بتاريخ 18 يونيو 2015: لم تعلن الأمم المتحدة عن قيمة محددة بالدولار للطلب العاجل الجديد الذي سيعلن عنه يوم الجمعة، 19 يونيو 2015. حيث ذكرت نسخة سابقة من هذا المقال أنها ستكون 274 مليون دولار – وهي نفس قيمة التبرع السعودي السابق.

لارا جاكس، نائبة مدير تحرير الأنباء بمجلة "فورين بوليسي". ومراسلة حرب ومديرة مكتب بغداد سابقًا.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب