معركة الرمادي ضمن سياقها الأوسع: المتمردون لا تتزايد قوتهم

تقرير صحفي

 فيما كان انتكاسةً كبيرة للهجوم الذي تشنه الحكومة العراقية لاستعادة محافظة الأنبار، فرت قوات الأمن العراقية من الرمادي بينما تولى مسلحو الدولة الإسلامية (داعش) السيطرة الكاملة على عاصمة المحافظة في 17 مايو. اعتبرت خسارة الرمادي إحراجا كبيرا لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وزادت من الشكوك حول جاهزية قوات الأمن العراقية وفاعلية الاستراتيجية العسكرية الأمريكية التي تركز على الضربات الجوية، الاستشارة، وتدريب تلك القوات.

في مارس الماضي، بعد النجاح في استعادة السيطرة على مدينة تكريت، أعلن العبادي بجرأة – هادفا إلى تعزيز سلطته السياسية – أن الهجوم القادم سوف يحرر محافظة الأنبار من داعش. سوف تتكون العملية من قوات أمن عراقية بشكلٍ أساسي، بالتعاون مع القبائل السنية وبمساعدة قوة الولايات المتحدة الجوية. للأسف، أجبر انسحاب القوات العراقية وعدم فاعلية الضربات الجوية الأمريكية العبادي الآن على التحول مجددا إلى الميليشات الشيعية للمساعدة في دحر مكاسب داعش.

لم يكتب لخطة تسليح رجال القبائل العربية السنية أن تتحقق ابدا بسبب مخاوف الشيعة العرب من تقوية ميليشات عربية سنية. الأسبوع الماضي، سافر محافظ نيننوى أثيل النجيفي ونائب رئيس الوزراء السابق رافي العيساوي إلى واشنطن لدفع المسؤولين الأمريكيين إما إلى زيادة الضغط على بغداد لتسليح القبائل السنية، أو تسليح القبائل السنية مباشرةً. أعقبت الزيارة ذهاب وفد كردي إلى واشنطن بقيادة رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني، والذي اشتكى من أن بغداد أعاقت أو منعت تدفق الأسلحة إلى الأكراد.

أشارت وسائل الإعلام العالمية إلى سقوط الرمادي كدليلٍ واضح على أن قوة داعش تتصاعد وسط استراتيجية عسكرية أمريكية فاشلة لمكافحة توسعها وقوتها المتنامية. تركت قوات الأمن العراقية المنسحبة خلفها دباباتٍ امريكية الصنع، ناقلات جنود، وعربات هامفي. وفي استراتيجيةٍ معتادة لإعادة ملء صفوفها، أوردت تقارير أن داعش قد حررت مقاتلين كانوا محتجزين في السجن. "جميع السجناء الأربعمئة كانوا مرتبطين بمسلحي داعش، ومن ضمنهم مقاتلين وقادة خطرين كانوا محتجزين من قِبل قوات الأمن العراقية في الرمادي"، قال مصدر أمني بالمحافظة لوكالة أنباء كردية. ليس هناك شك في أن الاستيلاء على الرمادي سوف يعطي داعش قوةً نيرانيةً أكبر على المدى القصير، لكن من غير الوضح ما إذا كانت ستصب في مصلحتها على المدى الطويل.

بينما جنت داعش قدراتٍ مادية وموارد مالية جديدة، فإن انتصارها في الرمادي ليس بالضرورة مؤشرا على صعودها. لا يلقي هجوم الرمادي الضوء على قوة داعش بالضرورة، وإنما على حركة مد وجزر أكثر دلالة على انحدارها التدريجي الكلي في العراق. بينما يبدو هذا غير بديهي في سياق استيلاء داعش على مدينة كبيرة بينما تهرب القوات الحكومية، فإنه من المهم الأخذ في الاعتبارالسياق الإستراتيجي لانتصارها وردود الفعل التي من المرجح أن يثيره.

اولا، لم تفلت الرمادي من السيطرة الحكومية فجأةً إلى أيدي المتمردين. بالفعل، من الخاطيء الافتراض أن الحكومة في بغداد كانت تسيطر على المنطقة في أي وقتٍ من البداية. منذ أواخر ديسمبر 2013 وأوائل يناير 2014، كانت الرمادي ومدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار مدينتان متنازع عليهما بينما اندفع مسلحي داعش إلى العراق عقب خسارتهم مناطق في سوريا المجاورة. ظلت محافظة الأنبار، والتي كانت مركز التمرد العربي السين طوال مدة الاحتلال العسكري الأمريكي، على علاقةٍ عدائية بالحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة وتخدم كأرضٍ خصبة للعسكرة السنية.

ثانيا، لا يستطيع المرء قياس قوة داعش كجماعة تمرد بواسطة نقاط الضعف والعيوب الجوهرية لخصومها في بيئةٍ سياقيةٍ بعينها. ليس لدى داعش خصوما حقيقيين من المتمردين السنة. فرغم أنها كانت تشكل نسبةً صغيرة من التمرد الكلي خلال سقوط الموصل في يونيو الماضي، لكن التنظيم قد أحكم قبضته على مشهد التمرد حاليا. في تلك الأثناء، تبقى قوات الأمن العراقية مؤسسةً وطنيةً ضعيفة وتفتقد الدافع للقتال والموت في أي محاولةٍ لتحرير الأراضي السنية. يعتبر السكان السنة المحليون بنسبةٍ كبيرة أي وجود أمني وطني غير طبيعي وتقوده دوافع طائفية، مفضلين الحماية من قوات أمن محلية. بالإضافة إلى ذلك، فالخصومات ما بين السنة وانهيار الهياكل القبلية قد سببا انشقاقات، حيث يدعم بعض رجال القبائل داعش ويقاتل ضدها آخرون (يشكو الأخيرين من كون حكومة العبادي لا تسلحهم بالشكل الكافي).

وأخيرا، يعقب استيلاء داعش على عاصمة الأنبار خسارة مناطق في محافظتي صلاح الدين وديالا وإثبات التنظيم عجزه عن اختراق المناطق الشيعية والكردية كثيفة السكان. بالتأكيد فإن القوة النسبية الواضحة – وتقييم أكثر دقة لاستمرار صعود التنظيم – كانت لتظهر لو أن مسلحي التنظيم قاموا بتوسيع نطاق سيطرتهم وعملياتهم خارج المناطق التي يسكنها السنة في العراق. لكن على مدى الحرب منذ صيف عام 2014، فشلت داعش في دفع حدودها لتتجاوز الحدود الطائفية، غير قادرةً على الاستيلاء على والاحتفاظ بالمناطق التي يسكنها الشيعة أو الأكراد.

لكن رغم المبالغة في أهمية استيلاء داعش على الرمادي، فإن الحدث قد ألحق الضرر بالفعل بمكانة العبادي السياسية في بغداد، جاعلا إياه أكثر إعتمادا على الميليشات الشيعية. وقد أدى ايضا إلى زيادة الشكوك حول الاستراتيجية الأمريكية الحالية في واشنطن، فيما سوف يؤدي على الأرجح إلى تعقيد وتأجيل الخطط لاستعادة الموصل.

خسارة الرمادي يبدو أنها قد غيرت وضع البيت الأبيض مقابل الميليشات الشيعية. فبخلاف ما حدث خلال هجوم تكريت، حيث تنحت الولايات المتحدة جانبا بسبب المشاركة الكثيفة لقوات الميليشات، فإن الولايات المتحدة الآن مستعدة للاستمرار في حملة القصف التي تقوم بها ضد الأهداف التابعة لداعش طالما ظلت قوات الميليشات تلك مدمجة في هيكل تحكم وسيطرة يستجيب للحكومة المركزية. حسب بيانٍ للبيت الأبيض، فقد وافقت بغداد على "إسراع عملية تدريب وتسليح القبائل المحلية بالتنسيق مع سلطات الأنبار" بهدف "تطوير خطة محكمة لاستعادة الرمادي حيث تكون كل القوات الملحقة تعمل تحت القيادة العراقية". وبينما كان ينبغي اتخاذ هذه الخطوة منذ وقتٍ طويل، فإن الزمن وحده سيحكم إذا ما كان العراقيون قادرين على التحرك في جهدٍ متناغم، خاصةً بينما تظلل الخصومات السياسية والمنافسة على النفوذ والأصوات الانتخابية المعركة ضد داعش.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب