نيويورك تايمز تسأل: كيف صعد ابن سلمان بشكل مفاجئ على رأس السلطة السعودية؟

مقال رأي

 حتى شهر يناير الماضي، كان الأمير محمد بن سلمان، 29 عاما، أحد أفراد العائلة الملكية السعودية الذي انخرط في تجارة الأسهم والعقارات.

نشأ الأمير محمد مختفيا بين ثلاث إخوة كبار غير أشقاء، والذين كانوا من بين الأبرع في المملكة – أول رائد فضاء عربي؛ باحث سياسي درس في جامعة أوكسفورد وكان سابقا زميل أبحاث بجامعة "جورجتاون" وأسس شركة استثمارات كبيرة؛ ونائب لوزير النفط متمتع بتقدير كبير.

لكن ذلك الوضع كان قبل أن يصعد والدهم الملك سلمان بن عبد العزيز، 79 عاما، إلى العرش. أما الآن، أصبح الأمير محمد، الابن الأكبر لثالث وآخر زوجات الملك، النجم الصاعد في المملكة.

جمع الأمير سريعا المزيد من السلطات، أكثر مما حصل عليه أي أمير من قبل، منقلبا على النظام طويل الأمد الخاص بتوزيع المناصب على العائلة الملكية للمساعدة في حفظ وحدتها، وقد استغل نفوذه المتصاعد من أجل تولي دور قيادي في الموقف السعودي الحازم مؤخرا بالمنطقة، ليتضمن ذلك التدخل العسكري في اليمن.

خلال الأشهر الأربعة التي مرت على تتويجه ملكا، جعل الملك سلمان ابنه محمد مسؤولا عن احتكار الدولة للنفط، وشركة الاستثمارات العامة، والسياسات الاقتصادية، ووزيرا للدفاع.

هو القائد الأكثر ظهورا فيما يتعلق بالحرب الجوية السعودية في اليمن، التي بدأت منذ شهرين، ونصبه والده نائبا لولي العهد، ليتجاوز عشرات الأمراء الأكبر سنا ويصبح الوريث الثاني للعرش. أصيبت المملكة بالدهشة إثر إبعاد سلمان لأخيه الأصغر غير الشقيق، الأمير مقرن بن عبد العزيز، 69 عاما، من منصب ولي العهد واستبداله بولي العهد الأمير محمد بن نايف، 55 عاما، وزير الداخلية المعروف. وليس للأمير محمد بن نايف، ابن أخو سلمان، أي ورثة ذكور، وبذلك يصبح محمد بن سلمان وريث العرش من بعده.

دفعت تلك التغييرات الجذرية الأمير الشاب إلى السلطة في فترة تخوض فيها السعودية سلسلة  من الصراعات المتصاعدة الهادفة إلى الدفاع عن رؤيتها للنظام الإقليمي، وصد عدوتها الرئيسية، إيران. تغذي المملكة ماليا حكام مصر والأردن، وتعزز الملكية السُنية في جارتها البحرين ضد ثورة من قِبل الأغلبية الشيعية. كما تسلح المتمردين في سوريا أمام الرئيس المدعوم من إيران، وتقاتل في الحملة الجوية ذات القيادة الأمريكية في العراق وتقود هجوما جويا خاصا بها ضد الفصيل المدعوم من إيران في اليمن. تكثف السعودية انفاقها العسكري حتى مع أسعار النفط الهابطة والمصروفات المحلية المتزايدة، ما أدى إلى انخفاض احتياطياتها المالية بقيمة 50 مليار دولار على مدار الشهور الستة الأخيرة، لتصبح أقل من 700 مليار دولار.

"من الواضح أن الملك قد وضع ابنه على منحنى تعليمي حاد للغاية"، حسبما قال فورد إم فراكير، رئيس مجلس سياسات الشرق الأوسط والسفير الأمريكي السابق في الرياض. "يبدو الملك مقتنعا بشكل واضح بأن ابنه على مستوى التحدي".

لكن بعض الدبلوماسيين الغربيين، الذين رفضوا الكشف عن هويتهم خوفا من استعداء الأمير والملك، يقولون إنهم قلقين بشأن النفوذ المتصاعد للأمير، بل ووصفه أحدهم بأنه "طائش" و"متهور". وفي مقابلات، أوضح أميران اثنان على الأقل من الجيل الأبرز في العائلة الملكية أن بعض الأعضاء الأكبر سنا من العائلة لديهم شكوك أيضا. حيث تسائلوا عن تكاليف ومكاسب حملة اليمن التي قادها الأمير محمد.

يتمتع الملك سلمان بالتأكيد بسلطة مطلقة، وقال بعض الدبلوماسيين الذين التقوا بالأمير محمد بن سلمان وولي العهد محمد نايف في الشهور الأخيرة إن الأمير الأكبر قد بدا في منزلة العم بالنسبة إلى أبناء عمومته الأصغر. وقال كثيرون إن ولي العهد بدا عاملا بجد من أجل توجيه وتدريب الأمير محمد بن سلمان. بينما قال دبلوماسيون آخرون إنهم اعتقدوا أن الأمير محمد بن سلمان قد لعب دورا أكبر في دعم حملة اليمن.

بعد لقاء مع الأميرين في لقاء قمة لدول الخليج بكامب ديفيد الشهر الماضي، قال الرئيس أوباما إن الأمير الأصغر محمد "أذهلنا لمعرفته الكبيرة وذكائه المتقد".

"أظن أنه قد سبق سنه حكمة"، حسبما وصفه أوباما في مقابلة مع شبكة "العربية" المملوكة للسعودية.

لكن الباحثين يقولون إن تراكم قدر كبير للغاية من المسؤوليات في أيدي فرع واحد من العائلة – مع تجاوز كونها في يد أمير شاب – يتعارض مع نظام تشارك السلطة داخل العائلة، الذي بدأ عند تأسيس الدولة السعودية الحديثة على يد الملك عبد الله بن سعود منذ ثمانية عقود. وقد أدى ذلك التشارك لإنهاء عقود من الاقتتال العنيف، أحيانا، وساعد في الحفاظ على وحدة العائلة حتى الآن.

ترأس أولياء العهد طويلا دواوينهم الملكية وأعضاء الطاقم التنفيذي التابع لها. بينما توزع معظم المناصب الوزارية الأخرى – والأهم، المتحكمة في الجيش، والحرس الوطني، والأمن الداخلي – بين أمراء آخرين. بيد أن الوزارات الحساسة مثل النفط والمالية أبقيت على الحياد، حيث تولاها وزراء تكنوقراط من خارج العائلة.

لكن الملك سلمان انقلب على ذلك. حيث عين الأمير محمد في منصب رئيسا لديوانه الملكي وضم ديوان ولي العهد إلى ديوانه الخاص. وحوّل تبعية شركة النفط الحكومية إلى الأمير محمد، بعد أن كانت تابعة لوزارة النفط، كما تم تعيين محمد على رأس مجلس سياسات اقتصادية شكل حديثا، ووزيرا للدفاع (كان الملك سلمان وزيرا للدفاع).

كما يتوقع أن يستولي الأمير محمد على قيادة الحرس الوطني، بدلا من ابن عمه الأمير متعب بن عبد الله، وفق أحد مساعدي الأمير متعب ودبلوماسيين غربيين. سيؤدي ذلك التغيير إلى توحيد القوتين تحت مظلة وزارة الدفاع، وسيؤدي أيضا إلى تغيير جذري في توازن السلطات بالعائلة.

أما إخوة الأمير محمد الثلاثة الكبار – أبناء زوجة أبيهم الأولى، سلطانة بنت التركي السديري، التي توفيت عام 2011 – جميعهم يتمتعون بسير ذاتية متميزة واعتبروا من قبل متنافسين على أبرز المناصب الحكومية.

الأمير سلطان بن سلمان آل سعود، 58 عاما، عقيد سابق بالقوات الجوية السعودية، رائد فضاء سابق كان على متن مركبة الفضاء "ديسكوفري" عام 1985، ويترأس الآن وكالة للسياحة والآثار. الأمير عبد العزيز بن سلمان، الذي يعتقد أن عمره حوالي 55 عاما، هو نائب وزير النفط والذي ناصر جهود تحديث الصناعة. أما الأمير فيصل بن سلمان، 44 عاما، يحمل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة أوكسفورد، كان زميل أبحاث بجامعة "جورجتاون"، أسس واحدة من أكبر شركات الاستثمار السعودية، "جدوى"، ويعمل حاكما للمدينة المنورة.

وعلى النقيض، يحمل الأمير محمد درجة البكالوريوس في القانون من جامعة الملك سعود في الرياض ولم يدرس خارج المملكة أبدا.

إلا أن الأمير محمد هو الابن الأكبر لزوجة الملك الثالثة والأخيرة، فهدة بنت الفلاح بن سلطان، والتي عملت جاهدة للتروج له كوريث والده، وفق دبلوماسيون غربيون يعرفون العائلة، عدة أفراد من العائلة، وشركاء عملوا مع العائلة.

"إنه ابنها الأكبر"، "بالنسبة إليها هو مجدها في نهاية الأمر"، حسبما علق أحد الشركاء الذين عملوا طويلا وبشكل وثيق مع العائلة.

بدا الأمير محمد مخططا لمستقبله في الحكومة منذ عمر مبكر، حسبما قال أحد المقربين من العائلة، والذي يعرفه جيدا. فعلى خلاف أمراء سعوديين آخرين من جيله، لم يدخن الأمير محمد أبدا، ولم يشرب أي مشروبات كحولية ولم يخرج حتى وقت متأخر. "لقد بدا واضحا لي أنه كان يخطط لمستقبله – كان دائما مهتما بصورته"، حسبما أوضح المصدر.

أصبح الأمير محمد دائم الحضور إلى جانب والده، وفق الأصدقاء، والأقارب، والشركاء. ففي نهاية المطاف، حمل الأمير محمد ألقابا رسمية بصفته مستشارا لوالده، عندما كان حاكما للرياض ووزيرا للدفاع.

"كونه صاحب الملك سلمان بشكل دائم – يمكنك تخيل ما تعلمه"، حسبما قالت د. سلوى الهزاع، طبيبة العائلة الملكية وعضوة مجلس الشورى الاستشاري المعين من قِبل الملك. "هل تحتاج إلى شخص تعلم في الولايات المتحدة، أم إلى شخص كان ظلا لوالده؟"

يعلق دبلوماسيون حاليون وسابقون ذوي خبرة كبيرة في الشأن السعودي بأنهم بالكاد يعرفون الأمير محمد. فنادرا، إن لم يكن مطلقا، ما أجرى مقابلات، حتى مع وسائل الإعلام السعودية الداعمة.

تقول سيرة الأمير الرسمية بشكل غامض إنه "عمل لحسابه الخاص" و"اكتسب خبرة تجارية عبر تأسيس عدة شركات واستثمارات". ويعلق رجال أعمال في الرياض بأنه كان معروفا بتجارته النشطة في الأسهم والعقارات.

يوضح الشركاء أنه يحب ممارسة التزلج على الماء والرياضات المائية الأخرى في البحر الأحمر أو خلال رحلاته. كما أنه معجب بهاتف "أيفون" والمنتجات الأخرى لشركة "آبل". ونمى لديه حب مبكر وأزلي لليابان، والتي تظل دولته المفضلة، حسبما أوضح شريك مقرب. فعندما تزوج الأمير محمد لأول مرة منذ عدة سنوات، أخذ زوجته إلى شهر عسل استمر شهرين في اليابان والمالديفز. (تزوج محمد مؤخرا زوجته الثانية، حسبما أوضح شركاء).

كان أبرز أدواره المعلنة إدارة مؤسسة الأمير محمد بن سلمان، الهادفة بشكل كبير إلى تنمية الشباب السعودي، حيث أقامت المؤسسة مؤتمرات حول استخدامات موقعي "تويتر" و"يوتيوب"، واستكشفت إنتاج رسوم متحركة على طريقة "المانجا" اليابانية لعرض الثقافة العربية.

من التعليقات المتكررة في وسائل الإعلام الحكومية، عند إجراء مقابلات مع مواطنين سعوديين في شوارع الرياض خلال الأيام الأخيرة، إشادتهم بمحمد بوصفه ممثلا للفئة التي يقل عمرها عن 30 عاما من الشعب السعودي، والتي تصل إلى حوالي 70 بالمئة من الشعب.

رغم أن السعوديون يكونون عادة ممانعين للمعارضة الواضحة للنظام، إلا أن العديدين قالوا إنهم قلقون بشأن صعوده. "إنها عائلة كبيرة تتنافس على الحكم، ووجود شاب صغير متحكم في الحكومة سيؤدي إلى خلق مشكلات كثيرة"، حسبما عبر رجل في منتصف العمر في مقهى مفتوح، والذي قال إن اسمه "أبو صلاح" فقط. وتابع: "نحن قلقون للغاية بشأن المستقبل".

بينما علق أبو فهد، وهو رجل أعمال يرتشف القهوة في فندق فاخر، "لقد أصبح فجأة عالما بكل شيء، ولكن عمره 29 عاما فقط، فماذا يعرف؟".

 

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب