هل تُنهي الجسور الدبلوماسية العمانية النزاعات في الشرق الأوسط؟

مقال رأي

 سافر مسؤولون أمريكيون الشهر الماضي إلى عمان لإجراء مباحثات "سرية" مع وفد حوثي. حيث ناقش الطرفان تحقيق وقف لإطلاق النار والتحول السياسي في اليمن. بينما تواصلت إدارة أوباما والقادة الحوثيون عبر وسطاء عمانيين مبكرا من العام الحالي، سجل الاجتماع في مسقط أول محادثات رفيعة المستوى بين واشنطن والحوثيين منذ دشنت الرياض عملية عاصفة الحزم في مارس. يؤكد اللقاء على الدور العماني الفريد في النظام الجيوسياسي الشرق أوسطي كجسر دبلوماسي بين إيران من جهة، والدول العربية السنية وحلفائها الغربيين، من جهة أخرى.

السياق الجيوسياسي

دعمت واشنطن بشكل أولي التحالف العسكري تحت قيادة السعودية ضد الحوثيين عبر تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجيستي. إلا أنه في ضوء فشل الرياض في تحقيق أهدافها المعلنة على نحو قاطع، أصبحت إدارة أوباما قلقة على نحو متزايد بسبب الاستفادة الحصرية للتابعين المحليين لتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية من الفوضى الممتدة على الأرض في اليمن. ورغم المصالح الأمريكية المتداخلة مع مصالح إيران والحوثيين، تقبل الولايات المتحدة بضرورة إشراك طهران وجماعة أنصار الله (الجناح المسلح للحوثيين) في أي محادثات قد تؤدي على نحو محتمل إلى تسوية سياسية. وبالتالي قدمت إدارة أوباما مبادرات دبلوماسية لكلا إيران والحوثيين في محاولة لتعزيز الاستقرار في اليمن.

رغم غارة الدرون الأمريكية يوم 16 يونيو التي قتلت ناصر الوحيشي، قائد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، تنزلق اليمن إلى المزيد من الفوضى بعد انهيار حكومة الرئيس المنفي عبد ربه منصور هادي (وهو شريك رئيسي في حرب الدرون الأمريكية المثيرة للجدل ضد المتطرفين الإسلاميين)، وأدى تدشين الرياض لعملية عاصفة الحزم إلى إعاقة استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب الموجهة ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. وبالتالي، اضطرت إدارة أوباما إلى التعامل مع واقع جديد ينطوي على وجود جماعة أنصار الله كحائط الصد الوحيد الفعال في اليمن أمام تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، حيث استولت الجماعة على نحو عنيف على مناطق استراتيجية من البلاد منذ بدأت السعودية قصف اليمن. بينما تقلق الولايات المتحدة بشأن توسع النفوذ الإيراني في اليمن، تبدو واشنطن أكثر قلقا تجاه تنظيم القاعدة، الذي حاول، على خلاف جماعة أنصار الله، تنفيذ أعمال إرهابية على الأراضي الأمريكية.

الحياد الاستراتيجي الذي تتبناه عمان في اليمن

حافظ السلطان قابوس بن سعيد السعيد – الذي يحكم عمان منذ عام 1970 – تاريخيا على موقف محايد نسبيا تجاه الصراعات الإقليمية، ما سمح لمسقط في الكثير من الأحيان بكسب نفوذ كوسيط سلام موثوق فيه. منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، حافظت عمان على أفضل شروط لعلاقتها مع إيران. فخلال الحرب الإيرانية العراقية، استضافت مسقط مفاوضات وقف إطلاق النار بين بغداد وطهران. وفي عام 2011، ساعدت عمان في تأمين إطلاق سراح اثنين من متسلقي الجبال الأمريكيين المحتجزين في إيران. وفي العام التالي، استضاف قابوس محادثات سرية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين نتج عنها توقيع الاتفاق النووي الإطاري بين إيران والقوى العالمية. يظل دور عمان الحالي كوسيط بين الممثلين الحوثيين والمسؤولين الأمريكيين متسقا مع النهج التاريخي لقابوس بصدد السياسة الخارجية.

في ضوء كونها الدولة المسلمة الوحيدة في العالم ذات الأغلبية الإباضية، لا تتمتع عمان بذات المصالح في المعارك السنية الشيعية كحال الكثير من الأنظمة العربية والأطراف غير الحكومية. ومع ذلك، تعتبر مسقط الصراعات الإقليمية الجارية مهددة على نحو خطير لاستقرار مضيق هرمز، حيث تؤدي تلك الصراعات إلى تأجيج التوترات الطائفية في الخليج وتعزز كذلك العداوة بين الرياض وطهران.

بصفتها عضو مجلس التعاون الخليجي الوحيد الذي يدعم بشدة وبشكل قاطع المحادثات النووية لمجموعة "5+1" مع إيران، تخشى عمان أن الأحداث اليمنية قد تعيق احتمالات التوصل إلى اتفاق نووي شامل، والذي فعل السلطان الكثير لتسهيله. وفي ذات السياق، يقنتص السلطان الفرصة لتهدئة حدة التوترات الطائفية في الشرق الأوسط. وبصفتها العضو الوحيد بمجلس التعاون الخليجي الذي رفض المشاركة في حملة الرياض الجوية، تبدو عمان الملكية العربية الخليجية الوحيدة التي يثق فيها الحوثيون كوسيط سلام.

يؤثر التاريخ الحديث بشدة على المنظور العماني تجاه الأزمة اليمنية. فالمسؤولون في مسقط لم ينسوا تمرد ظفار، وهو تمرد ماركسي، تحت رعاية جنوب اليمن، أدى لزعزة استقرار جنوبي عمان، قبل أن يهزم قابوس المتمردين في فترة مبكرة من حكمه. دون شك، سيؤثر النظام السياسي الذي سيظهر في اليمن على فرص تحقق الاستقرار في حقبة ما بعد قابوس بعمان. ومع استعراض تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والتابع اليمني لداعش (المعروف باسم ولاية صنعاء) لعضلاتهما وسط الفوضى المستمرة في اليمن، تظل القيادة العمانية حساسة تجاه التهديدات الأمنية في محافظة ظفار. فأزمة اللاجئين اليمنيين المستمرة لا تمثل عبئا اقتصاديا فقط، بل ويمثل التهديد بدخول المتطرفين إلى السلطنة، عبر إدعائهم أنهم لاجئين حقيقيين، معضلة أمنية خطيرة بالنسبة لمسقط.

هل المهمة مستحيلة؟

تتم الإجراءات الدبلوماسية العمانية الجريئة إلى جانب الإجراءات التي تتبناها الأمم المتحدة. إلا أنه مع إثبات جهود الأمم المتحدة المستمرة لجمع الفصائل اليمنية المتحاربة على مائدة التفاوض عدم جواها حتى الآن، ستناضل عمان بشكل مشابه لتخطي العقبات التي تمنع الطرفين من المشاركة في محادثات السلام في جنيف.

أعلن وزير خارجية هادي، رياض ياسين، أن حكومة اليمن المنفية ستدعم فقط وقفا محدودا لإطلاق النار، يطبق فقط في حال سحب جماعة أنصار الله لقواتها خارج المدن اليمنية، وإنهاء حملتها في عدن، وإطلاق سراح جميع السجناء. وفي ضوء سيطرة الحوثيين على المزيد من الأراضي في اليمن بعد بدء السعودية لعملية عاصفة الحزم، يمكن القول بإن الحوثيين يتمتعون بحافز ضئيل لتقديم تنازلات إقليمية عند الاجتماع في سويسرا.

اشتدت العداوات الراسخة في اليمن رغم الجهود الطموحة من قبل الأمم المتحدة وعمان للتوسط لتحقيق السلام. ويظهر إطلاق الحوثيين لصاروخ سكود داخل جنوبي السعودية يوم 6 يونيو عدم تباطؤ التفاقم السريع للعداوات، مع امتداد الصراع إلى الجزء الشمالي من اليمن، ومع ازدياد سوء الأزمة الإنسانية في اليمن الفقيرة.

يتسائل المحللون حول إن كان قابوس متخذا لمحور قريب للغاية من طهران، ما قد يعرض علاقات عمان مع السعودية والملكيات الخليجية السنية بشكل محتمل للخطر. فقد تسامحت الرياض ودول مجلس التعاون الخليجي تاريخيا مع المبادرات الدبلوماسية العمانية تجاه إيران، ولكن في ضوء حساسية الأزمة اليمنية وعواقبها على السعودية، يبقى أن نرى كيف ستتجاوب الرياض مع جهود مسقط لاستضافة المحادثات بين إدارة أوباما والحوثيين. قد تحاول السعودية والممالك الخليجية الأخرى أن تضغط بشكل أكبر على خليفة قابوس (أيا كانت هويته) لصد إيران وإعادة مواءمة عمان بشكل أقرب إلى أقرانها من أعضاء مجلس التعاون الخليجي في الوقت المناسب.

وفي غضون ذلك، تبقى جهود مسقط لتعزيز استقرار اليمن غير مضمونة النتيجة. إلا أن رؤية السلطان المتعثرة للسلام في الشرق الاوسط المضطرب – في ضوء دور عمان كجسر دبلوماسي بين الخصوم – مستمرة في الإسهام في صياغة تاريخ المنطقة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب