هل ينجو آل سعود من تهديد داعش؟

مقال رأي

 هناك ما هو مألوف بشأن الحملة الإرهابية التي يشنها حاليا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) داخل المملكة السعودية. بالفعل، إنها تشبه كثيرا حملة تنظيم القاعدة التي مر عليها 12 عاما. في تلك الفترة، صد آل سعود عدوهم الجهادي بنجاح. ولكن هذه المرة يعتبر العدو أكثر مرونة وأوسع حيلة، وتبدو الكروت الإقليمية مجتمعة ضد المملكة. ستحتاج الرياض إلى التبصر، الحكم الرشيد، وفوق كل ذلك، استبطان الأمور لتكرر نجاها السابق.

رغم تركيز الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن بشكل رئيسي على استهداف الولايات المتحدة، إلا أن السعودية أيضا استحوذت على عقله. يجب أن تتم الإطاحة بالسعوديين، حسبما ظل يردد، لأنهم فتحوا الباب لهيمنة "الصليبيين والصهاينة" على العالم الإسلامي وخانوا القضية الفلسطينية لصالح "اليهود والأمريكان". ولكن بعيدا عن التجاوزات المتصورة، فهم بن لادن أنه سيحتاج في النهاية لشن حرب ضد السعودية على أكبر الرهانات إطلاقا: السيطرة على المدن الإسلامية المقدسة والثروة النفطية الهائلة.

في ضوء الدعم الأمريكي للسعوديين، أدرك بن لادن مدى صعوبة تلك المهمة. إلا أنه كان عازما على مباشرتها حتى النهاية. عندما سقطت قندهار عام 2002 بعد الاجتياح الأمريكي لأفغانستان، عاد مئات الأعضاء السعوديون بالقاعدة إلى المملكة وانضموا لخلايا نائمة عملت هناك بشكل سري لتحقيق هدف بن لادن. بحلول مطلع العام 2003، تحولت تلك الخلايا إلى بنية تحتية إرهابية واسعة مكونة في معظمها من سعوديين، ليحثوا بن لادن على الأمر بالتمرد في 13 فبراير 2003، الذي تزامن مع ليلة الاجتياح الأمريكي للعراق. (في الحقيقة، قدم الاجتياح للقاعدة فرصة فريدة لملاحقة الملكية السعودية عبر مناشدة رد الفعل الحاد المناهض للأمريكان الذي أثاره الاجتياح لدى الشعب السعودي).

بدأت الحرب، وكان أول أعمالها الإرهابية في المملكة بعد أقل من ثلاثة أشهر، في يوم 12 مايو، عندما فجر انتحاريون سيارات مفخخة في عدة مجمعات سكنية في الرياض، يسكنها أمريكيون ومتعاقدون غربيون يعملون في المدينة. لقى سبعة أمريكيين مصرعهم، بين إجمالي وفيات بلغ 34 قتيل، وجرح 200 آخرون. تلى ذلك ما قد يعتبر أطول صراع داخلي في المملكة وأكثرها عنفا في التاريخ الحديث. فقد فاقت خطورة هجوم القاعدة على آل سعود خطورة انتفاضة عام 1979 في الجامع الكبير بمكة.

كان التمرد جيد التنظيم، قاتل، وواسع الانتشار. فقد تحولت المعارك المسلحة بين القوات الأمنية السعودية وفرق عناصر القاعدة إلى حوادث شبه يومية في المناطق الحضرية. جرت الاشتباكات في جدة، الخبر، مكة، الرياض، الطائف، ينبع، ومدن وبلدات أخرى في أنحاء البلاد. استخدم تنظيم القاعدة سيارات مفخخة لاستهداف المنشآت الغربية واختطف أيضا مواطنين غربيين وقتلهم. مرت بعض الفترات من الهدوء النسبي أحيانا، والتي بدا خلالها أن القوات الأمنية قد أضعفت القاعدة، إلا أنها تنتهي باندلاع موجات جديدة من العنف. اغتال الإرهابيون مسؤولين كبار بوزارة الداخلية السعودية، وحتى مركز قيادة الوزارة بالرياض، الحامل للكثير من الذكريات، والذي تم بناءه على شكل هرم مقلوب، كان هدفا لإحدى الهجمات. استهدفت إحدى الهجمات الأكثر عنفا القنصلية الأمريكية في جدة في 6 ديسمبر 2004. لقى على إثرها تسعة أشخاص مصرعهم عندما اخترقت خلية تابعة للقاعدة أراضي القنصلية ونجحت تقريبا في اختطاف دبلوماسية أمريكية شابة.

إلا أن السعودية حققت في نهاية المطاف السيادة في جهودها لمكافحة الإرهاب، وسحقت بفاعلية تمرد القاعدة عام 2006. (رغم أن الإرهابيين استمروا في التخطيط لهجمات مذهلة لمدة عام تالي، إلا أن محاولاتهم تم إحباطها بواسطة الأجهزة الأمنية). مدعومين بمؤسسة دينية تصف فكر القاعدة بأنه تشويه للإسلام، استخدمت وزارة الداخلية والوكالات الحكومية السعودية الأخرى إجراءات عالية الفاعلية لمكافحة الإرهاب، بينها نشر أسماء الإرهابيين المقتولين أو المعتقلين، تعقب المكالمات، الحرب الرقمية، ومنع أو اعتراض التمويل الإرهابي. كذلك أعدت السلطات السعودية برنامج إعادة تعليم وإعادة تأهيل لتحويل الإرهابيين المعتقلين إلى مواطنين مسالمين. وكانت النتائج ممتازة – حيث عاد أقل من 10 بالمئة إلى الجهاد، وفق سعيد البيشي مدير مراكز إعادة التأهيل – مشجعا الحكومات الإقليمية التي تحارب الإرهاب على اعتماد أجزاء من البرنامج وتخصيصها حسبما يتلائم معها.

فرّق تسد

لا يتمتع قائد تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، بكاريزما بن لادن أو الشبكة المعقدة والمتكاملة داخل المملكة التي امتلكها في يونيو 2002. ولكن تلك الرسالة بالنسبة للسعودية، "رأس الأفعى ومعقل الداء" حسبما يصفها البغدادي، هي نفسها رسالة بن لادن. إلا أن خطة البغدادي، التي استعارها من القائد الراحل لتنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي، أكثر ذكاء، شيطانية وخطورة: حيث يتمثل هدفه في تأجيج حرب أهلية طائفية في السعودية عبر استهداف الشيعة وإثارتهم حتى يطلقوا العنان لغضبهم على الحكومة السعودية. (بدأ عشرات الشيعة السعوديون بالفعل تشكيل منظمات دفاع مدني لحماية أنفسهم بشكل أفضل من داعش والتهديدات الأخرى، ما أقلق السلطات السعودية). ضرب تنظيم البغدادي المجتمع الشيعي ثلاث مرات منذ نوفمبر 2014، ولكن هجماته الأكثر نجاحا حدثت أثناء صلاة الجمعة خلال الشهر الماضي بمساجد شيعية بالدمام وقرب القطيف في المنطقة الشرقية (التي تحوي تركزا كبيرا للشيعة)، ليلقى 25 شخص مصرعهم ويصاب 120 آخرون على الأقل.

وحدها وزارة الداخلية السعودية تعلم إن كانت استراتيجية داعش تطبق بواسطة أشخاص منفردين أو مجموعة من الخلايا المنسقة. إلا أنه بغض النظر عن طبيعة وجود داعش في المملكة (سماها البغدادي بالفعل منطقة نجد، القلب الصحراوي للمملكة السعودية التي أنشئت في القرن الثامن عشر)، كما يمثل عدد أعضاء داعش المزعوم القبض عليهم – أكثر من 400 حتى الآن – مصدرا للقلق. ما يثير المزيد من القلق، ليس فقط للسعودية بل أيضا للمسؤولين الأمريكيين هو أن الأغلبية العظمى من المقبوض عليهم سعوديي الجنسية يملكون قائمة عريضة بأهداف سعودية وأمريكية. عندما اعتقلت الأجهزة الأمنية السعودية 93 منهم في شهر أبريل، علمت أنهم كانوا يخططون للهجوم على السفارة الأمريكية في الرياض.

لن تكون إعاقة البغدادي سهلة، ولكنها ممكنة بالتأكيد. حيث تلعب عدة عوامل في مصلحة الرياض، على عكس بعضها القليل.  فمنذ تمرد بن لادن، اكتسبت المملكة قدرا هائلا من الخبرة في مكافحة الإرهاب التي تثبت منفعتها الكبيرة في الحرب الحالية ضد داعش. فكان برنامج إعادة التأهيل، على سبيل المثال، جاريا لأكثر من عقد.

كما لا يتمتع داعش بميزة المفاجأة الاستراتيجية التي تمتع بها القاعدة. فقد تمثل أحد أسباب الفاعلية الشديدة للقاعدة خلال السنتين الأولتين من التمرد في أن السلطات السعودية، إلى جانب الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، لم تكن مدركة لحجم البنية التحتية الخفية للتنظيم الإرهابي. وتشمل الملابسات التي تصب في صالح المملكة في حربها ضد داعش ظهور القومية السعودية في الأشهر الأخيرة، خصوصا بعد تمكين قيادة جديدة وشابة، والحملة العسكرية السعودية ضد متمردي الحوثي في اليمن. أخيرا، حقيقة أن البغدادي عراقي، وليس سعودي مثل بن لادن، لها أهمية. رغم أن داعش له تابعين من خلفيات وجنسيات متنوعة، إلا أن أغلبية قيادته عراقية، ما قد يصعب اجتذاب متطوعين سعوديين في المستقبل.

ولكن حرب السعودية في اليمن، صراعها الإقليمي مع إيران، وتوسع داعش وقوته الباقية جميعها تمثل تحديات هامة ستعقد جهود الرياض لصد البغدادي. رغم أن المملكة ليست مفرطة الانتشار العسكري حاليا، إلا أنه يمكن أن تصبح قريبا في حرب متعددة الجبهات إن عززت إيران تدخلها في اليمن وسوريا، كذلك مع محاولتها لزعزعة الاستقرار مجددا في البحرين. فكلما خصصت الرياض المزيد من الانتباه والموارد للمخاطر الخارجية، كلما أصبحت أقل استعدادا على الجبهة الداخلية لمكافحة الإرهاب في مواجهة داعش. أخيرا وليس آخرا، وبقدر ما تبدو تلك الحقيقة مبتذلة، إلا أن داعش ليس القاعدة. فالأول صاعد ويتحكم في مساحات شاسعة وأعداد كبيرة من المواد والموارد البشرية في المنطقة، ما كان يمثل مجرد حلم بالنسبة للأخير. والأسوء من ذلك، رغم التحالف ذي القيادة الأمريكية ضد داعش، إلا أن التنظيم يواجه القليل من المقاومة الفعالة.

إغلاق منابع الإرهاب في المملكة

للتأكد من أن داعش لا يؤسس مصنعا للإرهاب داخل المملكة، يجب أن تفكر المملكة بشأن تكملة حملتها لمكافحة الإرهاب ببعض الإجراءات الاسترضائية الضرورية، التي تأخر انتظارها، تجاه المجتمع الشيعي بالمملكة. بالفعل، لن تحقق جهود الرياض لمكافحة الإرهاب في منطقتها الشرقية الكثير إن استمر المجتمع الشيعي في تلقي معاملة سيئة للغاية من قبل الحكومة السعودية.

بعد التفجير الانتحاري في القطيف بشهر مارس، أوفد الملك سلمان ولي العهد محمد بن نايف إلى المنطقة لتقديم التعازي لعائلات الضحايا. كما سمح للتلفزيون السعودي ببث جنازات الشيعة بالكامل. وفي يوم 3 يونيو، أشار إلى المتطوعين الشيعة الذي توفوا أثناء منع الانتحاري الثاني من دخول المسجد في الدمام، بوصفهم "شهداء" و"أبطال". أدان المفتي الأكبر عبد العزيز بن عبد الله الشيخ وشيوخ سعوديون آخرون الهجوم. ولكن يظل كل ذلك رمزيا. حيث تظل الصحف السعودية وحسابات تويتر ممتلئة بالنقد اللاذع المعادي للشيعة، مع لوم العديد من المعلقين السعوديين لإيران بدعوى تدبيرها للهجمات.

ولكن استرضاء الجماهير الشيعية يشمل أكثر من مجرد المحاولة، بغض النظر عن صدق تلك المحاولة، عبر تقديم الحقوق الأساسية للشيعة. يتعلق الأمر بشكل أساسي بتحجيم تأثير الشيوخ السعوديين المتشددين، الذين ينفثون الكراهية ضد الشيعة في المملكة وفي أنحاء الشرق الأوسط، باسم محاربة إيران. كانت آخر أماني الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود من العلماء السعوديين (أو السلطات الدينية) أن يتبنوا عقيدة أقل جمودا وأن يكونوا أكثر تقبلا للتغيير. ولكنه رحل.

رغم أنه بالفعل لا يستطيع الملك السعودي أن يحكم بشكل فعال دون الشيوخ، إلا أنه يتمتع بسلطة مطلقة، حسبما ينص بوضوح النظام الأساسي للحكم الذي صدر في عام 1992. كما يتحكم أيضا في ثروة البلاد والقوات المسلحة ويعين رئيس أكبر المكاتب الدينية في البلاد – المفتي الأكبر. وفي ضوء التغيير السياسي الذي نظمه مؤخرا، ليس هناك شك في أن الملك سلمان هو رجل التغيير.

حتى الآن، اتخذ سلمان بعض القرارات الجريئة التي فاجئت العديدين، مثل تركيز السلطة في يدي ابنه ذي الـ29 عاما، الأمير محمد، الذي يشرف حاليا على سياسات الاقتصاد والدفاع. ولكن قرار سلمان الأكثر جراءة وأهمية حتى الآن يتمثل في قيادة حملة وطنية تسعى للقضاء على معاداة التشيع بالمملكة. يمكن تحقيق ذلك فقط عبر إجراء المزيد من التحجيم لنفوذ الشيوخ الوهابيين المتصلبين، وهو ما حاول الملك الراحل فعله. وعلى نطاق أوسع، يتضمن الأمر مراجعة أنشطة الإعلام والشيوخ والابقاء على النظام التعليمي. يعتمد صمود السعودية على ذلك. وفي غياب مثل تلك الجهود، ستدوم حرب المملكة ضد الإرهاب طويلا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب