واشنطن بوست: العجوز سلمان يعيد تنظيم الشرق الأوسط

مقال رأي

  عندما تولى الملك سلمان حكم السعودية مطلع العام الحالي، لم يتوقع المراقبون منه الكثير من التغيير. حيث يصل عمره إلى 79 عاما ويقال إنه في حالة صحية غير جيدة. كما عرف عن سلمان، وهو الحاكم طويل الأمد للرياض، أنه مسؤول بارع ومدير موهوب، ولكن ليس كرجل تحدى الوضع القائم.

منذ توليه العرش السعودي في يناير، أعاد سلمان تنظيم شؤون السياسة الخارجية السعودية، وكذلك خطط التوريث لمستقبل العائلة الملكية.

بدأ سلمان حملة قصف جوي ضد المتمردين الشيعة في اليمن وعزز الدعم الموجه للمتمردين في سوريا، مشيرا إلى دور أكثر حزما للمملكة الغنية بالنفط التي اعتمدت بشكل تقليدي على الولايات المتحدة لتحفظ أمنها. يكمن هدف سلمان، حسبما يرى محللون، في حماية المسلمين السنة ضد ما يعتبره نفوذا متصاعدا لإيران الشيعية.

"إنها إحدى لحظات الهيمنة السعودية على المنطقة"، حسبما يرى نواف العبيد، المستشار السابق للديوان الملكي السعودي والزميل الحالي لمركز بيلفير للعلوم والشؤون الدولية التابع لجامعة هارفارد.

يقول عبيد إن الحلفاء العرب يبدون متطلعين إلى السعودية باعتبارها أكثر القوى المهيمنة في المنطقة استقرارا وقوة، في وقت تغرق فيه مصر في الأزمات الداخلية، وهي القوة التقليدية في المنطقة. عندما التقى عبيد بسلمان قبل سنوات من توليه العرش، حسبما يروي المساعد السابق، "قال سلمان بشكل أساسي: "إن لم نفرض أنفسنا، أحد آخر سيفعل".

ويتابع عبيد: "يرى الملك سلمان أنه يجب أن تشكل الوضع من حولك، بدلا من أن يشكلك الوضع".

مع سيطرتهم على المواقع الإسلامية المقدسة – في مكة والمدينة – اعتبر القادة السعوديون أنفسهم طويلا حماة للمصالح السنية في المنطقة. وما يدفع سلوكهم الأكثر عدوانية هو القلق بشأن تصاعد قوة العدوة إيران عبر دعم الميليشيات بالوكالة في العراق وإرسال أموال ومساعدات عسكرية إلى نظام بشار الأسد المحاصر في سوريا.

بدأت الغارات السعودية على جارتها، اليمن، في شهر مارس بعد أن استولى المتمردون الحوثيون في اليمن على  مساحات شاسعة من الأراضي. واتهم المسؤولون السعوديون إيران بدعم المسلحين.

ولكن أسابيع من الضربات الجوية من قبل السعوديين وتحالف، أغلبه عربي، فشلت في صد الحوثيين. حيث قتل حوالي 2000 شخص إثر المعارك، العديد منهم مدنيين، وفق منظمة الصحة العالمية. يثير المأزق الذي وصلت إليه اليمن أسئلة حول قدرات الجيش السعودي، الذي اعتمد على المساعدة اللوجيستية والاستخباراتية الأمريكية في تنفيذ الحملة.

اعتمد النظام السعودي بشكل تقليدي على الحكومة الأمريكية لحفظ أمن بلاده، وأصرت الإدارة الأمريكية على أن ذلك الدعم لم يتغير. ولكن المسؤولين السعوديين يخشون أن الولايات المتحدة سوف تخفض التزاماتها تجاه شركاء الخليج التقليديين لصالح تقاربها مع إيران، حسبما يرى المحللون. حيث توصلت إدارة أوباما في أبريل الماضي إلى اتفاق أولي مع إيران لتقييد البرنامج النووي الإيراني.

"أدت قدرة إيران على الاستفادة من الاضطراب الحادث في المنطقة، بل وتوسيع نفوذها في أنحاء العالم العربي، إلى إجبار السعوديين على أن يصبحوا أكثر حزما"، حسبما يرى فهد نزار، المحلل السياسي السابق في السفارة السعودية بواشنطن. يعمل نزار حاليا محللا في شركة الاستخبارات "جى تي جي"، ومقرها بفرجينيا.

"هناك أيضا بعض الشكوك بشأن أن التقارب الأمريكي الإيراني قد عزز شعور السعوديين بالحاجة الملحة" للتعامل مع استقرار المنطقة المتزعزع، حسبما قال نزار.

الصعود إلى العرش

بصفته واحدا من بين عشرات الأبناء لمؤسس المملكة السعودية، عبد العزيز بن سعود، عين سلمان حاكما لمحافظة الرياض في مطلع الستينات. وقضى في ذلك المنصب حوالي 50 عاما، وهي فترة تحولت فيه المدينة الرئيسية بها، والتي تحمل اسم الرياض أيضا، من بلدة صحراوية راكدة إلى مدينة مترامية الأطراف يسكنها أكثر من 7 ملايين شخص.

يقال أن سلمان، خلال عمله في الوظائف الإدارية، قد تمتع بسجل خالي من الفساد، حيث تعامل مع مشكلات تتضمن الخلافات القبلية، مشروعات البنية التحتية والخصومات داخل العائلة الملكية.

خلال مدته في منصبه "تضمن عمله معالجة المخاوف والحاجات الخاصة بالشعب، وهو ما كان يتم عادة في وجها لوجه"، وفق نزار.

منذ صعود سلمان إلى السلطة بعد موت الملك عبد الله، نشرت وسائل الإعلام المحلية مقالات عن فترة عمله كحاكم، مظهرة إياه كمدير متواضع له معجبين من بين السكان العاديين وكذلك المفكرين. كما استخدم سلمان الإعلام الخاضع بشدة لسيطرة الحكومة لإظهار نفسه كقائد في وقت الحرب.

وفي الرياض، أظهرت لوحات إعلانية ضخمة الملك إلى جانب القوات السعودية والطائرات المقاتلة. وفي المراحل المبكرة من الحملة السعودية في اليمن، أيد الدعاة الإسلاميون الحرب وأشادوا بسلمان كمدافع عن الدولة وجيرانها.

"تظل العملية متمتعة بشعبية كبيرة بين السعوديين"، حسبما يرى نزار. بل و"أحدثت دفعة قوية في الشعور الوطني بأنحاء المملكة".

مع احتشاد الشعب خلفه، أجرى سلمان حينها تغييرات مثيرة في قيادة المملكة. ففي إعلان صدر فجرا في شهر أبريل، غير الملك ولي العهد، ودفع بجيل أكثر شبابا إلى الوزارات. حيث عين وزير الداخلية محمد بن نايف، 55 عاما، وليا للعهد، مزيحا الأمير مقرن بن عبد العزيز، 71 عاما. أعدت تلك الخطوة محمد ليكون الأول من جيل أحفاد الملك عبد العزيز ليتولى العرش، بعد عقود من حكم أبناء المؤسس.

عزز سلمان أيضا ابنه، محمد بن سلمان، 30 عاما، ليتولى حقيبة الدفاع ومنصب نائب ولي العهد. ما جعله مسؤولا عن حملة اليمن، وبشكل أكثر أهمية، جعله الثاني في تسلسل ولاية العرش. كما أن محمد قد حضر قمة الرئيس أوباما لقادة الخليج في مايو بدلا من والده – وهي خطوة اعتبرت على نطاق واسع كمؤشر على انزعاج سعودي إثر السياسات الأمريكية الأكثر استرضائية تجاه إيران. بينما أنكر المسؤولون السعوديون بشكل صريح نيتهم بث تلك الرسالة.

"ببعض الوسائل، تم تزييف جزء كبير من شرعية سلمان"، حسبما يرى نزار. حيث أثير الكثير من الشكوك بشأن إمكانية حدوث معركة على وراثة العرش مع موت الجيل الأكبر من القادة السعوديين. ولكن، وفق نزار، "استهل سلمان النقلة التي طال انتظارها نحو الجيل الثالث من القادة السعوديين بسلاسة".

بينما يشير خبراء في الشأن السعودي إلى أن صعود قادة أصغر لا يعني بالضرورة سياسات أكثر تحررا. فقد قوى الملك سلمان علاقاته بالمتشددين دينيا، حيث استبدل رئيس هيئة الشرطة الأخلاقية في المملكة بمسؤول يعرف عنه آراءه الحازمة تجاه الملابس الغربية. كما أعدمت السلطات السعودية بالفعل العام الحالي 90 شخصا إثر إدانتهم بجرائم متعلقة بالقتل والمخدرات، ما يتجاوز العدد الكلي لعام 2014.

على النقيض من الملك عبد الله، الذي دشن برنامجا إرشاديا للجهاديين العائدين من العراق وسوريا، يتوقع من القادة الجدد أن يتبنوا سياسة أكثر تشددا تجاه المسلحين، حسبما يرى محللون.

اكتسب ولي العهد محمد شهرته بسبب حملته الأمنية على مسلحي القاعدة، كما يعرف عنه نجاته من أربع محاولات اغتيال.

كبر الجيل الأصغر مع تطور العلاقات السعودية مع واشنطن. فبالنسبة للجيل الأكبر، مثل تحرير الكويت من القوات العراقية تحت قيادة الولايات المتحدة عام 1991 لحظة حاسمة، حيث مثلت إشارة للإلتزام الأمريكي القوي تجاه الحلفاء العرب. إلا أن السعوديين أصيبوا بالفزع عندما قطعت إدارة أوباما علاقاتها بالزعيم المصري القوي حسني مبارك أثناء الثورة المطالبة بالديمقراطية عام 2011، إلى أن سقط الحليف طويل الأمد من السلطة.

بخلاف الكثير من الجيل الأكبر من العائلة الملكية، لم يتلقى ابن الملك سلمان، نائب ولي العهد، تعليمه في الولايات المتحدة أو في أوروبا.

كن جريئا، ولكن لا تُفرِط في الجرأة

بينما يضع سلمان بصمته الخاصة على السياسة الخارجية السعودية، ليس في وسعه إجراء نقلة جذرية في علاقات المملكة بالولايات المتحدة، وفق محللين.

فبينما كانت الطائرات الحربية الأمريكية تقود الحملة الجوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، كانت القوات الجوية السعودية تلعب دورا صغيرا ورمزيا. رغم أن التنظيم المتطرف يمثل مصدر قلق كبير بالنسبة إلى السعوديين، حيث تعرضت مواقعهم الحدودية للهجوم من قِبَل مقاتلي الدولة الإسلامية المقيمين في محافظة الأنبار العراقية. وفي مايو، تبنى التنظيم أول عمليتين له داخل المملكة، حيث انطوتا على تفجير مسجدين شيعيين في شرق البلاد. وأودى التفجيران، اللذان فصل بينهما زمنيا أسبوع واحد، بأرواح 22 شخص.

يقول المحللون إن الملكية السعودية ليست مهددة بالإطاحة بها من قِبَل تمرد ذي قيادة جهادية. لكن الأجهزة الأمنية السعودية تحتاج إلى الاستخبارات الأمريكية وكذلك إلى الدراية بوسائل صد المتطرفين، الذين اجتذبوا ما يقدر بـ2500 مقاتل سعودي، وفق مركز دراسات التطرف والعنف السياسي اللندني. بينما تظل الولايات المتحدة متمتعة بالمركز الأول في تسليح السعودية.

"يجدر وضع أمر في الاعتبار بالنسبة إلى سلمان، وهو أنه يريد أن يعيد صياغة السياسات السعودية"، حسبما يعلق عبيد، "ولكن ليس على حساب قرارات متهورة قد تحدث ضررا جسيما بالعلاقات الهامة بشكل حساس، كعلاقتها بواشنطن".

"قد تتعالي أصوات تحث سلمان على التحرك قدما نحو وجهات نظره. ولكن هناك خطر في التحرك بسرعة مفرطة"، وفق عبيد، "أعتقد أن سلمان يدرك ذلك. وهنا مربط الفرس. كن جريئا، ولكن يجب أن تعلم متى لا تكون الجرأة في مصلحة البلاد".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب