وداعاً أيها الرئيس، ديميريل

مقال رأي

ودّعت تركيا رئيسها السابق سليمان ديميريل، الذي شغل منصب رئيس الوزراء سبع مرات منذ بروزه على الساحة السياسية في الستينيات، متوجاً مسيرته السياسية بوصوله إلى سدة رئاسة الجمهورية بين عامي 1993 و 2000. وكان ديميريل الحلقة الأخيرة من سلسلة سياسيين أتراك مبتكرين من يمين الوسط: مسلمون أتقياء لم يزجّوا بدينهم في كل شاردة وواردة في السياسة، وخاصة في مجال السياسة الخارجية.

لقد أسس رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس ركائز تيار يمين الوسط في النظام السياسي التركي من خلال «الحزب الديمقراطي» في الخمسينيات. وقد انضمت تركيا تحت قيادة «الحزب الديمقراطي» إلى حلف شمال الأطلسي في عام 1952.

وبعد الانقلاب الذي وقع عام 1960، أطاح العسكريون بـ «الحزب الديمقراطي» من الحكم وأعدموا مندريس، غير أن رؤيته الداعمة للسوق الحرة وللولايات المتحدة لم تندثر، بل انتقلت إلى «حزب العدالة» - وريث «الحزب الديمقراطي» - الذي تسلّم ديميريل زعامته في عام 1964. وأصبح ديميريل، وهو مهندس مدني تدرّب في الولايات المتحدة، رئيس وزراء تركيا للمرة الأولى في عام 1965.

وعمّ الازدهار خلال فترة حكم ديميريل، كما نشأت خلالها طبقة عاملة تركية. وفي عام 1971، وقع انقلاب آخر كان يهدف إلى القضاء على الحركات اليسارية الآخذة في الصعود، فأطاح بديميريل من الحكم، مما أنهى فترة ولايته الثانية كرئيس وزراء البلاد.

وبعد إعادة إرساء الديمقراطية في تركيا عام 1973، أصبح ديميريل معادياً شرساً لليسار، وغالباً ما استخدم الخطابات المسببة للشقاقات وبنى ائتلافات حكومية يمينية واسعة النطاق تضم «حزب العدالة» الذي ترأسه والإسلاميين والقوميين المتطرفين بهدف منع اليسار من المشاركة في الحكم. ودخلت تركيا من جراء ذلك في دوامة هائلة من الاضطرابات، عمت فيها اشتباكات في الشوارع بين الميليشيات اليمينية واليسارية وأدت إلى انهيار الاقتصاد. وبعد انقلاب عام 1980، عزل العسكريون ديميريل عن ممارسة العمل السياسي، وهي عقوبة دامت حتى عام 1987، عندما أُجري استفتاء شعبي مكّن ديميريل من العودة إلى الساحة السياسية.

وتسلّم ديميريل هذه المرة زعامة حزب «الصراط المستقيم»، أحد ركيزتي يمين الوسط في تركيا خلال تلك السنوات. وتمثلت الركيزة الثانية بحزب «الوطن الأم» بزعامة توركوت أوزال، الذي انتُخب رئيساً للوزراء في عام 1983. وكان أوزال، المسلم التقي الوفي لتقاليد أسلافه السياسيين في يمين الوسط، مؤيداً للغرب أيضاً، وقدم طلباً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1987. ولم يتفق ديميريل كثيراً مع أوزال، غير أنه اتبع منهجاً مختلفاً هذه المرة، فلم يكن خطابه تقسيمياً بقدر ما كان في السابق، وحتى اختار الدخول في تحالف مع اليسار في عام 1991.

وعندما توفي أوزال، الذي تولى رئاسة الجمهورية في عام 1989، بشكل مبكر في عام 1993، تسلم ديميريل سدة الرئاسة، وهو المنصب الأخير والأهم رمزياً الذي شغله طوال مسيرته السياسية (كان أتاتورك أول رئيس جمهورية في تركيا، وما زال جزء منه حياً في قلوب جميع الأتراك).

وخلال توليه رئاسة الجمهورية، سعى ديميريل جاهداً من وراء الكواليس لمنع القوى المتشظية في البلاد من يمين الوسط، والمتمثلة في حزبي «الوطن الأم» و«الصراط المستقيم»، من الانتحار سياسياً.

وفي الوقت نفسه، والتزاماً بجذوره كمسلم تقي، وكسياسي موالي للغرب، سعى ديميريل إلى بناء العلاقات التركية-الإسرائيلية. وفي عام 1998، أصبح ديميريل أول رئيس تركي يزور إسرائيل. وفي عام 1996، وقّعت الحكومة التركية اتفاقية للتجارة الحرة مع إسرائيل، ما زالت حجر الزاوية في العلاقات التركية-الإسرائيلية حتى يومنا هذا. وعندما انهارت العلاقات بين البلدين إثر أزمة «أسطول الحرية» عام 2010، ظل البلدان يتعاونان بفضل اتفاقية التجارة الحرة. وواصلت التجارة الثنائية في الازدياد، حتى بلغت قيمتها 5.6 مليار دولار في عام 2014. وعندما يقرر قادة تركيا وإسرائيل ذات يوم إعادة العلاقات التركية-الإسرائيلية إلى سابق عهدها، سيجدون أن ديميريل قد بنى أساساً متيناً لها.

وبعد انتهاء ولايته كرئيس للجمهورية في عام 2000، اعتزل ديميريل العمل السياسي وانتقل للعيش في شقة في وسط مدينة أنقرة، حيث كان يستضيف زواره، وشاهد مذعوراً كيف مارس الحزبان من يمين الوسط الانتحار السياسي أخيراً في عام 2001. فقد أدى الاقتتال الداخلي بين حزبي «الوطن الأم» و«الصراط المستقيم» وفسادهما إلى الأزمة الاقتصادية الأشد سوءاً في تاريخ تركيا ذلك العام.

وأدى الانهيار الكامل لاقتصاد البلاد، ومعه تداعي الركن السياسي المهيمن من يمين الوسط، إلى استيلاء الإسلاميين على الحكم، وهم الذين كانوا يُعتبرون حركة هامشية حتى تلك الفترة. فتسلم «حزب العدالة والتنمية» بزعامة رجب طيب أردوغان الحكم في عام 2002، ومنذ ذلك الحين اتخذت استدارة تركيا نحو الغرب اتجاهاً هابطاً.

خلال نشأتي في عائلة من الطبقة العاملة في تركيا في السبعينيات، لم أكن معجباً بديميريل كسياسي. ولكن بعد مرور بضع سنوات، أصبحت أكنّ إعجاباً له كرجل دولة. زرته مرات عدة في أنقرة بعد اعتزاله السياسة، وأدهشني تحليله الدقيق للسياسة التركية والدولية.

في عام 2007، اصطحبت وفداً من أمناء المعهد الذي أعمل فيه حالياً لزيارته. كان في الثالثة والثمانين من عمره. استقبلنا ديميريل واقفاً في مكتبته، وكان مكتبه مليئاً بأحدث الكتب المنشورة في الولايات المتحدة. وخلال الحديث الذي دام ساعتين، أدهش الجميع بفكره الحاد وفطنته وذكائه وشغفه بالعلاقات الأمريكية-التركية.

ينحدر ديميريل من سلسلة سياسيين أتراك عظماء من يمين الوسط، بمن فيهم مندريس وأوزال. وكانوا جميعهم مسلمين أتقياء، ولكن الدين لم يكن جوهر سياساتهم، بل إنهم شجعوا استدارة تركيا نحو الغرب. كانوا جميعهم محافظين، ولكن شتان ما بينهم وبين أردوغان. فليرقدوا في سلام. وداعاً، أيها الرئيس ديميريل.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy