أن تكون شابًا مسلمًا في أقصى غرب الصين المتوترة

مقال رأي

 في الوقت الذي يغمر فيه المسلمين حول العالم انفسهم في شهر رمضان المبارك، الذي بدأ في 17 يونيو، يعاني اليوغور الذين يعيشون في منطقة شينجيانج في أقصى غرب الصين، والذين يتبعون العقيدة الاسلامية، من اعتداء مكثف من قبل الدولة على حريتهم الدينية. في وقت سابق من هذا الشهر، قال مسؤول في أكبر حزب بالمنطقة أن الدين يجب أن يكون أكثر "صينية" من أجل يساعد في توحيد البلاد. في الأيام التي سبقت الشهر الفضيل، طالبت إشعارات رسمية نشرت على المواقع الحكومية، مماثلة لتلك التي نشرت في نفس الفترة من عام 2014، من اليوغور الذين هم أعضاء في الحزب، وموظفي خدمة مدنية، ومعلمين، وطلاب التخلي عن الصيام.

بعد أن دخلت مجموعة من التدابير الخشنة – بداية من حظر السفر على جميع الأفراد ووصولًا إلى عروض أموال وغيرها من الحوافز الأخرى لتشجيع الزواج بين الهان واليوغور، وهي الأقلية العرقية الناطقة بالتركية - إلى حيز التنفيذ العام الماضي لتخفيف ما تعتبره الحكومة خطر التطرف الإسلامي في المنطقة، يقول خبراء إن المستوى الحالي من القمع يمثل أقسى ما شهدته المنطقة منذ عقود.

وكشخص أصله العرقي من الهان، الذين يشكلون الغالبية من السكان، نشأ في بكين، وكنت دائمًا أنظر إلى المنظر المركب الواسع الملئ الجبال وأحواض الأنهار، والواحات التي تشكل شينجيانج، فضلا عن مختلف فئات السكان المقيمين فيها، وكأنها تشبه ملصقًا مشرقًا ذو صور غير واضحة. عندما كنت في رياض الأطفال، ارتديت قبعة "دوبا" مثبت بها شعر وهمي مجعد ورقصت على أنغام "وطنى جنة" – وهي أغنية فلكورية من شينجيانج تستعرض التنوع العرقي الصين - في حفل المدرسة. في لقاء عائلي منذ سنوات، التقيت عمة بعيدة أمضت عشر سنوات في شركة نفط مملوكة للدولة في صحراء جوبي. وتحدثت عن ضجيج الحفر المتواصل بسبب الرافعات الصفراء، فضلا عن ظهور "الذهب الأسود" على سطح الرمال.

في نصف العقد الماضي، برزت شينجيانج الى واجهة الرأي العام الرئيسي الصيني بصورة مختلفة. أودت سلسلة من الصراعات الدموية بين اليوغور المستائين وهان الصينيين بحياة أكثر من 100 شخص على مستوى البلاد العام الماضي. وحملت البيانات المبسطة التي أصدرتها وسائل الاعلام الرسمية متطرفين إسلاميين من اليوغور مسؤولية الاشتباكات ، في الوقت الذي لا يتمتع الصحفيين الأجانب بالكثير من الحرية ليكونوا مراسلين من المنطقة. وتقول منظمات حقوق الإنسان إن سبب تأجج الصراعات في المنطقة إلى حد كبير هو السياسات الدينية والاقتصادية المقيدة التي أصدرتها الحكومة.

حملة "الضرب بقوة"التي اتبعتها الحكومة لعام كامل ، حيث أطلقت في مايو 2014، والتي تضمنت الرقابة على الصلوات، وإغلاق المدارس الإسلامية، وحظر بعض اللباس الديني، هددت تقريبا جميع أشكال التعبيرات الدينية والثقافية المحلية وأثارت أزمة هوية بين اليوغور. وبزيادة تنفير الناس الذين كانوا ليسدوا الفجوة بين سواد الصينيين من الهان وبين اليوغور، قيدت السياسات أيضا قدرة الدولة الصينية على تحقيق المصالحة العرقية.

في رحلة إلى المنطقة في وقت سابق من هذا العام، شاهدت سياسات الدولة التي لا ترحم، والأثر الرهيب الذي تركته على المجتمع المحلي. في كاشجر، وهي مدينة في أقصى غرب شينجيانج، والتي كانت موطنًا للكثير من النزاعات الأخيرة، التقيت عليم، وهو طالب في كلية اليوغور المحلية للمعلمين، وقد فضل عدم الكشف عن اسمه الحقيقي. أراني ورقة مجعدة كان يحملها في جيبه: صورة من جواز سفره. صادرت الشرطة الوثائق الأصلية بعد حادثة قتل جماعي في المنطقة العام الماضي.

الملف الشخصي لعليم لا يجعله مشتبها به محتملا بالنسبة للدولة. يعمل والده في محكمة محلية، وتقوم والدته بالتدريس في مدرسة مهنية محلية. ذهب إلى بكين مرتين في رحلات عائلية. إنه يدرس في الفرقة الثالثة في الجامعة حيث يدرس الرسم، "ولا سيما الطيور"، كما يقول مع ابتسامة خفيفة. وهو يتحدث اللغة المحلية مثل معظم اليوغور. لكنه تحدث معي بلغة ماندرين صينية جيدة، كان قد تعلمها في المدرسة.

مثل أي طالب جامعي شاب، يعيش عليم في مكان آخر. إنه في بداية العقد الثالث من عمره، وهو يستمتع بقضاء عطلة نهاية الأسبوع يلعب كرة القدم ويذهب إلى النوادي الليلية. إنه مسلم ممارس لشعائر الإسلام، لذلك فهو يمتنع عن الشرب ويحافظ دائمًا على صلاته اليومية.

ومع ذلك في العام الماضي، قل ميل عليم للمرح بسبب موجة جديدة من السياسات المتشددة، نجمت عن موجة أخرى من الصراع العرقي في المنطقة. وقد تزايدت وتيرة هذه الموجات منذ أعمال الشغب التي جرت عام 2009 في العاصمة الاقليمية أورومتشي، وهي أشد موجة عنف شهدتها شينجيانج في العقود الأخيرة، والتي خلفت 200 قتيلا وأكثر من 100 جريح.

وقد جرى الآن تركيب كاميرات دوائر تلفزيونية مغلقة في الفصول الدراسية والمهاجع في جامعة عليم. وانتشرت نقاط التفتيش عند بوابات المدارس، حيث يتم إيقاف الطلاب لتفتيش هواتفهم الخلوية عن محتوى ذي صلة بالإسلام. ويشرح عليم أن مالكي الهواتف من نوع "آي فون" معرضون للمضايقات بشكل خاص، حيث أن ذلك الهاتف الذي يعد رمزا بريئًا للثروة والمكانة في أماكن أخرى في الصين، يثير شبهة وجود صلة أجنبية سرية في كاشجر.

الأمر المرهق أيضًا هو لائحة الملابس الجديدة، والتي صدرت بعد أحداث عنف اورومتشى عام 2009، حيث تحظر أي تعبير ظاهر عن الهوية الدينية أو العرقية. يعتبر النقاب بالنسبة للنساء واللحى بالنسبة للرجال علامات لا لبس فيها على الانحراف. وغير مسموح في الحرم الجامعي ارتداء قبعات "دوبا" والمناديل – وهي إكسسوارات تظهر عادة في الدعاية للحزب الشيوعي لعرض ثقافة اليوغور. قال عليم بابتسامة ساخرة "أحيانا أريد ارتداء قبعة فقط لأنني أعتقد أنها تبدو جيدة."

وقد رافق تلك السياسات القمعية هجوم إيديولوجي. بعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى كاشجر في أبريل الماضي، والتي شدد خلالها على الحاجة إلى مكافحة الإرهاب ودفع للتعليم ثنائي اللغة، نظمت الجامعة طوفان من الاجتماعات الدراسية، حيث يطلب من الطلاب تقديم دعمهم لتوجيهات شي. وهناك  زميلة لعليم، سنطلق عليها الاسم المستعار أيخن، تعمل في فرع الحزب في المدرسة، تحدثت عن كرهها لحاجتها إلى  نشر الشعارات الرسمية لزملائها الطلاب، رغم إنها غالبا ما تتخلي عنها هي نفسها. قالت لي بينما نتجاذب أطراف الحديث في مطعم للوجبات السريعة في وسط مدينة كاشجر "انضممت إلى فرع الحزب في المدرسة فقط لأنني اجتماعية وأحب تنظيم الأنشطة."

وبالخروج من الحرم الجامعي، يجد الطلاب مشهد ثقافي أجرد مماثل في جميع أنحاء المدينة. كاشجر التي كانت يومًا ما مركزًا تجاريًا على طريق الحرير الأسطوري، تبلور سحرها خلال قرون من التبادل الثقافي بين الصين وآسيا الوسطى، وما وراءهم، تذوي الآن تحت قبضة الدولة الحديدية.

في ساحة الشعب، التي تقع عبر الشارع من تمثال شاهق لـ "ماو تسي تونج،" وحيث يتذكر عليم أنه لعب كرة القدم هنا كان طفلا، تقف الآن 20 شاحنة خاصة بالشرطة تقريبًا. وقد أصبح مسجد عيد كاه الذي يعود عمره إلى 600 سنة، وهو الأكبر في الصين، محظورًا على الشباب الذكور من اليوغور خلال ساعات الخطب منذ صيف عام 2014، عندما طعن المتطرفون إمام مؤيد للشيوعية حتى الموت خارج البوابة.

وقد شهد الجزء الأكثر شهرة من كاشجر، المدينة القديمة المشهورة، أسوأ الويلات. بعد انتهاءها من مشروع إعادة تخطيط استمر لمدة خمس سنوات، حيث جرى تقويم أزقتها المتعرجة المتشابكة، وانتزاع الأنفاق العلوية التي تربط المنازل ، وطلاء واجهات المساكن الملونة باللون البني الممل. عندما صاحبني عليم وأيخن خلال المنازل القديمة بمنطقة جوتاي - مجموعة من البيوت المبنية بالطوب اللبن تقف على تلة وتحيط بها مبان خرسانية وعجلة فيريس عملاقة - ابتسما بإحراج واضحا. كانت آخر بقايا الحي الذي يعود أصله للقرون الوسطى في المدينة.

مثل العديد من أقراني من عشيرة هان المنغمسين في الثقافة الغربية، عليم وأيخن أيضا يسعيان جاهدين لجمع عالمين مختلفين. بعد أن تمت مصادرة جواز سفره، يدعو عليم أن يستطيع الحصول عليه قبل انتهاء صلاحيته. وقال آملا "باق من مدة صلاحيته تسع سنوات." ثم أردف:"كنت أريد دائما الذهاب الى تركيا والسعودية."

تأمل أيخن أيضا في أن ترى العالم. بعد أن علمت إنني ذهبت إلى الجامعة في الولايات المتحدة، أمطرتني بالتساؤلات حول التعليم الغربي. قالت إن حلمها هو دراسة علم النفس في الخارج، ونشره بين اليوغور بأن تصبح مدربة تنمية بشرية. وقالت إنها حاليًا تضع عينيها على برنامج دراسات العليا في العلاقات الدولية في جامعة على الساحل الشرقي للصين، لكن سمعت مؤخرًا إن تلك الجامعة لا تقبل الطلاب الإيغور.

في جميع أنحاء الصين، يبحث والأفراد عن طرق لتحقيق تطلعاتهم من خلال المعالم التي تقرها الدولة. وبالنسبة لليوغور مثل أيخن وعليم، الذين يأملون في المشاركة في المجتمع بذواتهم المتفردة بدلا من أن يكونوا نسخًا منقحة لاسترضاء البيروقراطيين الحكوميين، فمساحة المناورة صغيرة للغاية. إن خلفياتهم الكوزموبوليتانية متعددة الثقافات، إذا جرى توجيهها من خلال نظام ليبرالي، يمكن أن تساعد بسهولة في التفاهم بين الأعراق وحسن النية المطلوبة لاصلاح مجتمع منقسم. بدلا من ذلك، فإن ربطهم في مكانهم يضطرهم إلى التخلي عن مطالبهم في الحصول على هوية مستقلة، أو مواجهة التهديدات بفرض عقوبات الدولة.

وفقا لتقرير صادر عن مؤسسة دوي هوا، وهي مجموعة دفاع عن حقوق الإنسان مقرها الولايات المتحدة، من أصل أكثر من 2300 شخصًا اعتقلوا بسبب جرائم سياسية في الصين في عام 2013، فإن الغالبية تبدو إنها من سكان التبت واليوغور الذين يمثلون جزء أصغر بكثير من مجموع سكان الصين. من بين 44 صحفي مسجون في الصين عام 2014، هناك 17 من اليوغور،كما وثقت لجنة حماية الصحفيين.

في الخريف الماضي، حكم على باحث اليوغور البارز إلهام توهتي بالسجن مدى الحياة لنقده المحسوب للحزب الشيوعي. لقد كان أستاذًا في جامعة منتسو في بكين بالصين، وكانت له جهود طويلة رامية إلى تسوية الخلافات بين اليوغور والهان. أما منصبه داخل جهاز الدولة، الذي كان ينظر إليه في السابق على إنه حماية، جعل موقفه أكثر ضعفا عند تشديد الحكم عليه من بكين.

قبل اعتقاله، في مقابلة مصورة مع صحيفة نيويورك تايمز في عام 2010، عبر توهتي عن أسفه أثر هجوم الحكومة الصينية الكامل على هوية اليوغور. وأضاف أن "الحكومة الصينية تحاول تربية اليوغور (على طريقتها)."  ثم أردف: "لأنك من اليوغور، لا يسمح لك بالحفاظ على هويتك. لأنك اليوغور، سأحلق لحيتك. يمكنني أن أحرق القرآن. ومن الأفضل أن تتجاهل الأمر."

وأضاف توهتي إن أكثر ما يثير القلق هو تكميم الأصوات المعتدلة الذي تسبب عن الحملة. كما إن تطرف مجتمع اليوغور جعل المصالحة العرقية هدفا أبعد من أي وقت مضى. يقول، والكآبة على وجهه تفسح مجالًا لابتسامة حزينة متشائمة: "يستمر ازدياد الانفصالية بين اليوغور". ثم أردف: "في النهاية، لن يكون هناك أي نتيجة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب