أين العرب من الحرب ضد داعش؟

مقال رأي

 يقول البعض إن وجود تنظيم الدولة الإسلامية(داعش) في العراق يمثل مشكلة عربية. وبالتالي، فإنها مهمة قوات برية عربية أن تطرد التمرد المستولي على الأرض من تلك الساحة.

تتمتع تلك الحجة بقبول لا يمكن إنكاره في الولايات المتحدة. فأمريكا قد أنهكتها الحروب. بينما تبدو القيادة من الخلف خيارا جذابا. كما أن هناك مشكلة الحل النهائي. حيث لا يبدو الإطار الأمني الذي يتطلب تدخلا أمريكيا لا نهائيا في الشرق الأوسط كاستراتيجية عاقلة جدا. فالاستنزاف شبه المتواصل للموارد والانتباه قد يفاقم مشكلة تحمل أمريكا فوق طاقتها. علاوة على ذلك، قد يبدأ الوجود الأمريكي التدخلي على نحو مفرط الكثير من المشكلات مع تكشفه.

ثم ننتقل إلى التحذيرات التاريخية. "لا تحاولوا أن تفعلوا الكثير بأيديكم. فالأفضل أن يؤدي العرب المطلوب بشكل مقبول عن أن تفعلوه أنتم بإتقان"، حسبما كتب تي إي لورانس (لورانس أوف أريبيا) منذ حوالي 100 عام في كتاباته الشهيرة "سبعة وعشرون مقال". ويتابع: "إنها حربهم، وأنتم تساعدونهم، ولن تفوزوا بها نيابة عنهم. في ضوء الأوضاع الغريبة جدا للعرب، على الأرجح لن تكون جهودكم العملية جيدة حسبما تظنون".

عرف لورانس أمرا أو اثنين عن القتال في الشرق الأوسط. يحمل كتاب "لورانس في جزيرة العرب"، سردا تاريخيا حول لورانس وحول فترته، كتبه سكوت أندرسون، حيث يقدم نسخة واقعية وغير ملفوفة بالأسطورية عن جهود لورانس لتحفيز المقاومة العربية ضد العثمانيين. نجحت الجهود البريطانية لتغذية التمرد العربي إلى حد كبير لأن لورانس أخذ الوقت الكافي لفهم الشعب الذي يقاتل إلى جانبه، وقيم بدهاء ما يمكنهم فعله وما سيفعلونه.

إلا أنه إلى حد كبير، كان التمرد العربي ليتعرض للإجهاض لولا ضغط الجيش البريطاني الإمبريالي على القوات العثمانية من أجل التراجع. لم يحصل العرب على أكثر ما أرادوا – وهو وطن في سوريا. ولكن بمساعدة القوات البريطانية التقليدية، حصلوا على قدر من الاستقلالية.

ولكن يعلمنا التاريخ أيضا أن هناك حدود للاستعانة بأطراف خارجية في العمليات العسكرية. فأثناء عمل دوايت أيزنهاور كرئيس إبان بعض أكثر الأيام سخونة في الحرب الباردة، راودت أيزنهاور فكرة جديدة انطوت على جعل الأوروبيين يدافعون عن أنفسهم. هدفت الفكرة إلى جمع شمل جميع المغتربين الذكور، في عمر التجنيد، الذين هربوا من شرق أوروبا وجمعهم في وحدات للدفاع عن أوروبا الغربية. بدا في النهاية أنه كان متأملا، فهؤلاء الرجال يمكن أن يخدموا كأساس لقوة لتحرير بلادهم. مما نحن في غنى عن ذكره أن الأوروبيين الغربيين ظنوا أنها فكرة مخيفة. حيث فشلت فكرة إنشاء قوات مسلحة أجنبية، ليس لها جذور، محتمية في دولهم المتزعزعة في فترة ما بعد الحرب في إثارة الإعجاب. فأسقط أيزنهاور تلك الفكرة في صمت.

ليس هناك خطأ في الإصرار على أن يساعد الأصدقاء والحلفاء أنفسهم مادام هناك حل مناسب ومقبول ويمكن تنفيذه. والسجل التاريخي متسق للغاية بذلك الصدد. ففي حال الطلب من "العرب" دفع داعش إلى البحر، يجب طرح سؤال أولا، وهو: عمن تتحدث؟ من لديه القدرة والقوات اللازمة لهزيمة داعش؟ بالتاكيد لدى المملكة السعودية ومصر جيوش كبيرة. ولا يملك أي منهما مصالح في أن يكون داعش جارا بالمنطقة. ولكن كلتا الدولتين لديهما مشكلة خاصة حاليا.

تتعامل مصر مع تهديد إرهابي دولي غير ضئيل في شبه جزيرة سيناء، وعلاقة متدهورة مع حماس. حيث أقرت الحكومة في مطلع يوليو مصرع 50 جندي على الأقل على يد مسلحين إسلاميين إثر هجوم على المقرات العسكرية.

علاوة على ذلك، لا تزال مصر تتحسس طريقها في أعقاب الربيع العربي. فمنذ أسابيع قليلة، أوقف النظام العشرات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين إثر اتهامهم بالتأمر لتنفيذ هجوم على قناة السويس. ومما يزيد الطين بلة أن المصريين قلقين بشأن ما يحدث في ليبيا وتونس.

على نحو مشابه، تقلق السعودية بشأن العنف المتصاعد في اليمن – حيث تتصارع الميليشيات المدعومة من إيران، مع تنظيم القاعدة، وداعش، ونظام لا يعتمد عليه انسحب من العاصمة. أما على أرضهم، يواجه السعوديون شبكة إرهابية نشطة تعمل داخل البلاد، وضبابية تحيط بانتقال القيادة الوطنية.

كما تواجه دول الخليج المتصدرة للمواجهة مشكلاتها الخاصة، بدء بالاضطراب السياسي في البحرين وحتى الإرهاب في الكويت. أما بالنسبة للقطريين، فلا أحد متأكد بالفعل بشأن نواياهم.

ثم ننتقل بالتأكيد إلى الأردن. شهدت المملكة الهاشمية القتل الوحشي لطيار أردني مختطف على يد داعش. كما أغرقت باللاجئين الهاربين من داعش. وفي غضون ذلك، يجند التنظيم على نحو نشط الشباب الأردني. بالتأكيد تود المملكة أن تشهد نهاية عاجلة وليست آجلة لـ"الخلافة". ولكن إبقاء الأردن آمنة يمثل تحديا صعبا كفاية بالنسبة للجيش الأردني.

أظهرت التنظيمات المحاربة في العراق استعدادها للمشاركة. ولكن هناك حدود لقدراتها، والأكراد مثال على ذلك. فمعظم النجاحات العسكرية المتحققة أمام داعش كانت على يد الأكراد، مع دعم أمريكي ضئيل. ينوي الأكراد بلا شك القتال والموت من أجل الأكراد. ولكن حتى مع تلقيهم للمساعدة العسكرية الإضافية والدعم الذي يستحقونه، هناك احتمالية ضئيلة أن يتمكنوا من سحق داعش بشكل حاسم. فقد سقط منهم بالفعل عددا أعلى نسبيا من جميع قتلى الحرب الأمريكييين في فيتنام. وفي غضون ذلك، زاد تعدادهم بمقدار الثلث بسبب اللاجئين، يجب الآن حمايتهم من داعش.

حتى إن تمكن الأكراد من الذهاب إلى أجزاء أخرى من العراق ومحاربة داعش، يظل من غير الواضح إن كانوا سيقابلون بالترحاب. ولكن الواقع أن الأكراد سيدافعون عن الأكراد. وستقاتل العشائر السنية للدفاع عن نفسها. وستقاتل الميليشيات الشيعية للدفاع عن الشيعة. وهو كل ما يمكن توقعه. وفي الوقت ذاته، يغرق الجيش العراقي في الفوضى. فبمجرد سحب الرئيس أوباما للقوات الأمريكية، بدأ رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في تفكيك الجيش وتحويله إلى ذراعه السياسي العسكري، المخلص، إلا أنه عديم الفائدة بشكل متوقع كأداة للدفاع عن البلاد.

يتمثل الطرف الوحيد الذي يمكن أن يعزز مشاركته في القتال في الإيرانيين – ولكن ذلك لن يكون مفيدا. فمن غير المرجح أن يتمكنوا من هزيمة داعش. ولكن تدخلهم سيؤدي بالتأكيد إلى تفتيت العراق بشكل نهائي. كما يخاطر بتوسيع النزاع وتعقيده. وقد تحل فظائع الميليشيات الشيعية ببساطة محل فظائع داعش.

حتى إن أراد العرب المشاركة في الحرب ضد داعش، فإنهم تنقصهم القدرة على إنجاز الأعمال اللوجيستية، وتخطيط الحملات العسكرية، وجميع الأذرع المساعدة والأساسات الضرورية لتنفيذ حملة هجومية. ما كانت القوات العسكرية الأوروبية لتتمكن من تنفيذ العمليات العسكرية في ليبيا ومالي دون تأدية أمريكا للأعمال الصعبة – بينما لم يقترب العرب أبدا من مستوى القدرات العسكرية "الدخيلة" الخاصة بجيوش الناتو.

بلا شك، سيتطلب القضاء على سيطرة داعش الإقليمية في العراق مشاركة قوات برية تقليدية. لقد جربنا الخيار السهل، إلا أن القوة الجوية لم تطح بداعش من الساحة. ولن يطيح به تدفق قوات العمليات الخاصة إلى البلاد. فعندما يتمتع عدو بسيطرة إقليمية، يمثل القصف والعمليات الخاصة وسيلتين رائعتين لتعطيله. ولكن من أجل كسر سيطرته والقضاء عليه، يتطلب الأمر قوات برية تقليدية. تعمل القوات الخاصة، والقوة الجوية والهجوم التقليدي بأفضل شكل عندما تنفذ في إطار حملة متكاملة (تأمل حرب الخليج الأولى).

لذلك تعتبر مشاركة القوات البرية ضرورية. ويمكن، أو يجب، أن تكون بعضها عربية، ولكن يجب أن تتواجد قوة تقليدية معنية ذات حجم ملائم وقدرة على تقدم المسيرة.

داعش ليس عملاقا، وكسر سيطرته الإقليمية ليس مستحيلا. ولكن عند ذلك يأتي التساؤل حول ما يجب فعله بعد القضاء على سيطرة التنظيم. يجب وضع خطة لذلك. فلن تستطيع العراق أن تعالج نفسها في منطقة يريد جميع مثيري المشكلات أن يتدخلوا فيها – مثلما فعلوا بعد حرب الخليج الثانية، ولاحقا، عندما سحب الرئيس أوباما القوات.

يجب أن يجرى حوار جاد حول مصير العراق بعد داعش. فبعد أن تنقلب رأسا على عقب، ستحتاج العراق إلى شركاء استراتيجيين يمكن الاعتماد عليهم حتى تستقيم أمورها. وإن لم يتواجد أي من هؤلاء الشركاء، يمكننا توقع تكرار التاريخ القريب المؤسف لنفسه. لقد مر أوان التعامل بجدية مع مشكلة داعش. ولكن المأساة أن الرئيس أوباما لم يطرح بعد خطة جادة لمنع تحول التنظيم الإرهابي إلى مشكلة أكبر – وتهديد أكبر للأمريكيين والمصالح الحيوية. وفي غياب تلك الخطة، قد يصبح داعش مركزا لتمرد إسلامي عالمي خطير.

نحتاج إلى استراتيجية مختلفة عما يقدمه الرئيس – أعني بمختلفة أنها أفضل – وليست خطة  أن تترك المنطقة في حالة من الفوضى، أو أن تطرح  الولايات المتحدة نفسها كرجل أمن دائم للعرب.

جيمس جاي كارافانو نائب رئيس مؤسسة "هيرتاج فاونديشن"، حيث يدير أبحاث المؤسسة حول مشكلات الأمن القومي والعلاقات الخارجية.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب