الأمم المتحدة لا تزال غير قادرة على وقف الإبادة الجماعية

تقرير صحفي

 بإشارة من يده صباح يوم الأربعاء، تسبب سفير روسيا في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين في تراجع مجلس الأمن الدولي إلى الوراء.

لقد رفع يده لاستخدام الفيتو ضد قرار يستخدم مصطلح "الإبادة الجماعية" لوصف عمليات القتل الجماعي لـ 8000 من مسلمي البوسنة في بلدة سربرنيتشا قبل 20 عاما من هذا الشهر. قال تشوركين إن هذا القرار سيزيد من التقسيم  الذي تشهده يوجوسلافيا السابقة.

كان الفيتو أحدث مثال على الجهود واسعة النطاق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتشويه التاريخ، واللعب على القومية السلافية، وتحدي الغرب. أشاد مسؤولون صربيون بموسكو لمنعها "محاولة لتلطيخ الأمة الصربية بأسرها بأنها أمة إبادة جماعية."

بالنسبة لمسؤولي الأمم المتحدة، كان لاستخدام الفيتو معنى أكثر إيلامًا. بعد عشرين عاما فشلت بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في رواندا والبوسنة في وقف اثنين من حوادث الإبادة الجماعية، ولا تزال المنظمة العالمية تكافح مع كيفية تطبيق هدفها الأساسي: حماية المدنيين.

مع وصول عدد اللاجئين حول العالم إلى 60 مليون لاجئ، وهو رقم قياسي، ومع وجود فجوة متسعة بين الولايات المتحدة وروسيا تقسم مجلس الأمن، أصبحت حماية المدنيين أكثر صعوبة للأمم المتحدة مما كانت عليه في التسعينيات.

وهناك قلق متزايد، حتى بين كبار مسؤولي الأمم المتحدة، بأن دروس الماضي يجري تجاهلها من قبل مجلس الأمن الدولي المنقسم. وقد أرسلت الأمم المتحدة مؤخرا قوات حفظ السلام في مهمات خطرة في مالي والكونجو ولكن دون الموارد الحيوية والدعم السياسي الذي يحتاجونه.

وقال أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة طلب عدم ذكر اسمه: "لقد ذهبنا بسذاجة كبيرة إلى شمال مالي، في بيئة غير متساهلة بشدة، من دون فهم الآثار المترتبة على ذلك." وحذر من أن النتيجة ستكون "الكثير من القتلى بين قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة... والانسحاب المخزي والفشل التام للمهمة."

قبل أسبوع من اجتماع مجلس الأمن يوم الأربعاء، اجتمع بضع وثلاثين من قدامى المحاربين من بعثة حفظ السلام التابعة للامم المتحدة في البوسنة في قاعة مؤتمرات تنيرها الشمس في لاهاي. وكان الهدف هو البحث عن الدروس المستفادة بالنسبة لواضعي السياسات الحالية.

أعرب المنظمون- وهم متحف ذكرى الهولوكوست في الولايات المتحدة ومعهد لاهاي للعدالة العالمية- عن أملهم في أن الخصوصية ومرور الوقت يمكن أن يعززا الصراحة.

وهذا ما حدث. في اجتماعين خاصين استمرا طوال اليوم وندوة عامة واحدة، اعترف الدبلوماسيين والجنرالات والمسؤولين الحكوميين بأخطائهم في سربرنيتشا. سعوا أيضا إلى التعامل مع عدد قياسي من بعثات حفظ السلام. واليوم، بتكلفة 8 مليارات دولار سنويا، هناك 100 ألف من قوات حفظ السلام يخدمون في 16 عملية مختلفة حول العالم.

وقال كارل بيلدت، رئيس الوزراء السويدي السابق الذي شغل منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي الخاص ليوجوسلافيا السابقة: "يجب ألا تكون الجريمة الرئيسية هي المحاولة. ينبغي أن تكون الجريمة الرئيسية حقًا هي البقاء في المنزل وعدم المحاولة."

إلا إن سربرنيتشا أظهرت كيف يمكن لجهد دولي معيب أن يجعل الأمور أسوأ في بعض الأحيان. وقعت عمليات القتل الجماعي بعد أن جردت قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة المدافعين عن مسلمي البوسنة في البلدة المحاصرة من أسلحتهم الثقيلة ووعدت بحماية قاطنيها الذين يبلغون ما يقرب من 40 ألف نسمة. أعلنت قوات حفظ السلام أن سريبرينيتشا "منطقة آمنة" منزوعة السلاح تحت رعاية الأمم المتحدة. أعلنت الأمم المتحدة أيضًا خمس مدن أخرى محاصرة في البوسنة، بما فيهم سراييفو، مناطق آمنة.

على مدى العامين المقبلين، كانت سربرنيتشا بشكل أساسي سجن واسع في الهواء الطلق، وفقا للمسلمين البوسنيين وقوات حفظ السلام الهولندية الذين شاركا في المؤتمر. لم تتمكن القوات الهولندية من وقف استمرار الاشتباكات العسكرية منخفضة المستوى.

بحلول الوقت الذي هاجم فيه الصرب القطاع في يوليو 1995، لم يكن يدافع عنه سوى 450 من قوات حفظ السلام الهولندية بأسلحة خفيفة، والقليل من الوقود وذخيرة منتهية الصلاحية. وقبل شهر من الهجوم، أبلغ القائد الهولندي رؤسائه إن وحدته لم تعد قادرة على العمل العسكري.

في البداية، هاجمت قوات الصرب البوسنية القطاع لتقليص حجمه، وفقا لوثائق عسكرية صربية بوسنية تم الحصول عليها من قبل النيابة العامة جرائم الحرب. مع اقتراب القوات الصربية من المدينة، تكشفت لغز أساسي للحرب في البوسنة.

بناء على أوامر القائد العسكري للأمم المتحدة في البوسنة، وضعت مجموعة من قوات حفظ السلام الهولندية المسلحة تسليحًا خفيفًا موقع ردع قبل البلدة. وقيل للهولنديين إن أي هجوم مباشر على قوات حفظ السلام سيؤدي إلى وصول دعم جوي فوري قريب من طائرات حلف شمال الأطلسي التي تحلق في مكان قريب.

وعندما أصبح الهولندييون في مرمى النار، طلبوا بشكل رسمي دعمًا جويًا من الناتو. لكن قائد قوة الأمم المتحدة العلوي، الجنرال الفرنسي برنار جانفييه رفض الطلب.

على مدى العقدين الماضيين، كان قرار جانفييه محور الجدل ونظريات المؤامرة. البوسنيين وكثيرون غيرهم يصرون على إن المسؤولين الفرنسيين والأمريكيين والبريطانيين سمحوا عمدا بسقوط سربرنيتشا لأنها جعلت تقسيم البلاد أسهل.

وقال المسؤولون في المؤتمر، الذين كانوا يعملون مع جانفييه إن الجنرال غالبًا قرر رفض الطلب نفسه. وقالوا إن خافيير اعتقد بصدق أن الهجمات الجوية من شأنها أن تفشل في وقف تقدم الصرب، لكنها كانت ستنجح في تأجيج غضب القادة الصرب وربما جعل الوضع أسوأ.

في اليوم التالي، 11 يوليو 1995، سقطت سربرنيتشا في يد القوات الصربية. وبتشجيع من فوزه السهل، طرد الجنرال راتكو ملاديتش - قائد جيش صرب البوسنة- 25000 من النساء والأطفال من المدينة. وطاردت قواته نحو 15000 رجل من مسلمي البوسنة حاولوا الفرار الى ملاذ آمن في وسط البوسنة.

أعدمت قوات ملاديتش ما يقدر بنحو 6000 سجين. (يخضع ملاديتش الآن للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب في لاهاي، بعد تجنبه القبض عليه لمدة 15 عاما.)

في عرض لتقلبات الذاكرة البشرية، اختلق المشاركون في اجتماع الاسبوع الماضي في لاهاي الروايات التي تلقي اللوم الأكبر في هذه المأساة على  جماعات أخرى وليس على أنفسهم.

اتهم مسؤولو الامم المتحدة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بإنشاء "مناطق آمنة" مع الفشل في نشر قوات كافية للدفاع عنهم. لام الهولنديون جانفييه لحيلولته دون وصول الدعم الجوي الوشيك لهم. ووفقا لزملائه السابقين،  ألقى جانفييه اللوم على الهولنديين لعدم محاربة الصرب بشكل مكثف على أرض الواقع. والبوسنيين بدورهم ألقوا اللوم على كل الأجانب.

في النهاية، أجمع المسؤولون في الاجتماع أن العديد من الحكومات والمنظمات والجماعات تخلت عن شعب سريبرينيتسا، ومعهم الصحافة. في ذلك الوقت، كنت أقوم بتغطية الصراع لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور. لكنني كنت معتقدا بأن القتال قد وصل لطريق مسدود،  لذا فكنت في إجازة عندما سقطت المدينة.

بعد فوات الأوان، كان الناس في سريبرينيتسا ضحايا مؤامرة من الإهمال وأنصاف الحلول وعدم الكفاءة. لم يقدم المسؤولون الأمريكيون أو الأوروبيون أو البوسنيون أبدا ما يكفي من الموارد لحماية سربرنيتشا.

وأضافت الأخطاء الفردية إلى المصيبة، لا سيما فشل جانفييه بالموافقة على تقديم الدعم الجوي من حلف شمال الأطلسي.

وكانت وجهات النظر التي أردت أن استمع لها أكثر من أي شيء هي كلمات روبرت سميث قائد القوات الدولية البريطاني السابق الذي يحظى باحترام واسع. بعد سقوط سربرنيتشا، دعم سميث لاستخدام قوة الناتو العسكرية الشاملة كان لها الفضل في المساعدة على إنهاء الحرب في البوسنة. وقد لاقى كتابه حول هذا الموضوع، "فائدة القوة" شهرة واسعة.

قال سميث أن العنصر الأكثر أهمية في العمل الدولي هو الحسم.

وهو علي حق. الدرس الأكثر أهمية الذي نتعلمه من سربرنيتشا هو أن أنصاف الحلول يمكن أن تسبب أضرارًا أكثر بكثير مما تنفع. ويشير الفيتو الروسي أنه من المرجح أن يحدث المزيد من الانقسام وأنصاف الحلول في المستقبل.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب