الاتفاق النووي لإنهاء الثورة

مقال رأي

 في عام 2004 قضيت أسبوعا في طهران لكتابة مقال حول برنامج إيران النووي. أكثر ما أدهشني عندما كنت هناك كان التوتر بين أيدولوجية البلاد الثورية وشخصيتها التاريخية: المسؤولين المبرمجين السجاليين الذين كانوا في ذات الوقت مهذبين للغاية، الشوارع الرتيبة المحتشدة بأكثر تنوعات الوجوه غرابة من جميع أركان امبراطورية قديمة. وجدت نفسي أفكر كم ستكون إيران دولة مذهلة إذا استطاع شخص التخلص من هؤلاء الملالي المخابيل. مازلت اعتقد ذلك. والسؤال الذي اسأل نفسي إياه بشأن الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي هو ما إذا كان سيجعل تحقيق شيء أقرب إلى الطبيعية لإيران أكثر أم أقل ترجيحا.

أعلم، بالطبع، أن السؤال الأكبر اليوم هو ما إذا كان الاتفاق سوف يمنع إيران من حيازة سلاحٍ نووي أم لا. أعتقد أنه سوف يفعل؛ وعلى هذا الأساس، فأنا أؤيد الاتفاق. لكني لا أستطيع تصديق أن قدرة إيران النووية هي السؤال الأقصى أهمية كما يجرى تصويره. القضية الحقيقية، كما أشار شادي حميد من معهد بروكينز مؤخرا، هو سلوك إيران المخرب في الشرق الأوسط. الإسرائيليون والسعوديون مذعورون من أن الغرب مستعد لرفع العقوبات المفروضة على دولةٍ تستمر في دعم حزب الله وخوض حرب ضد السنة في العراق والبحرين واليمن. في الأسبوع الماضي، ذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى حد قول إن إيران عازمة على "الاستيلاء على العالم".

مستوى المبالغة في التخويف مضحك، حتى وفق معايير نتنياهو، لأن قدرات إيران العسكرية متواضعة للغاية ولأن طموحاتها إقليمية وليست عالمية. رغم ذلك، تمثل إيران نوعا خاصا من الخطر على العالم لأنها، مثل فرنسا الثورية، إن لم يكن مثل المانيا النازية، تسعى إلى توسيع مساحة سيطرتها ليس ببساطة على سبيل مصلحة الدولة وإنما كقناعةٍ أيدولوجية. إيران هي قوة ثورية عازمة على قلب وضع إقليمي قائم. وبينما أنهكت فرنسا نفسها عبر قتالٍ دائم فأفقدت مبادئ الثورة مصداقيتها في النهاية، فقد حارب قادة إيران إلى حدٍ كبير عبر وكلاء، محافظين على مكانتهم، بالإضافة إلى قوة بلادهم البشرية. بالفعل، حقيقة أن القائد الأعلى للثورة على خامنئي قد أعطى مباركته للاتفاق النووي هي علامة على المرونة التي حافظت على الثورة بعد أكثر من 35 عاما.

من غير المرجح أن يدمر النظام نفسه، وينبغي أن تكون حرب العراق قد شفيت حتى أكثر الأرواح تهورا من اعتقاد أن قوىً خارجية يمكن أن تؤسس لتغيير النظام بدون نتائج كارثية. إذن السؤال هو، ما الأفعال التي يمكن أن يقوم بها الغرباء – إذا وُجدت – لتقليل فعالية أيدولوجية إيران الثورية وبالتالي كبح سياستها الخارجية المغامرة؟ أي كيف تتحول إيران لتشبه القوى الناشئة الأخرى الطموحة لكن المسؤولة، مثل الهند أو تركيا؟

هل يمكن للاتفاق النووي نفسه أن يبدأ في تحقيق ذلك؟ في محادثاتٍ أجريتها مع مسؤولين في إدارة أوباما منذ صيف عام 2009، أعرب هؤلاء المسؤولون عن أملٍ يتسم بالحذر الشديد أن نهجا جديدا أكثر احتراما نحو إيران ربما يؤدي في النهاية إلى مثل تلك النتيجة. الآن وحيث أن أوباما قد حصل على الاتفاق النووي الذي سعى إليه، فهو حريص على قول، كما فعل في حواره مع توماس فريدمان من صحيفة نيويورك تايمز، أنه ليس لديه اي توقعات لإيران أكثر لطفا وودية. تعلم الرئيس عدة دروسٍ مؤلمة عبر السنوات حول عناد منافسي الولايات المتحدة (فكر في روسيا في أوكرانيا أو الصين في بحر الصين الجنوبي). الأكثر من ذلك أنه يعلم أن نتنياهو والعديد من حلفائه الخليجيين يرون سياساته نحو إيران ساذجةً باستهتار. ليس هناك حاجة لمضاعفة المشكلة عبر طرح سيناريوهاتٍ فائقة التفاؤل.

هناك، حقيقةً، بضعة أسباب للتفاؤل. كما أشار عدة معلقين، فإن جزءا من الـ100 إلى 150 مليار دولار التي سوف يتم إنهاء تجميدها مع رفع العقوبات سوف تذهب بالتأكيد إلى الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله. حتى بغياب ذلك التدفق المفاجئ، فإنه طالما ظل خصوم إيران السنة، وفي مقدمتهم السعوديين، مهووسين بمواجهة نفوذ إيران، الحقيقي والمتخيل، فسوف تستمر إيران في دعم المجموعات الشيعية في العراق ولبنان واليمن وسوريا.

لذا فعلى المدى القصير من المرجح أكثر أن يجعل الاتفاق النووي الأمور أسوأ بدلا من جعلها أفضل، وربما يقضي الرئيس وقتا أكثر من المدة المتبقية له في منصبه في مواجهة تحركات إيران العدوانية أكثر من استدعاء ملائكتها الأفضل، كما ناشدته افتتاحية نيويورك تايمز أن يفعل مؤخرا.

لكن ماذا عن المدى الطويل؟ ماذا عن التغيرات، ليس في سلوك النظام ولكن في أسسه الأيدلوجية، وبالتالي في توازن القوى بين الدولة والمجتمع؟ هل من المنطقي الاعتقاد بأن الاتفاق النووي قد يساعد في دفع إيران نحو الاعتدال؟ أعتقد ذلك، وأتصور أن أوباما يعتقد ذلك ايضا، حتى إن لم تجده يقول ذلك.

تحتاج الثورات خصوم. أفضل حُجة لإنهاء العقوبات التي استمرت عقودا على كوبا كانت أن العداوة الأمريكية المزمنة قد وفرت للأخوين كاسترو الذريعة المثالية للإبقاء على حكمهما الديكتاتوري. سوف يطلق تطبيع العلاقات قوىً تقوض شرعية النظام الشيوعي وتقوي القوى الليبرالية. تلك العملية قد بدأت للتو، لكنها لديها قدرةٍ أكبر بكثير على تحويل كوبا إلى دولةٍ تحترم النظام العالمي من سياسة العداوة الأبدية. استخدمت إيران، مثل كوبا، معاداة أمريكا السامة للحفاظ على قبضتها على مواطنين يضيق صدرهم أكثر فأكثر.

مازال باستطاعة الملالي حشد الجموع ليصرخوا "الموت لأمريكا"، لكن هذه الجموع ليست كبيرة كما كانت يوما. فعلى خلاف كوبا، لدى إيران طبقة وسطى نشيطة ونامية تطوق للسفر والتجارة مع الغرب. تلك الطبقة انتخبت المعتدل حسن روحاني كرئيس عام 2013. تلك الطبقة الطموحة هي التي ستكون أداة التحول الاجتماعي في إيران في النهاية.

بالطبع، هناك حججٌ على الجانب الآخر. كوبا مفلسة تماما وتحتاج حبل نجاة من الغرب، بينما الاتفاق النووي بصدد إطلاق طوفان من الدخل على إيران. إذا كانت الولايات المتحدة تريد بالفعل أن ترجح الكفة بين الدولة الدينية ومجتمعٍ يزداد طموحه مثل المجتمع الإيراني، فينبغي على واشنطن أن تضيق العقوبات أكثر حتى ينتفض المواطنون ضد حكامهم – كما فعل الرئيس الأسبق رونالد ريجان عبر زيادة الإنفاق العسكري حتى قام السوفييت بإفلاس أنفسهم. رغم ذلك يبدو هذا أقل قدرة على نزع الملالي من السلطة من ديناميكية الحرية الاقتصادية.

المجتمعات الثورية لا تستمر للأبد؛ إنها تنهار في النهاية تحت وطأة تناقضاتها. ماو يفسح الطريق لدينج، أندروبوف لجورباتشوف ثم ليلتسين (ثم، للأسف، لبوتين). أحيانا تحتاج الولايات المتحدة أن تواجه مثل هذه الأنظمة، احيانا أن تحتويها، واحيانا تحاول أن تعد مخرجا. ركزت واشنطن سياستها تجاه إيران حتى الآن على الخيارين الأولين. الآن هي تجرب الثالث. إنه رهان، لكنه أفضل كثيرا من البدائل.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب