الانتصار على الدولة الإسلامية لن يصلح العراق

مقال رأي

 في ربيع العام الماضي، كان من الصعب على العالم أن يتصور أن أجزاءً كبيرة من العراق ستقع في أيدي الدولة الإسلامية. ولكن وجود المجموعة - من خلال سقوط الموصل، ودخولها في الحرب الأهلية في سوريا، وإعلانها عن مسؤوليتها عن شن هجمات في جميع أنحاء العالم - قد أصبح التمثيل الأمثل للتطرف الإسلامي، على الرغم من أنها قد لفتت انتباه العالم فقط لما يزيد قليلًا عن السنة. إلا إن الظروف التي تحتضن هذا النوع من التطرف العقائدي أقدم بكثير من الدولة الإسلامية، وسوف تدوم تلك الظروف حتى بانتهاء الدولة الإسلامية. ما لم تكن الحكومة العراقية، بمساعدة المجتمع الدولي، قادرة على الانخراط في التنمية الشرعية للدولة والحكم في المنطقة، سوف يستمر التطرف في التسارع وفي وملء الفراغات الاجتماعية والسياسية.

قد عانت الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في محاولاتها لدفع الجماعة إلى التقهقر، حتى على الرغم من تحقيقها بعض النجاحات. لكن لمساعدة العراق في هزيمة الدولة الإسلامية تحتاج الولايات المتحدة في الواقع إلى تنويع نهجها. يعني مكافحة هذا النوع من التطرف الذي تجسده الدولة الإسلامية التصدي إلى المشكلة الأساسية: وهي عدم وجود هياكل حوكمة شرعية تقدم للمواطنين فرص الازدهار. لا يمكن للعراق تحقيق هذا المستوى من الشرعية دون مساعدة واستثمار في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتغلب العراق على هذا التحدي، فإنها تحتاج إلى مساعدة العراقيين على إعادة بناء نموذج الحكم الذي يشمل الجميع، وكذلك الفرص التعليمية والاقتصادية بطريقة تعود بالفائدة على جميع المناطق، وإلا ستواجه احتمال انقسام الجماعات بعنف لتستجيب إلى الاحتياجات التي لا تستطيع حكومتهم االتعامل معها.

على الرغم من أن الدولة الإسلامية هي العدو الحالي، فالمشكلة التي تحاربها العراق لها جذور عميقة. الأيديولوجيات التي تستخدم الإسلام لتبرير العنف السياسي ليست جديدة على الشرق الأوسط. قبل قيام الدولة الإسلامية، كان هناك تنظيم القاعدة. وبدوره سبقته الجماعات المتطرفة الإسلامية المنسية التي انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين قبل بضعة عقود، مثل التكفير والهجرة، وانتشرت جماعات التكفير تلك في جميع أنحاء المنطقة. ليست بينهم روابط بشكل رسمي، ولكنها تتشارك في الميل باعتبالا أي شخص لا يتوافق مع أيديولوجيتهم المعزولة شخصا كافرًا يستهدفونه. ليست الدولة الإسلامية سوى أحدث تجسيد لهذه الظاهرة، إن لم تكن الأكثر نجاحا. إن الفكر الذي يحتضن هذه الجماعات المتطرفة هو الذي يجب حقا أن يهزم في العراق والمنطقة العربية.

لا يمكن للاستراتيجية العسكرية وحدها سوى تحقيق أهداف على المدى القصير على الأرض فحسب، ما تحتاجه الدولة العراقية لجعل تلك المكاسب مستمرة هو الشرعية الوطنية.

***

تمثل الدول الضعيفة مثل العراق عنصر جذب للتطرف. أحد أسباب قدرة الدولة الإسلامية على تجنيد الأفراد من السكان المدنيين المحليين والدوليين هي إنهم قادرون على تصوير أنفسهم على أنهم دعاة الصلاح بالقياس إلى الفساد والحكومات الاستبدادية. افتقار الدول للشرعية يدفع الناس إلى أحضان الفكر المتطرف.

كلما زاد الضغط الشديد على المدنيين، كلما اتجهوا إلى جماعات مثل الدولة الإسلامية.

على الرغم من ذلك، فقد ثبتت البراعة الشديدة للدولة الإسلامية في التجنيد. وفقا لشبكة "سي إن إن" تقدر وكالة المخابرات المركزية أن هناك ما بين 20000 و32000 مقاتل في الدولة الإسلامية. وعلى الرغم من إن مسؤولي الاستخبارات الاميركية قدروا في مطلع يونيو أن حملة القصف التي تقودها الولايات المتحدة قتلت وحدها أكثر من 10000 جندي بالدولة الاسلامية، يقدر الخبراء إن أعداد المجندين الأجانب قد عوضت الأعداد التي فقدت. في تقرير صدر في مايو، قدرت الأمم المتحدة أن أكثر من 25000 مجاهد أجنبي قد سافروا للانضمام إلى جماعات اسلامية متشددة في جميع أنحاء العالم. لم تكن تلك القدرة على امتصاص مجندين من المدنيين بذلك الوضوح مثلا في العراق في مرحلة ما بعد عام 2003، عندما كان المتمردون الطائفيون في صراع محتد. كما إنه لم يكن متفشيا عندما كان تنظيم القاعدة في ذروة عملياته في السنوات التي سبقت 11 سبتمبر. لقد ساعد في اشعال حموة هذا التجنيد قدرة الدولة الإسلامية على الاستيلاء والسيطرة على أراضيها، وهو الإنجاز الذي كان مسؤولا عنه الدعم النشط أو الضمني من السكان المحليين.

ومع ذلك، فإن الحقيقة البسيطة هي أن الوضع في العراق قد أصبح وخيمًا بالنسبة للعديد من المدنيين، وكانت الدولة الإسلامية باستمرار قادرة على استغلال الخلافات الطائفية التي تسللت في جميع أنحاء البلاد. يتعامل المسلمون السنة مع التهميش الاجتماعي والسياسي منذ غزو العراق عام 2003، والتي مهدت الطريق للأغلبية الشيعية للوصول إلى السيطرة السياسية. في السنوات الأخيرة، أصبح العنف العشوائي من قبل القوات العسكرية العراقية سببًا رئيسيًا للمدنيين المحليين ليلجأوا إلى الدولة الإسلامية، وفقا للصحفي المقيم العراق محمد الدليمي.

وقد تضمنت الاستراتيجية العسكرية ضد الجماعة إرهابية دعم الجماعات المتشددة المعادية للدولة الإسلامية في المنطقة، وهو نهج أمني لم يؤدي سوى إلى دورات غير مفيدة من العنف الإقليمي والمحلي. و قد أدت النزاعات الإقليمية إلى صراعات محلية، كما إن المزيد والمزيد من المجتمعات المدنية قد أصبحت لها نزعات عسكرية. وقد أدى انهيار الجيش العراقي في الصيف الماضي في العديد من المعارك الرئيسية إلى أن تملأ تلك المليشيات – والعديد منها يتمتع بدعم إيراني او كردي والتركي- الفراغ الأمني، والذي تسبب في بعد إضافي للتعقيدات الطائفية.

إن الجماعات الكردية والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران التي تقاتل ضد الدولة الإسلامية مسؤولة عن جزء كبير من العنف الطائفي في كل من سوريا والعراق. على سبيل المثال تسببت الميليشيات الشيعية التي تدخل المناطق السنية التقليدية في العراق إلى المزيد من الاضطرابات، على الرغم من إنها يفترض كونها مناطق معادية للدولة للإسلامية. أما الدعم الغربي للميليشيات التي يفترض إنها معتدلة وتقاتل ضد قوات الرئيس السوري بشار الأسد، فقد فاقمت من الانشقاقات الطائفية، لأن هذه الميليشيات انخرطت في هجمات انتقامية ضد السنة.

وقد بدأ يزيديي العراق (لا سيما في منطقة جبل سنجار) في الانتقام بعد أن شردتهم الدولة الإسلامية في الصيف الماضي، كما إن العنف ضد المسيحيين الآشوريين في شمال شرق سوريا والمسيحيين الأقباط في ليبيا دفع المتعصبين المسيحيين للسفر إلى الخارج "لحماية" إخوتهم في الدين. المسيحيين العراقيين من أصل آشوري عانوا أيضا في إطار صعود الدولة الإسلامية، حتى إنهم بدأوا في جمع الأموال لتعزيز جهودهم الانتقامية. في كثير من الحالات، يجري تسليح المدنيين وتدريبهم للقتال. على سبيل المثال، القوات الموالية للاكراد يدربون اليزيديين وجماعات أخرى في العراق ضد الدولة الإسلامية، في حين أن الفصائل الموالية للشيعة يدربون الشبك، والأقليات العرقية والثقافية الأخرى في العراق، والعراقيين الشيعة الآخرين أن يفعلوا نفس الشيء. يمكن لهذه الديناميكية الإقليمية أن تؤدي إلى مستقبل تلجأ فيه الميليشيات الطائفية أو العرقية المختلفة إلى العنف لتحقيق أهداف سياسية بدعم من القوى الإقليمية الكبرى مثل إيران وتركيا والسعودية. إن تلك وصفة لمزيد من عدم الاستقرار.

إذا أراد العالم أن يسيطر على هذا النوع من العنف المحلي والإقليمي القائم على أساس طائفي، يجب أن يكون هناك استراتيجية – تقوم عليها القوى الدولية والإقليمية - إلى جانب الخطة الحالية التي ترتكز على الجانب الأمني. فذلك التأثير المهدئ مستحيل في وتيرة العسكرة المحلية الحالية، والتي غالبا ما تجرى على أسس سياسية وطائفية.

***

إن موازنة القوى التي يبدو إنها تزعزع الاستقرار وتعيد توجيه الشرق الاوسط تتطلب استراتيجية شاملة تعزز مؤسسات التعليم والضمان الاجتماعي، والتي يمكن أن تحسن من حال عدم المساواة الاقتصادية وانعدام التقدم في معظم أنحاء المنطقة. لكن يجب القيام بذلك بطريقة تناسب خصائص كل بلد. حتى الآن، النهج المقترح للدول متعددة الطوائف القومية تتمسك كثيرا بالمعايير الاجتماعية الغربية العلمانية، التي غالبا ما تكون غير عملية وغير مستساغة بالنسبة للسكان في المنطقة. وعلاوة على ذلك، لدى الغرب مشكلة في المصداقية يجب عليه التغلب عليها.

في البداية، فإن صناع القرار السياسي في الغرب سيحسنون صنعا بإعادة النظر في تحالفاتهم مع بعض الدول الاستبدادية مثل السعودية وتركيا، والتي لديها أجندات استراتيجية لا تتماشى دائما مع الولايات المتحدة. ولا يكتفي هذا بتشجيع السخرية بين صفوف المدنيين، بل أنه أيضًا يسهل عدم الاستقرار الإقليمي والعنف بشكل مباشر عن طريق سياسة الكيل بمكيالين التي يفهمها ويدركها الجميع. وقد أصاب العراقيون أيضا الإحباط بسبب ما يعتبرونه سياسة الكيل بمكيالين فيما يتعلق بكيفية إضفاء العالم الشرعية على الميليشيات الطائفية في سوريا التي تكافح الأسد، ولكنها تسمي مجموعات مماثلة في العراق بأنهم "إرهابيون". التمويل المزعوم من قبل دول مجلس التعاون الخليجي للميليشيات المناهضة للأسد في سوريا هو خير مثال على سوء الإدارة تلك، وجزء كبير من تمويلها يذهب للجماعات المتطرفة، مما ساعد على تفاقم مشكلة الدولة الإسلامية المجاورة.

ثانيا، العسكرة المستمرة للأحياء وللمدنيين يؤدي إلى تطرف متزايد. يجب على الولايات المتحدة والدول الأخرى أن تبدأ في وقف تدفق الأسلحة إلى أماكن مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، على الرغم من أن الجني قد خرج من القمقم الآن بالفعل.

إن نسل المتمردين العراقيين الذيين ظهروا في عراق ما بعد 2003 سيكبرون وربما يستمرون في القتال نفسه الذي شارك فيه آبائهم في ما لم تبدأ الحكومات في المنطقة في اتخاذ مواطنيها  بشكل أكثر جدية من خلال التحول إلى ديمقراطيات تمثيلية حقيقية وتنفيذ التدابير التي يستفيد منها الجميع، بغض النظر عن الطائفة أو العرق. ولا يمكن أن يتم أي من هذا من خلال التدخل الأجنبي بالقوة، الأمر الذي يجعل الانقسامات العرقية والطائفية أكثر خطورة وربما أكثر قدرة على اثارة التطرف. يجب أيضا أن تعالج مسألة كيف يمكن أن يلعب الإسلام دورا في بناء الدولة. إدارة الطائفية يعني تسهيل الاعتدال. ويمكن أن يتم ذلك من خلال توفير منبر للعلماء المسلمين ذوي التفكير المعتدل للتعبير عن أصواتهن في الخطاب العام. ومن بينهم الموريتاني عبد الله بن بيه، الذي طالما دعا إلى حل الخلافات الطائفية داخل المجتمع الإسلامي العالمي.

يجب على الدول الغربية أن تعيد النظر في أولوياتها بطريقة تساعد على إعادة الشرعية الإقليمية للدول وتحمي الناس خلال الصراع مع تعزيز نوعية حياتهم في وقت السلم. وهذا يعني ضخ المزيد من الموارد في مجالات مثل التنمية التعليمية والاقتصادية، كل ذلك بطريقة تعزز التعايش السلمي والشامل في مجتمع متنوع. وسيساهم هذا الاستثمار في الحكم الشامل والتنمية في أن يقطع شوطا طويلا في مجال بناء شرعية الحكومة، وهو الأمر الذي طالما مثّل مشكلة لمنطقة الشرق الأوسط. يجب أيضا على القادة الجدد أن يجسدوا هذه الشرعية الجديدة من خلال التعبير عن رغبة من الدولة لمعالجة قضايا مثل حقوق الإنسان وعدم المساواة الاقتصادية. دون هذه الاستراتيجيات لاستكمال الخطة العسكرية، فإنه سيكون من المستحيل منع المزيد من العنف من الاشتعال في المنطقة لفترة طويلة قادمة. أن يكون هناك شرق أوسط بمزيد من العنف الطائفي عما هي عليه اليوم، فذلك سيناريو كابوسي يجب على العالم أن يفعل كل شيء لمنعه.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب