الجيش الأمريكي المنكمش: هل حانت نهاية السيادة الأمريكية؟

مقال رأي

 مثل الإعلان عن اعتزام الجيش الأمريكي تسريح 40,000 من قواته و17,000 من موظفيه المدنيين بحلول العام 2017 مفاجأة للبعض. رغم أنه من المعروف منذ فترة طويلة أن إدارة أوباما تعتزم تقليص حجم الجيش بالتوازي مع تخفيضات الميزانية العسكرية، حيث يثير توقيت إجراء تلك الخطوات الاقتصادية بعض الجدل – خصوصا في ضوء الأحداث الجارية في الشرق الأوسط وأوروبا.

ولكن تلك التخفيضات لا تتعلق إلى حد كبير بتقدير إدارة أوباما للبيئة الأمنية على المدى القريب. بل تمثل دليلا على القبول كلي المستوى من قبل النخبة السياسية الأمريكية لوجوب السماح بتضاؤل السيادة العالمية لأمريكا – خصوصا على الصعيد العسكري. عبر دعمها لقيود تخفيضات الميزانية بدلا من محاولة إيجاد بديل لها يتفق عليه الحزبين، رضخت النخبة السياسية الأمريكية بشكل فعال للتخلي عن التفوق العسكري الأمريكي، بغض النظر عن الأوضاع العالمية.

يجب تذكر أن تقليصات الميزانية، وفقا لقانون مراقبة الميزانية لعام 2011، لم يكن من المفترض أبدا أن تطبق. بل على النقيض، كانت حزمة التخفيضات الموضوعة منذ أربعة سنوات مصممة خصيصا لتكون غير مستساغة بالنسبة للمشرعين، لتحفيزهم على التوصل إلى مسار سياسي لتجنب تطبيقها. مثلت التقليصات أداة ربط لتقييد أيدي أعضاء الكونجرس، وأداة ستجبر الحزبيين بشدة من السياسيين على التعاون مع بعضهم البعض نحو هدف خفض الإنفاق العام وزيادة العائدات.

إلا أن ما يطلق عليه "اللجنة العليا" المسؤولة عن التحايل على التخفيضات فشلت في مهمتها المنطوية على وضع الميزانية الفيدرالية على أساس متين. فخطط الإنفاق التي كانت يفترض أن تكون غير مرغوب فيها، بسبب طبيعتها، من قبل الأحزاب السياسية الأمريكية أصبحت فجأة الواقع الجديد، ووجد الجيش الأمريكي نفسه بين المطرقة والسندان على نحو صارم.

كشفت اختيارات واشنطن أنها، في الواقع، تفضل تقليصات الميزانية – وهو عقاب كان يفترض أنه أسوء كوابيس الإدارة الأمريكية – على صفقة مالية كان يمكن أن تنجي الجيش من الانكماش، ويعتبر ذلك شيئا دالا. منذ خمسة عشر عاما، كتب تشارلز كراوثمير أن أكبر تهديد لـ"اللحظة الأمريكية أحادية القطب" سيكون له تلك الطبيعة تحديدا، التي تشتمل على كونه: ليس تحديا خارجيا للهيمنة الأمريكية، بل عدم استعداد داخلي لدفع تكلفة القيادة الدولية. وحديثا، قدم روبرت جى ليبير نفس الفكرة مع بعض الإقناع.

بالتأكيد لن يخسف الجيش الأمريكي بين ليلة وضحاها بسبب تلك التخفيضات المقررة. وكذلك لن يتم تخطي قدراته بعد عام 2017، عندما ينكمش الجيش إلى حوالي 350,000 جندي (أقل عدد للجنود منذ 11 سبتمبر). فحجمه الهائل، وبراعته التكنولوجية، وتدريباته المتفوقة، وبصمته العالمية منقطعة النظير ستضمن أن يبقى الجيش الأمريكي متفوقا على أقرب منافسيه على المدى القريب. وفي النهاية، لا يزال البنتاجون يستطيع أن يتباهى بأفضل جيش في العالم دون أن يكون ذلك الجيش في أفضل حالاته.

تتمثل الخطورة على السيادة الأمريكية في: 1) إن سمح للتخفيضات بأن تستمر محدثة خسائر بالجيش والأفرع الأخرى من القوات المسلحة، 2) إن اعتقد عدد كافي من الأمريكيين أن التخفيضات بالنسبة للجيش ليست مضرة بل واعتبروها مرغوبة، ما سيبدأ تأثير الدوامة، حيث ستبدأ المنظمات المحلية في استعجال خفض حجم الجيش، بغض النظر عما يجري بحثه حاليا في ظل خفض الميزانية.

وفق خطط الإنفاق الحالية، تنطوي التصورات على أن الجيش سينخفض إلى حوالي 420,000 جندي عامل – وهو حجم حذر منه المخططون العسكريون لأنه سيعرض قدرة الجيش على الانتشار بشكل فعال إلى عدة مناطق للحرب في آن واحد للخطر. سيكون ذلك العدد بعيدا للغاية عن عدد 566,000 جندي – وهو حجم القوات في أوج حرب العراق وأفغانستان – وسيقوي أيضا رفض البنتاجون سابقا لشعار استمر لعقود حول وجوب أن تكون الولايات المتحدة قادرة على خوض عدة حروب برية متزامنة.

تحت حكم الرئيس كينيدي، كان يفترض أن يكون الجيش قادرا على شن حربين ونصف في ذات الوقت وعلى نحو شامل. وفي الثمانينات، صاغ كاسبر وينبيرجير خططا لاستراتيجية ثلاث حروب ونصف. ولكن في عام 2010، أعلن روبرت جيتس أن الولايات المتحدة لن تستعد مجددا لخوض حربين بالتزامن، مفضلة بدلا من ذلك أن تنظم نفسها لمواجهة التهديدات غير التقليدية مثل الحرب الإلكترونية والإرهاب.

سيؤدي التثاقل بعيدا عن التخطيط لخوض وكسب حروب برية كبيرة إلى المزيد من التثاقل، في حال انكمش الجيش إلى حجم لم نره منذ الحرب العالمية الثانية. وبمجرد فقد الولايات المتحدة لقدرتها – وتحديدا، رغبتها الشديدة – على الحفاظ على سيادة عسكرية معقولة على جميع الدخلاء، قد يطرح سؤال منطقي نفسه: لماذا يعتبر وجود جيش قوامه 420,000 أو 400,000 أو حتى 300,000 ضروريا؟ فحجم أقل للبصمة العالمية لن يكون بالضرورة أكثر جاذبية من عدم وجود أي بصمة عالمية، وإن كان أمر لا يستحق أن ينفذ بكل إخلاص، فربما كان لا يستحق أن ينفذ من الأساس.

سواء أكانوا يفكرون في تلك الجوانب أم لا، يستخدم قادة أمريكا ما قد يصل إلى تعديل استراتيجي رئيسي كعقوبة. ويتمثل الاختيار الضمني الذي يواجهونه في الاختيار بين الاستثمار للحفاظ على السيادة العسكرية أو قبول خسارتها. بهدوء، وعلى مضض – وربما حتى بشكل غير مقصود – تؤدي السياسات المالية إلى الخيار الأخير.

تخفيض النفقات ليس أمرا سيئا، بالتأكيد، وهناك أسباب قهرية لاحتمالية تمني الولايات المتحدة تغيير حجم قواتها في الخارج وسط بيئة جيوسياسية متغيرة. ستتمثل المشكلة في اتخاذ القرارات اللاحقة دون نقاش سليم – إن كانت أداة خفض النفقات الخارجة عن السيطرة ستملي الخيارات الاستراتيجية الرئيسية، بدلا من القيادة المنتخبة للبلاد.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب