الحرب السعودية الباردة مع إيران تزداد سخونة

مقال رأي

 في الأيام التي سبقت توقيع الاتفاق النووي مع إيران، بدا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري متحمسا بشأن احتمالية أن اتفاقيةً قد تمهد الطريق لإنجازاتٍ دبلوماسيةٍ أخرى في المنطقة. حيث تحدث  في مقابلة مع جريدة بوسطن جلوب التي تصدر في مسقط رأسه عن كيف أن الصفقة هي "فرصة هنا لتحفيز الناس" وربما "فتح بعض الأبواب" لتعاونٍ إقليميٍ مستقبلي.

بعد أن خرج صفر اليدين من عملية السلام في الشرق الأوسط، فاز كيري الآن بالإنجاز المحوري لفترة وجوده كوزيرٍ للخارجية. لكن فيما يخص نقطة إنجازاتٍ دبلوماسيةٍ أبعد، فإن من المقدر له أن يخيب أمله. هذا النجاح سوف يفاقم فقط التوترات الإقليمية على المدى القصير عبر تصعيد الحرب الباردة بين السعودية وإيران.

حدثت مبادرات الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأولى نحو إيران، والمفاوضات عبر القنوات الخلفية التي بدأت في عام 2012، عندما كان المشهد الإقليمي يبدو مختلفا تماما. كان ذلك قبل أن تضخ إيران وحزب الله رجالهما ومواردهما لدعم الرئيس السوري بشار الأسد، قبل نشر الميليشيات الشيعية في العراق بأعدادٍ كبيرة لمواجهة ما يسمى بالدولة الإسلامية، و، الأمر الهام للغاية، قبل أن يبدأ السنة المحرومين من حقوقهم بالشعور، سواء كانوا على حق أو على خطأ، في أنهم يتعرضون لهجومٍ شديد من قِبَل إيران عبر المنطقة.

 انتهت المفاوضات في فيينا بينما تشتعل المنافسة بين طهران والرياض عبر الشرق الأوسط، وسوف يجعل الاتفاق السيطرة عليها فقط أكثر صعوبة. بينما من المرجح أن تذعن الرياض للاتفاقية، فإن عمق عدواتها مع إيران يظل كما هو. إذا كان له أي تأثير، فإن اتفاقا تراه السعودية كتقاربٍ بين حليفها الرئيسي وعدوها اللدود سوف يزيد فقط من شدة الحرب بالوكالة.

نحن نعلم بالفعل أن السعودية تعمل لمواجهة إيران حتى على مستوى أقل القضايا أهميةً. من منع السجاجيد الإيرانية في مكة، مرورا بتتبع حركة وأعداد الشيعية في دولٍ مثل مصر، إلى عزل رئيس جامعة في إسلام آباد، فإن الدبلوماسية السعودية عملية للغاية وأكثر فعالية عما يفترض معظم الناس، بفضل قوة دفتر شيكاتها وسعيها الحثيث لتحقيق هدفها الرئيسي: التصدي للجمهورية الإسلامية، بالإضافة إلى القوة السياسية للشيعة بشكلٍ عام.

تلك هي الصورة التي تحصل عليها عندما تدقق في البرقيات الدبلوماسية التي نشرتها ويكيليكس في يونيو. نشرت المنظمة 60,000 برقية حتى الآن، من بين إجمالي مُتوقع يبلغ 450,000؛ معظم تلك البرقيات المنشورة كُتبت بين عامي 2010 و2013. لم يؤكد السعوديون أو ينفوا صحة تلك البرقيات.

التدقيق في البرقيات العربية، ذات التقويم الإسلامي، الترويسات، الطوابع، والخربشات المكتوبة بخط اليد أحيانا – هو أمرٌ ممل ومستهلك للوقت. لكن إذا تجاوزت فواتير تذاكر الطيران العشوائية ونسخ جوازات السفر، فإن الجائزة هي نافذة ساحرة إلى عالمٍ سري عادة للدبلوماسية السعودية والحرب السعودية-الإيرانية الباردة التي تجتاح الشرق الأوسط.

لا ينبغي أن يكون هوس الرياض بطهران مفاجئا. فنحن نعلم من البرقيات الدبلوماسية التي نشرتها ويكيليكس أنه في عام 2008 كان السعوديون يدعون الولايات المتحدة بالفعل إلى ضرب إيران و"قطع رأس الأفعى".

ليس هناك دعوات لقطع رأس أي شخص في البرقيات السعودية، لكنها تظهر بتفاصيلٍ دقيقة كيف تعمل السعودية بهوس على مجابهة إيران. يراقب السفراء السعوديون حول العالم كل حركة يقوم بها الإيرانيون ويبلغون وزير الخارجية السعودية بأصغر التفاصيل وأقلها أهمية. في إحدى البرقيات غير المؤرخة، على سبيل المثال، أطلع قسم الشؤون الاقتصادية والثقافية بوزارة الخارجية وزير الخارجية آنذاك سعود الفيصل أن صانع سجاد إيرانيٍ شهير أبدى اهتماما بحياكة سجاجيد مصنوعة خصيصا للحرمين الشريفين في مكة والمدينة.

بالنسبة للسعوديين، لم يكن الأمر متعلقا فقط بالزينة، وإنما قضية مشحونة بالأهمية الجيوسياسية. وزنت السفارة السعودية في إيران الأمر: لم تكن تلك محاولةً تجارية، هكذا كتبت، وإنما مناورةً سياسية ودينية تتماشى  مع رغبة إيران المعلنة منذ زمن بالحصول على موطئ قدم في الموقعين المقدسين للإسلام. نصحت السفارة بأنه ينبغي أن يتم رفض الطلب الإيراني، وناشدت الوزير بذلك. لا نعلم رد سعود الفيصل – لكن من المنطقي افتراض أن السجاجيد الإيرانية لم تصل أبدا إلى مكة.

في عام 2012، أرسلت السفارة السعودية في باكستان برقيةً مصنفة كـ"عاجلٍ جدا" إلى الرياض لإطلاع وزير الخارجية على أن ممتاز أحمد، رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، قد ارتكب زلةً شنيعة وهي دعوة السفير الإيراني كضيف شرف في استقبالٍ بالجامعة. علاوةً على ذلك، رفض الرئيس التراجع عن دعوته. ناشدت السفارة الوزارة سرعة إرسال رئيس جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى إسلام آباد لمقابلة مجلس الجامعة الباكستانية لإختيار رئيس آخر أكثر توافقا مع رؤية المملكة.

لم أجد البرقية التي تظهر استجابة وزير الخارجية، لكن الرئيس الحالي للجامعة الباكستانية هو مواطنٌ سعودي. أحمد، الذي تم تعيينه عام 2010 فقط، هو الآن رئيس أحد أقسام الجامعة.

الكثير من تلك الجهود لإعاقة إيران قليلة الأهمية بصورةٍ مشابهة. القضايا الكبيرة – مثل التمويل المحتمل للجماعات المتمردة في سوريا – هي في إطار تخصص وكالات المخابرات ويتم مناقشتها في برقياتٍ متعددة ذات تصنيف سرية أعلى بكثير.

قرصنة البرقيات نفسه يمكن أن يكون جزءا من الحرب السعودية-الإيرانية الباردة. هناك تكهنٍ متداول بأن مخترقين إيرانيين متورطين في الأمر، وقد حصلت البرقيات على أكبر تغطية من منشوراتٍ موالية لإيران، مثل الأخبار اللبنانية، والتي حذفت ببساطة أي تفاصيل حول سلوك إيران العدواني في المنطقة في نفس البرقيات.

حوت البرقيات، على سبيل المثال، رسالة رسمية غير مؤرخة من السفارة السعودية في طهران تبلغ بأن الإيرانيين حذروا تركيا من أنه إذا استخدمت أي قواعد تركية للقيام بعملياتٍ عسكرية في سوريا، فسوف تقصفها طهران.

لا تخجل إيران من التباهي بقوتها الإقليمية المتنامية، متهكمة على السعودية بالحديث بصوتٍ عال عن نفوذها في بيروت ودمشق وبغداد. يعني التدقيق الذي تحيط به وكالات المخابرات عملها، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على مسؤولين ومؤسسات إيرانية، أن أنشطة إيران الشائنة أكثر تحظى بالكثير من التغطية، راسمةً صورة مفصلة عما إيران بصدد فعله عبر المنطقة.

لكن حتى إطلاقها لحربٍ في اليمن، فإن جهود السعودية لتعزيز نفوذها الإقليمي كانت أكثر هدوءا وأكثر اتزانا بكثير.  لكنها لم تكن أقل فعالية – وتضمنت تمويل مساجد ومؤسساتٍ إسلامية ومدارس دينية من المغرب إلى مصر وحتى باكستان وجزء المالديف.

بعد الولايات المتحدة، قد تكون السعودية هي الدولة الأكثر نجاحا في تصدير ثقافتها. تُظهر البرقيات صبرها وعملها الدؤوب لمواجهة ما تراه السعودية انتشار الإسلام الشيعي، أو الأقليات المسلمة الأخرى، سواء كانت عبر الضغط على جامعة الأزهر المصرية الشهيرة لعدم السماح للإيرانيين بالدراسة في مؤسساتها، أو بالعمل مع وزارة الشؤون الدينية الاندونيسية لزيادة التوعية بحقيقة طائفة المسلمين الأحمديين الأقلوية، والذين لا تعترف بهم السعودية كمسلمين. بينما قد تكون الرياض أكثر اهتماما بتوسيع نفوذها الجيوسياسي، فإن ذلك النوع من الامتداد والتحكم الديني يغذي ايضا عداءً خطيرا للشيعة.

بالنسبة لكلٍ من إيران والسعودية، فإن الطائفية هي أداة مفيدة لأهدافٍ أكثر دنيوية بكثير. هذا ليس جدالا دينيا أو حتى صراعٍ سني-شيعي خالص. إنها حربٌ من أجل القوة، صراعٌ من أجل قيادة العالم الإسلامي بدأ فعليا عام 1979، بعودة آية الله الخميني إلى إيران. كان لثورة إيران الإسلامية نتائج داخلية عميقة على السعودية: فقد ألهمت، من ضمن أشياء أخرى، الشيعة في المنطقة الشرقية بالمملكة بالانتفاض لفترةٍ وجيزة والمطالبة بحقوقٍ أفضل؛ تم قمع الاحتجاجات بسرعة وبعنف. بالنسبة للرياض، فإن صعود قوة ثيوقراطية بجوارها، لديها طموحاتٍ كقائدٍ عابر للحدود لكل المسلمين، كان تهديدا مباشرا لدورها كراعٍ للحرمين الشريفين، لذا فقد بدأت في مهمةٍ لا تلين للحفاظ على مشروعيتها الدينية.

منذ الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، والذي أطلق عنان القوة الإيرانية عبر المنطقة، اقتربت المواجهة بإطراد من ذروتها. الآن فإن احتمالية تقارب دولي مع طهران يبدو أنها قد أطلقتعنان السعودية. أيا كان المدى الحقيقي لتورط إيران في اليمن، فإن الحرب ذات القيادة السعودية تم تصميها بحيث ترسل رسالة إلى طهران فحواها أن الرياض مستعدة وقادرة على نشر مقاتلاتها. (حقيقة أن الحرب تسير في اتجاه خاطئٍ تماما هي قصة أخرى).

لهذا كله عواقب حقيقية على ما إذا كان الاتفاق الذي تم توقيعه للتو في فيينا سوف يذكره التاريخ كنجاحٍ أم فشل. كانت رؤية أوباما هي أن إنجاز اتفاقية سوف يقلص قوة إيران من خلال ليس فقط التخلص من خيارها النووي، وإنما ايضا تقويض أوراق اعتمادها كقائدٍ للمعسكر المعادي للغرب. عبر نزع فتيل العداوة مع طهران، تستطيع الولايات المتحدة ايضا تعديل وضعها العسكري في الخليج العربي، والذي دفعه جزئيا التهديد الصادر من إيران منذ عام 1979.

بدلا من ذلك، فإن العبث بالوضع القائم قد سبب قلقا عميقا بين الدول العربية في الخليج ووتر العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة – من إسرائيل إلى الإمارات العربية المتحدة – والتي شعرت بأنها قد تمت خيانتها من خلال افتقاد الإدارة الأمريكية للشفافية خلال المفاوضات. إنهم يخطون إلى ما يرونه فراغا – عبر اتخاذ إجراءاتٍ أكثر شراسة في سوريا، إطلاق حرب في اليمن، وقصف قواعد المسلحين في ليبيا.

حافظت إدارة أوباما على مسافةٍ آمنة من القضايا الإقليمية التي يمكن أن تشيطن إيران بينما كانت المفاوضات النووية جارية. لكنها أشارت الآن إلى أنها تريد التعامل بقوةٍ أكبر مع الصراعات في العالم العربي – ويتضمن هذا التصدي للدولة الإسلامية وإنهاء الصراع في سوريا – لكن عليها العمل أسرع وبجدٍ أكبر لإقناع السعوديين أنها جادة بشأن موازنة القوة الإيرانية في أعقاب اتفاقٍ نووي.

رغم مخاوف السعودية بشأن التهديد الجهادي، فإن المملكة قد تستمر في تجاهل توسع الدولة الإسلامية إذا ابتلعت مناطق أكثر تحت سيطرة الأسد وقاتلت حزب الله، مريقةً دماءً وأموالا إيرانية خلال ذلك.

على المدى القصير، فإن الاتفاق النووي سوف يشجع فقط إيران والسعودية على تصعيد حربهم الباردة. لدينا تصور عن قدرات الإيرانيين وعما يستطيعون فعله أكثر بالأموال الناتجة عن اتفاقٍ نووي. في المقابل فإن من غير الواضح ما التالي الذي سيقوم به السعوديون – لكن أيا كان رد فعل الرياض، فيمكنك أن تكون متأكدا أنه لن يقتصر على منع السجاجيد الفارسية أو عزل المزيد من رؤساء الجامعات.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب