السياسة الإيرانية بعد الاتفاق

مقال رأي

 دلَّ الاتفاق النووي التاريخي بين إيران ومفاوضي مجموعة الدول الخمس زائد واحد، في 14 يوليو، على حدث تحويليّ بمنطقة الشرق الأوسط، وانتصار لاستراتيجية الولايات المتحدة لحظر الانتشار النووي، كما سيكون بالتأكيد أحد أكثر إنجازات الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في السياسة الخارجية، حاجةً للمتابعة.

إنَّه مناسبة مبشرة، فعلى الرغم من عدم وجود ما يضمن أن الاتفاق سيظل على قيد الحياة، بالنظر إلى حجم الجدل الذي من المرجّح أن يحصل حول مرحلة التنفيذ. كما لا يمكن للاتفاق بنفسه أن يُنهي العداء المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، الذي يسبق البرنامج النووي. سيكون الاتفاق النووي التاريخي مستدامًا فقط إذا ما استمر في خدمة المصالح الوطنية لكلا البلدين. ومن ثمَّ، إذا فكر الطرفان فيما وراء طلاقهم الاستراتيجي، في عام 1979، والاتفاق الأخير نفسه، سيدركون أن لديهما الكثير ليُجنى من تحسُّن العلاقات – وسيكون الاتفاق حاسمًا في هذه العملية.

مما لا شك فيه، أنَّ هؤلاء الذين يعارضون الاتفاق، في طهران وواشنطن – وتلك البلدان، في الشرق الأوسط، التي استفادت من القطيعة بين إيران والولايات المتحدة - لن يجعلوا الأمور سهلة. وأنَّ الاتفاق، مع ذلك، خطر يستحق أن يُتجرَّع، إذا أخذنا بعين الاعتبار عدم جاذبية البدائل الأخرى. وفي الواقع، على الرغم من عدم حصول الولايات المتحدة وإيران على كل ما يرغبون فيه، في المفاوضات، إلا أن الاتفاق هو أفضل ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة. بل هو مربح لكلا البلدين، وانتصار للدبلوماسية، وأمل يُجاوِز الحرب والتشاؤم.

لماذا الرفض؟

بمجرد أن يبدأ الكونغرس مداولاته حول الاتفاق، سيقوم المعارضون بالضغط، بلا كلل، على المشرّعين لرفضه، بحجة أنه لم يُغلِق جميع الطرق المؤدية إلى قنبلة نووية، ويعمل على شرعنة إيران كقوة عتبة نووية. لكنَّهم لن يكونوا قادرين على تقديم بديل آخر قابل للتطبيق. وإذا صوَّت الكونغرس برفض الاتفاق على أي حال، فإنَّ أوباما قد وعد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضدَّ القرار. ويتطلب تجاوز الفيتو أغلبية الثلثين في مجلسي النوَّاب والشيوخ، وهو أمر غير مرجّح. علاوة على ذلك، إنَّ القيام بهكذا تصرُّف يُعَدُّ تشويهًا عميقًا لهيبة الولايات المتحدة، ويجعل من الصعب للغاية بالنسبة إلى واشنطن الحفاظ على نظام العقوبات الحالي على إيران. وبعبارة أخرى، إنَّ فرص نجاة الاتفاق من معارضة الكونغرس جيّدة.

إذا فشل المعارضون في إحباط اتفاق أوباما، فإنَّهم، على الرغم من ذلك، سيعملون على إقناع الكونغرس، والرئيس المقبل، بمواصلة، وربما تشديد، عزل واشنطن لإيران. كما سيحذِّرون من أن رفع العقوبات، ورفع تجميد أموال إيران المقدَّرة بـ 110 مليار دولار كأصول أجنبية، سيجعل البلد أكثر حرصًا على زعزعة الاستقرار، في الشرق الأوسط. وسيصرّون على أن معاداة الولايات المتحدة تظل مبدأ تأسيسيًا للجمهورية الإسلامية. وما لن يتناولوه، بطبيعة الحال، هو أن سياسة الولايات المتحدة في عزل إيران لسنوات لم تنجح، بل ساعدت على تحويل إيران إلى قوة إقليمية.

لقد وافقت مجموعة الدول الخمس زائد واحد على رفع العقوبات المرتبطة بالأسلحة النووية على إيران، نظرًا لقناعة المفاوضين بأن جميع مسارات طهران نحو صنع قنبلة ستُغلَق بشكل مرض، وأن الأنشطة النووية الرئيسة ستتقلص إلى حد كبير، أو تجمَّد، خلال ما لا يقل عن عشر سنوات. إنَّ خطة العمل المشتركة الشاملة، التي صدرت يوم 14 يوليو، هي وثيقة مفصلة، وعالية التقنية، تحدد بتفصيل منهجي مسئوليات إيران والقوى العالمية الست. ووفقًا للوثيقة، قدَّمت إيران تنازلات كبيرة. لقد وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة، وهي عملية لم يتقنها غير عدد قليل من البلاد. ووافقت إيران أيضًا على تقليل عدد أجهزة الطرد المركزي بمقدار الثلثين، وإعادة تصميم قلب مفاعل الماء الثقيل، في آراك، بحيث لا يمكن أن ينتج البلاتين المؤهِّل لصناعة السلاح. وإجمالًا، ستكون إيران مجبرة على التخلص من 98 في المئة من مخزونها الكامل من اليورانيوم المخصَّب، الذي يمكن أن تشحنه خارج البلاد، أو تبيعه. وفي أي وقت، سيتم السماح لإيران بأن تمتلك داخل البلاد جزءًا صغيرًا من اليورانيوم المخصَّب، الذي قد تحتاجه في صنع قنبلة.

تتمثَّل النتيجة النهائية لهذه القيود في أن الوقت اللازم لإيران من أجل القيام بقفزة في صنع قنبلتها، سوف يمتد من شهرين إلى ثلاثة وحتى أكثر من سنة. وهو ما يعطي الغرب وقتًا كافيًا لمنع إيران من أن تصير نووية.

يصرّ منتقدو الاتفاق على أنهم ما زالوا لا يثقون بإيران. ولا ينبغي عليهم فعل ذلك. ولا تثق إيران أيضًا في الغرب. يمكن أن يأتي ذلك فقط ببطء، ومن خلال تدابير بناء الثقة، وتُعَدُّ هذه الصفقة بداية جيدة لذلك. كما يساعد على ذلك التحقق، والشفافية، والرصد المستمر للمنشآت النووية الإيرانية. لقد وافقت إيران، في الواقع، على النظام الأكثر تطفلًا في المراقبة والتفتيش، الذي يفرض على عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بما في ذلك المراقبة المستمرة للمنشأة فوردو، وهي منشأة تحت الأرض، وشديدة التحصين، ومصممة لتحمل القصف الجوي. كما وافقت إيران على السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش، عند الضرورة، وبالتشاور مع إيران، أي منشآت عسكرية إيرانية مشتبه فيها. وقد وافقت طهران أيضًا على الرد على جميع الأسئلة ذات الصلة بالأبعاد العسكرية لأنشطتها النووية السابقة.

المتشددون

لن يكون من السهل الترويج للاتفاق في إيران. يشتكي بعض المتشددين من أن طهران قد استسلمت للغرب. غرَّد أحد هؤلاء النُقَّاد ساخرًا من أن البرنامج النووي الإيراني قد خُفِّض لأجهزة الطرد المركزي التي يمكن أن تنتج فقط عصير الجزر الذري. لكن لن يكون هناك بديل أفضل أمام المتشددين من الاتفاق الجديد. ولا ينبغي على هؤلاء الموجودين في الكونغرس، الذين يشعرون بالقلق من المتشددين، رفض التغييرات العميقة التي حدثت في إيران، وتأثيرها الإيجابي المحتمل على العلاقات الأمريكية الإيرانية. وكما جادلتُ في مقالة في فورين أفيرز، في عام 2009، ترتكز السياسة الخارجية الإيرانية على دعامتين: بقاء الجمهورية الإسلامية، ومعاداة الأمركة. ولقد عززت الدعامتان بعضهما لبعض الوقت؛ تعتقد النخب الحاكمة بأن واشنطن تسعى لتغيير النظام، ومن ثمَّ رأت إيران نفسها في موقف دفاعي، محاولة ردع الولايات المتحدة، وتوسيع نفوذها الإقليمي كوسيلة للتحوط. ويدعم التقرير الذي رفِعت عنه السرية مؤخرًا، والصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية، في عام 2010، "القوة العسكرية الإيرانية"، وجهة النظر هذه.

بيد أنه ثمة دلائل على أن تصورات الجمهورية الإسلامية، والشعب الإيراني، عن التهديد الأمريكي تتغير تدريجيًا. وتكشف استطلاعات الرأي الإيرانية، بشكل لا لبس فيه، أن جزءًا كبيرًا من سكان إيران المتعلمين تعليمًا عاليًا، وخاصة شبابها البارعين في استخدام التكنولوجيا، يؤيد تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.

يرفض المعارضون للاتفاق هذه الحقائق، بحجة أن سياسات إيران العدائية لم تُصنَع عن طريق الناس، وإنما من قِبَل قادتها الأتوقراطيين. لكن تتجاهل هذه الطريقة في التفكير نمو فصيلٍ جديدٍ داخل النخبة الحاكمة، يسعى لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، دون تقويض السيادة الإيرانية. وعلى الرغم من أن هناك قوى ذات نفوذ لا تزال تعارض أي تقارب مع الولايات المتحدة، إلا أنه يبدو أن المفاوضات النووية المباشرة بين طهران وواشنطن قد أقنعت الكثيرين في البلاد أن الولايات المتحدة قد اعترفت أخيرًا، وبشكل صريح، بشرعية الجمهورية الإسلامية، وكذلك بحقها في تخصيب اليورانيوم محليًا.

وليس هذا الجانب من النخبة، بطبيعة الحال، جديدًا. هاشمي رفسنجاني، الذي كان رئيسًا في الفترة من 1989 إلى 1997، على سبيل المثال، عرض على  شركة كونوكو، وهي شركة نفط أمريكية، صفقة بمليار دولار، في عام 1995، لتطوير حقل النفط الإيراني سري إي. لقد أحبط الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، الصفقة، وفرض عقوبات جديدة على إيران. ومحمد خاتمي، الرئيس الإصلاحي الذي خدم في الفترة من 1997 إلى 2005، تواصل مع الولايات المتحدة أيضًا - لكن جهوده كانت عقيمة. وحتى المشاكس محمود أحمدي نجاد، الذي كان رئيسًا من 2005 إلى 2012، سعى للتفاوض مع الولايات المتحدة لحل الأزمة النووية. إلا أن إنكاره البغيض للهولوكوست جعله سامًّا بحيث رفضت واشنطن التعامل معه. لكن الرئيس حسن روحاني، المدعوم من التفويض الشعبي، هو الذي بدأ مفاوضات مفتوحة. وإنَّ نجاحه في الحصول على الاتفاق النووي من شأنه أن يُعزز أعضاء هذا الجانب، وزيادة فرصهم في الفوز في الانتخابات البرلمانية، والرئاسية، في عامي 2016 و2017، على التوالي.

قد يجادل المتشككون أن السلطة الحقيقية لا تكمن في الرئاسة، وإنما في المرشد الأعلى والحرس الثوري. وآية الله علي خامنئي، كما يرددون، متعصب، وغير مرن، ولن يكون لطيفًا مع واشنطن. لكنَّهم ببساطة على خطأ. ليس من الممكن أن يتواصل رئيسٌ إيرانيٌ مع الولايات المتحدة دون الحصول على موافقة المرشد الأعلى. وعلاوة على ذلك، لقد تعاون الحرس الثوري الإيراني، الذي يضخع للمساءلة من خامنئي حصرًا، مع قوات العمليات الخاصة الأمريكية، في عام 2001، لطرد حكومة طالبان، في أفغانستان. وكان قد صرَّح مؤخرًا أنه في حال "تصرفت الولايات المتحدة بطريقة إنسانية، لن يكون لدينا أي مشكلة في ذلك"، وهو ما يعني باللغة العامية الملتوية في إيران، نحن مستعدون لإجراء محادثات. كما أنه من المحتمل جدًا أن يشهد العالم تغييرات في القيادة العليا في إيران خلال العِقد المقبل، بحيث يتم استبدال معظم القادة السبعينيين لإيران بمن هم أكثر شبابًا، و،كما نأمل، أقل مثالية.

يمثِّل هذا كلّه فرصة فريدة لواشنطن لتحسين العلاقات مع طهران. تتشابك العاصمتين في حرب سرية منذ 37 عامًا. لدى كل منها قائمة طويلة من المظالم المشروعة. ودون أي تأمل، سيركز المتشددون، في كل من طهران وواشنطن، فقط على تلك المظالم. وبدلًا من التركيز على ذلك الماضي، يجب عليهم التركيز على الأهداف المشتركة للمستقبل. وفي الحقيقة، تشاطر الولايات المتحدة المزيد من المصالح الاستراتيجية مع إيران، في أفغانستان، والعراق، وضدَّ تنظيم الدولة الإسلامية (ويسمَّى أيضًا داعش)، مما هو مع حلفاء آخرين في الخليج العربي.

إنَّ إيران اليوم هي قوة إقليمية مُخرِّبة -  قوية بالقدر الكافي لتشكِّل منطقة الشرق الأوسط بالطريقة التي تروق لها، لكنها قوية بما فيه الكفاية لجعل تحقيق للولايات المتحدة لأهدافها الخاصة أمرًا مكلفًا. تمتد منطقة نفوذها من أفغانستان، إلى العراق، إلى الشام، وحتى اليمن. قوتها، ولا سيما قوتها الناعمة، وتقدُّمها في استراتيجيات الحرب غير المتكافئة، لا يمكن تجاهلها. لم تخلق إيران الاضطراب في هذه البلدان، لكنها تستغل الفوضى لتمكين القوات المهمَّشة وتوسيع دائرة نفوذها. وبالنسبة إلى إيران، لكي تصبح جزءًا من الحل، في سبيل تحقيق الاستقرار في المنطقة، يجب عليها أن تخفف سياستها الإقليمية، ولا سيما تجاه نظام بشار الأسد الوحشي، وتجاه لبنان. يمكن أن يوفِّر الاتفاق الجديد فرصةً فريدةً لإيران كي تنتقل نحو الاعتدال الحقيقي في سياساتها الإقليمية.

يتمثَّل التحدي الرئيس بالنسبة إلى الولايات المتحدة في تقديم حوافز استراتيجية لتحويل ايران من قوة مخرِّبة إلى قوة متعاونة. يمكن للقوتين التشارك في إدارة التعاون التكتيكي حين تتزامن مصالحهما المتبادلة، والتنافس مع بعضها البعض حين لا يمكن التوفيق بين مصالحهما. ستكون مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية مكانًا جيدًا للبدء، وهو التنظيم الذي يشكِّل تهديدًا عميقًا لكلا البلدين، وللمنطقة بأسرها. لقد توسَّع التنظيم فيما وراء حدود العراق، وسوريا، إلى المملكة العربية السعودية، ومصر، واليمن، وليبيا، وتونس، وحتى باريس.

لا ترغب الولايات المتحدة في وضع قوات على الأرض، في العراق، أو سوريا، لمحاربة داعش. لكن القصف الجوي لمرافق التنظيم الإرهابي ومقاتليه لن يهزمه. ومن غير المرجح أن تكون مصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، على استعداد لإرسال قوات؛ وفوق كل شيء، تعارض الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة، في بغداد، ونظام الأسد، في دمشق، بشدَّة مثل هذا التدخل. ويهتم الجيش التركي القوي بإسقاط الأسد أكثر من هزيمة داعش. ولدى قوات البيشمركة الكردية الرغبة في محاربة داعش، لكنها لا تمتلك القدرة على إلحاق الهزيمة به. ومن غير المرجح أن تستطيع الولايات المتحدة تدريب قوات عربية أهليّة، ومعتدلة، بشكل أسرع من تجنيد داعش لأعضاء جدد.

بيد أنه لدى إيران الإرادة والقدرة على "تحطيم وهزيمة داعش"، وما فعلته لإضعاف التنظيم أكبر بكثير مما فعله حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي. وتمتلك الميليشيات الإيرانية التدريب سجلًا جيدًا في القتال ضدَّ داعش، في العراق، وسوريا. كما تقاتل أعضاء الحرس الثوري مباشرة مع داعش. وكانت إيران أول دولة تقدم الدعم اللوجستي والمعدات للأكراد العراقيين عندما تعرضوا للتهديد من قِبَل داعش، في عام 2014. بل ساعدت إيران بغدادَ، والميليشيات العراقية، في تحرير بعض المدن، في العراق، من سيطرة داعش.

يقول المتشككون إنَّ أي تعاون تكتيكيّ بين الولايات المتحدة وإيران سوف يثير عداء السكان السُنّة، في المنطقة. على الرغم من أن هناك عنصرًا من الحقيقة في ذلك، إلا أنه، في جوهره، محاولة غير مباشرة لمنع الانفتاح بين طهران وواشنطن. ينبغي لهذا التعاون التكتيكيّ أن يُقلق السُنّة المعتدلين أقل بكثير مما يقلقهم داعش. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام كثيرًا ما تتحدث عن الاغتراب السُنّي، فإنّه من الجدير بالذكر أن الشيعة هم أغلبية في الخليج العربي الغنيّ بالنفط، ويجب على الغرب ألا يسعى إلى عزلهم أيضًا. وعلاوة على ذلك، إنَّ اثنتين من المنظمات الإرهابية الرئيسة، القاعدة وداعش، من السُنّة لا الشيعة.

يتمثَّل جزء من المشكلة في الدور الذي دأبت المملكة العربية السعودية على لعبه، في محاولة لمنع حدوث اتفاق بين إيران والولايات المتحدة. لسنوات، وقد رأى السعوديون ذلك، طالما ظلت الولايات المتحدة تعتمد على النفط المستورد، وكانت عدائية تجاه إيران، فإنَّه يمكن للرياض أن تعوِّل على دعم واشنطن غير المشروط لمتابعة طموحاتها الإقليمية. اليوم، ومع ذلك، إنَّ الرياض في حالة من الذعر. أولًا، جعلت الطفرة الأخيرة في إنتاج النفط، في الولايات المتحدة، بدعم من تكنولوجيا التكسير الجديدة، الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على النفط المستورد. والآن، هناك أيضًا إمكانية للتقارب بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما سيقلل من القيمة الاستراتيجية للمملكة.

قدَّمت واشنطن، لفترة طويلة جدًا، ضوءا أخضرا مجانيًا للسعوديين، كما كانت حاسمة بحق من السلوك الإيراني في المنطقة. إنَّ المملكة العربية السعودية واحدة من الدول الثلاث التي اعترفت بحكم طالبان، في أفغانستان، وأرسلت قوات لسحق الانتفاضة المؤيدة للديمقراطية، في البحرين، في عام 2011، وقدَّمت دعمًا ماليًا لاستيلاء الجيش على السلطة، في مصر، في عام 2013، الذي أطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطيًا في ذلك البلد. كما يستمر بعض رجال الدين السعوديين في تقديم التبرير الأيديولوجي للجماعات المتطرفة العنيفة، ويوفر بعض المواطنين العاديين الدعم المالي للمتطرفين. ولمنع أي نقاش جدي من ما إذا كانت هذه السلوكيات تساعد، أو تؤذي مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، تدعم الرياض ببساطة أن إيران هي المصدر الرئيس لعدم الاستقرار، وأن واشنطن تحتاج إلى "قطع رأس الأفعى".

يجب أن تتحرك واشنطن ببطء بعيدًا عن الدعم التقليدي، وغير المشروط، للمملكة العربية السعودية، لكن دون تقويض كامل لتحالفها مع المملكة. وهو ما يمكن أن يضع واشنطن في بعض المخاطر. لكن، بعد كل شيء، لن تجد، ولا يمكن أن تجد، المملكة العربية السعودية حليفًا أفضل من الولايات المتحدة.

يجب على واشنطن أيضًا أن تسعى إلى مقاربة أكثر توازنًا ودقة بخصوص الحرب الباردة السعودية الإيرانية. وقد تكون المناقشات بين الثلاثة حول اليمن، ثم سوريا، مساحة جيدة للبدء. لكن من دون الاتفاق النووي، والحد من التوترات مع إيران، فإنَّ الولايات المتحدة لن تكون قادرة على لعب هذا الدور، الذي من شأنه أن يعطيها بعض المناورة لحماية مصالحها الوطنية بأقل تكلفة ممكنة في الخليج العربي، وخارجه.

عندما تنزلق الكثير من دول الشرق الأوسط نحو حروب أهلية، وطائفية، لا يمكن التنبؤ بها، فإنَّ إيران هي العمود الفقريّ الإقليمي. يحتمل أن يساعد انفتاح الولايات المتحدة، على هذا البلد، واشنطن على تحقيق العديد من أهدافها في الشرق الأوسط. لكن يتطلب هذا الخيال الاستراتيجي، والصبر. كنتُ قد كتبت، قبل عامين تقريبًا، في فورين أفيرز، أنه يمكننا، وينبغي علينا، القيام بأعمال تجارية مع روحاني لحل المأزق النووي. وقد حان الوقت لبذل المزيد من الجهد في ذلك.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب