الصين تعزز مصالحها في أفغانستان

مقال رأي

 عقد الحوار الاستراتيجي والاقتصادي السابع مع الصين مؤخرا في واشنطن. بالتأكيد سيقول المتشددون إن إدارة أوباما لم تقدم دعما كافيا للتصدي للصين في بحر الجنوب الصيني. وعلى النقيض، ستتذمر حمائم السلام حول إعاقة التقدم بشأن مشكلات رئيسية، مثل توسيع كوريا الشمالية لترسانتها النووية، بفعل المحادثات المتوترة بصدد الشعاب المرجانية والحجارة (جزر بحر الجنوب الصيني).

لقد أصبح من الواضح بشدة وعلى نحو متزايد أن التعاون الأمريكي الصيني شرط أساسي لإدارة المشكلات في أنحاء العالم، بدء بأزمة الإيبولا في غرب أفريقيا وحتى الوضع الأمني المتدهور في الخليج العربي للحفاظ على التوازن البيئي الحساس بين الأقطاب. تعتبر منطقة وسط آسيا أكثر جاهزية للتعاون الإقليمي، والتي لم تحظى بالانتباه الكافي بالنسبة لمستقبلها، وتحديدا الوضع المعقد في أفغانستان. فقد برز الاضطراب المستمر الخطير في أفغانستان مجددا الأسبوع الماضي مع هجوم حركة طالبان على مبنى البرلمان في كابول.

في عالم مثالي، ربما تدعو الأمم المتحدة، إلى جانب الرئيس الأفغاني الجديد أشرف غاني، الصين لتوسيع دورها في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ويتدفق جنود جيش التحرير الشعبي الصيني بخوذاتهم الزرقاء في أزقة وأودية مقاطعة هيلماند الخطيرة ليحققوا أخيرا ما كانت الولايات المتحدة عاجزة أو غير مستعدة لتحقيقه. إلا أنه على نحو قاطع ليس هناك دعم لذلك التصور بأي شكل – على الأقل في كابول وبكين. ومع ذلك، يتحدث الاستراتيجيون الصينيون عن أفغانستان بلهجة المتعجل في الآونة الأخيرة. يقدم هذا الإصدار من سلسلة مقالات "دراجون آي" فحصا وثيقا لتحليل أكاديمي باللغة الصينية صدر في مطلع عام 2015 حول الوضع في أفغانستان ونشر في صحيفة مجلس الدولة: (مراجعة آسيا وأفريقيا) بواسطة اثنين من أكاديميي شنجهاي.

"ستكون سياسة المجموعة القيادية للجيل الجديد بالنسبة لأفغانستان أكثر وضوحا. فنشاط وحركة السياسة الخارجية الصينية فيما يتعلق بأفغانستان متزايدين على نحو واضح"، حسبما يؤكد الكاتبين في مقدمة المقال. ولكن لم يكن الوضع كذلك دائما، حسبما يقران بوضوح. يقول الكاتبان إن بكين كانت حاضرة في اللقاء الأولي ببون في أواخر عام 2001 لتنصيب نظام ما بعد طالبان في كابول. إلا أن الصين تبنت سريعا موقفا منخفض المستوى بالنسبة لأفغانستان. وبالتالي، "تجنبت الصين على نحو حذر أي نوع من التدخل العسكري في الشؤون الأفغانية، ورفضت المشاركة في قوة المساعدة الأمنية الدولية ". وفي صدمة قوية للحكومة والشعب الصيني، لقى 11 مهندس صيني، كانوا يعملون بمشروع لبناء الطرق في أفغانستان، مصرعهم في هجوم لطالبان منتصف عام 2004. ولكن "مثلما يعلم الجميع"، وفق الكاتبان، يمكن إرجاع الوضع الأمني المتدهور سريعا في أفغانستان في تلك الفترة إلى التركيز الأمريكي الجديد على العراق.

خلال السنوات العديدة التالية، ظل تدخل الصين محدودا. بينما كانت إسهاماتها من المساعدات محدودة، ويذكر الكاتبان أن الصين، على الأقل، قد أوفت بالتزاماتها. إلا أن اتفاق مايو 2008 الخاص باستثمار 4,4 مليار دولار في منجم نحاس "آيناك" بدا كإشارة على تغير كبير في أسلوب بكين. يشير الكاتبان الصينيان إلى أن ذلك الاستثمار الكبير يعني ضمنيا أن الصين قد تصبح أكبر مستثمر في أفغانستان. وبعد ذلك الإنجاز الكبير ظاهريا بفترة وجيزة، بدأ الوضع الأفغاني في التدهور بشكل أكبر مع تنظيم سلطة طالبان لعودتها. بينما عطلت إدارة أوباما "الحرب الصحيحة" المفترضة عبر زيادة القوات في أفغانستان، يلاحظ الخبيران الصينيان بتشكك واضح أن زيادة القوات الأمريكية عام 2010 لم توقف "التدهور المستمر في الوضع الأمني". قد نستشف بين سطور هذه الفقرة شعورا بالشماتة الصينية تجاه المصاعب التي تواجهها أمريكا في أفغانستان. إن تواجد ذلك الشعور في بكين، فإنه على الأرجح مخفف بفعل القلق الصيني العميق، وأيضا بفعل العزم القوي على عدم الحلول محل الولايات المتحدة في فراغ السلطة بأفغانستان.

سعت الصين لاستخدام الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية لتوجيه أفغانستان نحو مسار أكثر استقرارا. على سبيل المثال، في منتصف عام 2012، حضر الرئيس كارازي قمة لمنظمة تعاون شنجهاي لأول مرة. ونظمت بكين في 2012 مجموعة من المحادثات الثلاثية بمشاركة أفغانستان وباكستان. يذكر الخبيران الصينيان أن تلك المناورات الدبلوماسية أقلقت البعض في الغرب. ومع ذلك، حسبما يورد الخبيران، أصبحت أفغانستان في 2013، في الحوار الصيني الأمريكي الخامس "إس أند إي دي"، لأول مرة منطقة محددة لبناء نوع جديد من علاقات القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين.

تقدمت محاولات تحسين التجارة الأفغانية الصينية رغم الموقف الأمني القاتم. فخلال عامي 2010 و2011، بلغ حجم التجارة الثنائية 373 مليون دولار أمريكي. وفي سبيل تعزز التجارة الثنائية، يزعم التقرير أن الصين ألغت جميع الرسوم الجمركية على 60 بالمئة من جميع الصادرات القادمة من أفغانستان إلى الصين. يذكر أن الصادرات من أفغانستان إلى الصين في 2013 (النصف الأول) بلغت 33 بالمئة. إلى جانب التعدين، باشرت الصين بشكل رئيسي استثمارات الاتصالات وبناء الطرق، وفق التقرير. وفي نهاية عام 2011، توصلت بكين وكابول إلى اتفاق بقيمة 700 مليون دولار لتطوير حقل غاز طبيعي. يشير الكاتبان الصينيان إلى أن تلك الصفقة – وهي الأولى من نوعها – "كانت لها أهمية بالغة في خلق فرص عمل، وتعزيز عائدات الضرائب في أفغانستان". ومع إدراكها أنها لا تستطيع أن تبقى بمعزل تام عن الوضع الأمني، بدأت الصين عام 2012 تدريب بعض أعضاء قوات الشرطة الأفغانية وبعض موظفي الحكومة المعنيين. بدا أن تلك الجهود، بشكل مثير للإهتمام، قد تضمنت على الأقل برنامجا واحدا مشتركا جرى تنفيذه بمشاركة الولايات المتحدة. وشرع العمل في كابول عبر مشروع إنشاء مستشفى كبيرة، بالإضافة إلى مركز للتنمية التكنولوجية خلال عام 2014.

في ضوء تلك المبادرات واسعة النطاق، ربما من غير المفاجئ أن يزور الرئيس الأفغاني الجديد، أشرف غاني، الصين في رحلته الخارجية الأولى – وهي رحلة أجراها بعد حوالي شهر من انتخابه في سبتمبر 2014. في لقاء عقد في أواخر أكتوبر 2014 ببكين، وهو الانعقاد الرابع لما يطلق عليه "عملية إسطنبول"، تعهد رئيس الوزراء الصيني باستمرار معونة غير مشروطة بقيمة 500 مليون رنمينبي سنويا وتدريب 3000 مسؤول وشرطي أفغاني خلال السنوات الخمس القادمة.

ومع ذلك، يصعب اعتبار ذلك التقييم الصيني متفائلا. فقد ذكر الكاتبان أرقاما تشير إلى تصاعد العنف في أفغانستان بين عامي 2012 و2014. ويورد تقييمهما للقوات الأمنية الأفغانية أن تمويلها غير كافي وأنها تفتقد الحماسة للعمل. كما وصفت الهجمات الداخلية التي واجهتها قوات الناتو في أفغانستان خلال السنوات القليلة الأخيرة بأنها أحداث خادعة. وفي واحدة من أكثر فقرات المقال صراحة، يصف الكاتبان الوضع الحالي للقوات الأمريكية في أفغانستان بعبارة: "يؤدي "انسحاب القوات الأمريكية مع عدم مغادرتها" إلى أن تصبح فكرة "حكم الأفغان للأفغان" مجرد فكرة سطحية". بالإضافة إلى مفاقمة التوترات بين الدول الأخرى بوسط آسيا (مثل طاجكستان) وأفغانستان، شدد المؤلفان على مخاطر تصعيد الخصومة الهندية الباكستانية من خلال السياق الأفغاني. إلا أنه ربما كانا أكثر تأكيدا على استنتاجهما أن "العلاقات الأكثر نموا" بين القاعدة وحركة استقلال شرق تركستان تمثل تهديدا لأمن الجانب الشرقي من الصين. ومع ذلك فإنهما يؤكدان على أن الصين يجب أن تستمر في حذرها لـ"تجنب اتباع المسارات المتقلبة، عبر تكرار النمط التاريخي لبريطانيا، والاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة كقوى عظمى غارقة في أفغانستان".

أمام التكهنات الأكثر تهكما الخاصة بالمتشددين الكثيرين في واشنطن، سياسات الصين المتطورة نحو أفغانستان بالكاد تمثل قوة صاعدة قائمة على التوسع الإقليمي. وعلى النقيض، تميزت سياسات بكين تجاه جيرانها المضطربين بالاعتدال والصور العملية من الدعم. إلا أنه من غير الواضح حتى الآن إن كان الوضع في وسط آسيا قد لعب أي دور على الإطلاق في الجولة الأخيرة من المحادثات الصينية الأمريكية في واشنطن خلال شهر يونيو. يقترح المقال، الملخص فيما سبق، تحقيق تكامل في المصالح بين الولايات المتحدة والصين بشكل كافي، بحيث تتخذ أفغانستان كحالة جيدة للتنسيق الاستراتيجي بين القوتين العظمتين خلال القمة المنتظرة بين الرئيسين تشي وأوباما في سبتمبر 2015. يمكن الإيتاء بحجة مشابهة من أجل التنسيق الثنائي بشأن باكستان المتقلبة، والمهمة استراتيجيا.

حتى مع احتياج واشنطن بالتأكيد للتركيز على التعاون مع بكين، قد يفكر الاستراتيجيون الصينيون أيضا في حقيقة أن الولايات المتحدة أغلقت قاعدة كبيرة قريبة من الحدود الصينية في ماناس بقرجيزستان العام الماضي. ما كان ذلك ليتم إن كانت الولايات المتحدة تتبنى بشكل حقيقي استراتيجية الاحتواء في مواجهة الصين. وبالفعل، شارك المتشددون من الجانبين في "دورة" شوفينية أدت إلى تكذيب الحقائق.

لايل جى جولدشتاين أستاذ مشارك في معهد الدراسات البحرية الصينية في كلية الحرب البحرية الأمريكية في نيوبورت، رود أيلاند. الآراء الواردة في هذا التحليل خاصة بالكاتب ولا تمثل التقديرات الرسمية للبحرية الأمريكية أو أي وكالة حكومية أخرى.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب