اليونان ترفض التقشف الأوروبي

تقرير صحفي

 في تجاهل لمطالب شركائها الأوروبيين، وفي استجابة لدعوة رئيس وزرائهم إلكسيس تسيبراس، رفض الناخبون اليونانيون يوم الأحد مطالب التقشف، وهو تصويت يمكن أن يؤدي إلى خروج البلاد من منطقة اليورو، ويمكن أن يكون مؤشرا على بداية النهاية لأوروبا الحديثة.

وتشير النتائج المبكرة إلى أن 61 في المئة من الناخبين اليونانيين صوتوا بـ "لا" على سؤال يستفهم عما إذا كانوا يقبلون بخفض الإنفاق الذي تقول أوروبا إنه ضروري لمواصلة خطة الإنقاذ المستمرة لمدة خمس سنوات بقيمة 270 مليار دولار. في الأسبوع الماضي، فوتت اليونان دفع قسط بمبلغ 1.7 مليار دولار لصندوق النقد الدولي. وكان صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي الأوروبي، والمفوضية الأوروبية قد مدوا لليونان شريان الحياة المالي بينما كانت تتأرجح على حافة الإفلاس. أثينا الآن قد فوتت دفعة لصندوق النقد الدولي، كما أنها مدينة للبنك المركزي الأوروبي بدفعة بمبلغ 6.7 مليار يورو أي ما يعادل 7.5 مليار دولار أمريكي، في غضون أسبوعين.

بالتصويت بـ "لا"، يحصل تسيبراس على النتيجة التي كان يرجوها. إنه يعتقد أن هذه النتيجة تعزز موقفه التفاوضي مع القادة الاوروبيين. ولكن في الفترة التي سبقت الاستفتاء اليوناني، يبدو كما لو كانت أوروبا تستعد لاحتمال ترك اليونان للاتحاد الاقتصادي الذي انضمت إليه عام 2001.

وقد اعترفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن السماح لليونان باتخاذ اليورو عملة لها كان خطأً. تعهد تسيبراس بالتخلي عن منصبه إذا صوت اليونانيون بقبول الإصلاحات المالية الأوروبية.

الآن، يقبع مستقبل الاتحاد الأوروبي في موضع شك. اليونان قد تترك اليورو، وهو الأمر الذي من شأنه أن يدمر اقتصادها، كما سيكون له آثار بعيدة المدى على أوروبا والأسواق العالمية. ويمكن للأوروبيين أن يترددوا، ويستسلموا للمطالب اليونانية.

قال أولاف بوهنكي رئيس مكتب برلين للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لـ فورين بوليسي: "كان المنطق السائد هو أن الاندماج (في منطقة اليورو) أمر لا رجعة فيه. خيار الانسحاب ليس موجودًا." وأضاف إن الحال لم يعد كذلك.

سيراقب العالم ميركل وهي تسافر إلى فرنسا يوم الاثنين للقاء الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لمناقشة الأزمة. ممثلون حزب سيريزا اليساري المتطرف – الذي ينتمي إليه تسيبراس- هم أيضا في طريقهم الى بروكسل لاستئناف المفاوضات. وقال جبرائيل ساكلاريديس، المتحدث باسم سيريزا على التلفزيون اليوناني مساء الاحد ان التوصل الى اتفاق مع أوروبا لتسديد ما تدين به مقابل أموال خطة الإنقاذ يجب أن يحدث خلال اليومين القادمين.

وأضاف ساكلاريديس إن "التفويض الذي أعطاه الشعب اليوناني للحكومة يجعلها تدافع عن اقتراحها ومواقفها". كما قال إن "المفاوضات الحقيقية يجب أن تبدأ من هذه الليلة."

دون مساعدة، ومن المرجح أن البنوك اليونانية ستغلق أبوابها. ليس من الواضح ما إذا كانت ستعود للعمل يوم الاثنين بعد اغلاقها نهاية الأسبوع الماضي وسط مخاوف من زيادة السحب من البنوك. كما تم إغلاق سوق الأوراق المالية اليوناني.

بدأت المرحلة النهائية في نهاية الأسبوع الماضي، عندما خفض البنك المركزي الأوروبي خط الطوارئ من الائتمان للبنوك اليونانية بعدما اعترف المسؤولون هناك إنهم سوف يتخلفون عن السداد لصندوق النقد الدولي. السحوبات النقدية اليومية تقتصر الآن على 60 يورو، أي حوالي 67 دولار. اقتحم أصحاب المعاشات اليونانية البنوك يوم الاربعاء لجمع حد أقصى مقداره 120 يورو أو 134 دولار. أصبحت أجهزة الصراف الآلي الآن فارغة في مختلف أنحاء البلاد المتوسطية.

مساء الأحد، طلب البنك المركزي اليوناني من نظيره الأوروبي سيولة على سبيل المساعدة الطارئة.

وطلب تسيبراس حزمة إنقاذ في الثانية الأخيرة في وقت متأخر من مساء الاثنين الماضي، في الليلة التي تسبق الموعد النهائي لتسديد صندوق النقد الدولي. ورفض المسؤولون الأوروبيون بقيادة ألمانيا طلبه.

الاستفتاء هو تتويج لنضال استمر خمس سنوات للحفاظ على اليونان عضوا في الاتحاد النقدي الأوروبي. بدأ عام 2010، عندما اعترفت الحكومة اليونانية أنها قد رتبت دفاترها لجعلها تبدو كما لو كانت تتمتع بالحد الأدنى من متطلبات الموازنة الأوروبية.

في بداية الأزمة، كان خروج اليونان من منطقة اليورو أمرًا لا يمكن تصوره. كان يمكن أن يشل الاقتصاد العالمي، الذي كان يعاني بالفعل بعد انهيار بنك ليمان براذرز عام 2008. هناك بنوك أوروبية وأمريكية تملك مئات المليارات من الدولارات من الديون اليونانية. وجعل تلك السندات لا قيمة لها من شأنه أن يزيد من دمار هذه المؤسسات المالية التي، في ذلك الوقت، كانت لا تزال تكافح من أجل التغلب على الانخفاض السريع في سوق الإسكان الأمريكي.

أما الآن، فقد حدت البنوك الأمريكية من تأثرها بإمكانية ترك اليونان لأوروبا. تدعي البنوك الأوروبية أيضا أنها آمنة، على الرغم من أنه لا أحد يعرف ما سيحدث للأسواق المالية إذا ترك بلد ما الاتحاد النقدي الأوروبي.

يوم الاثنين الماضي، عندما أصبح واضحًا أن اليونان ستفوت الدفع لصندوق النقد الدولي، انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بواقع 350 نقطة، مما يشكل أكبر انخفاض في السنة.

قبل تصويت يوم الأحد، بدا أن المسؤولين الألمان قد لانوا ، بعد أن كان لديهم موقف متشدد تجاه أثينا حتى تقبل الإصلاحات على نظام التقاعد المتضخم الخاص بها إلى جانب توقيع ضرائب جديدة على الشركات اليونانية وسكانها الأثرياء. وقال وزير المالية الالماني فولفجانج شويبله، الذي أصر طوال الأسبوع الماضي ان التصويت "بلا" سيمثل تصويتًا لمغادرة أوروبا – قال في نهاية هذا الإسبوع إن ذلك ليس ضروريًا.

مثلت تصريحات شويبله التصالحية تناقض صارخ لتلك التي أطلقها من نظيره اليوناني، يانيس فاروفاكيس. فقد قال في مقابلة مع صحيفة "الموندو" الأسبانية إن المطالب الأوروبية من اليونان تصل إلى حد أعمال الإرهاب.

وتساءل "لماذا أجبرونا على إغلاق البنوك؟" ثم أردف: "لغرس الخوف في الناس. ونشر الخوف يسمى إرهابًا."

تعكس تصريحات فاروفاكيس الموقف الملتهب بين المسؤولين اليونانيين وبقية أوروبا. لسنوات، كان الجانبان يتبادلات انتقادات لاذعة حول من هو المسؤول عن الأزمة. اتهم الألمان اليونانيين بأنهم كسلاء. وبدورهم، وصف مسؤولون يونانيون الألمان بأنهم نازيين، وأدانوا البنوك الألمانية بسبب الإقراض غير المسؤول إلى أثينا، وطالبوا بتعويضات عن الحرب العالمية الثانية.

الآن، في الوقت الذي أصبحت فيه اليونان على وشك الانسحاب من منطقة اليورو، هناك تساؤلات متزايدة بشأن ما إذا كان الاتحاد الأوروبي، الذي أنشئ لتعزيز الاستقرار والسلام بعد الحرب العالمية الثانية، يمكنه أن يستمر.

هناك أزمات مالية مماثلة تلوح في الأفق في إسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، وهي بلدان قد كذبت أيضًا حول وضعها المالي لإخفاء عيوب هيكلية اقتصادية. وعلى الرغم من أن بريطانيا العظمى ليست عضوا في النادي النقدي الأوروبي، فهي تدرس أيضا ترك الاتحاد الأوروبي. العام المقبل، ستعقد بريطانيا استفتاءً حول ما إذا كانت ستتخلى عن شركائها الأوروبيين.

قال دبلوماسي بريطاني مؤخرًا لـ "فورين بوليسي" إن الأزمة اليونانية قد "طغت على ما أردنا أن يكون نقطة بداية واضحة للإصلاح الأوروبي." وأضاف: "نحن نريد أن نكون اقتصادًا تنافسيًا ومفتوحًا وشريكًا مهمًا للولايات المتحدة."

المواجهة لها تداعيات جيوسياسية خطيرة. لقد لمّح مسؤولون روس إنهم سيكونوا على استعداد لإقراض اليونان شريان إنقاذ مالي، وهو الأمر الذي قد يعطل الوحدة الأوروبية بشأن العقوبات المالية بسبب أفعال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. كما ذُكِرت الصين أيضًا كمنقذ محتمل لليونان.

جرى تهميش واشنطن إلى حد كبير مع وصول الأزمة اليونانية إلى نهايتها. وقف الرئيس باراك أوباما ووزير الخزانة جاك ليو مع ميركل وهولاند، حيث حثّا اليونان على قبول مطالب التقشف الأوروبية.

ولكن كما يظهر من استفتاء يوم الأحد، لم تلق هذه الدعوات آذانًا صاغية. صوّت الناخبون اليونانيون كما أراد تسيبراس، وصمدوا في وجه المطالب الأوروبية. وقد يعني تصويتهم نهاية أوروبا كما يعرفها العالم الحديث.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب