تونس بعد داعش

مقال رأي

 في امتداد الساحل التونسي شمالا، يصل لإيطاليا قبل أن يتجه إلى اليسار نحو الجزائر. فيضم الشواطئ البيضاء في مدن جربة وصفاقس وسوسة والحمامات وتونس، وقد جعلني جمالها أعتقد يومًا ما أن لا شيء يمكنه أن يعكر صفو هذا الهدوء. ثم، في 26 يونيو، فتح مسلح النار في منتجع على الشاطئ في مرسى القنطاوي، على حواف مدينة سوسة، في مذبحة تعكس قسوة الدولة الإسلامية (المعروفة أيضا باسم داعش)؛ ويقال إن المسلح قد تدرب مع الارهابيين الذين كانوا قد هاجموا متحف باردو الوطني في تونس في 18مارس. والآن، تفرغ الشواطئ من زواراها حيث يبدأ الأجانب والسكان المحليين في التساؤل عما إذا كان الهدوء سيعود إلى تونس.

قبل عام، سافرت إلى تونس لزيارة عائلتي في مدينة الحمامات، وهي على بعد ساعة بالسيارة إلى الشمال من مدينة سوسة. كانت هذه البلدة مكان العطلة الصيفية المفضلة للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، فهي تعتبر بمثابة سانت تروبيه التونسية. على الطريق إلى المدينة حيث ينحني الساحل إلى الأسفل ويميل بعيدا عن المياه، يوجد ممر ضيق بعد مجموعة من المباني المملوكة سابقًا لعائلة بن علي. لقد أصبحت أطلالًا الآن، مملوءة بالزجاج المكسور والغرف الفارغة.

وكان الشاطئ أيضًا يخص زين العابدين بن علي، وفي تلك الأيام كان مملوءًا بالأمن. غالبًا لم يكن يتوفر للسكان أي خيار سوى الالتفاف حول الشوارع المغلقة للوصول إلى المدينة. سيطر زين العابدين بن علي وأصدقائه على العديد من الخصائص الأخرى في المنطقة، حيث يضطرون أصحاب البيوت إما أن يبيعوها أو يقضوا سنوات في السجن. في الواقع تقول القصة أن عائلة القابسي، وهم ملاك أراضي الأثرياء من أوساط النخبة السياسية المحلية، قد رفضت في البداية التخلي عن ممتلكاتها ولكنها وافقت في النهاية في أوائل الألفية الجديدة، عندما قيل لهم أن بن علي سيضم أراضيهم على أي حال. الآن، داخل القشرة الرمادية لمنزل القابسي، تغطي ثريا مدمرة الطابق الأرضي مع بلورات مكسورة، و كلمة "القابسي" مكتوبة على جميع أنحاء الجدران. التونسيون الذين كانوا هناك لرؤية سقوط منزل القابسي كانوا فخورين. كان رمزا أن المد قد تحول في نهاية المطاف، وإن هؤلاء الذين يحيميهم سابقا نظام بن علي لم يعودا بحكموا البلاد. إلا أن بعض السكان السابقين من القصور الغنية المنتشرة في مدينة الحمامات لا يزالون يعيشون هناك، لكنهم أصبحوا أكثر سرية.

خلال فصل الصيف، تمتلئ الحمامات بالسياح. القرية التي تلقى رواجًا، إلى جانب الكثير من ساحل تونس ، تعتمد اقتصاديا على السياحة. الوظائف الأكثر رواجا في الفنادق والمنتجعات، إلا أن هذا النظام قد أصبح تحت التهديد منذ الربيع العربي. بعد الثورة مباشرة ، انهارت عائدات السياحة. علمت من طيار سابق في سلاح الجو الفرنسي التقيت به في الحمامات أن العديد من السياح الأوروبيين بدأوا يذهبون إلى المغرب بدلا منها، خوفا من العنف. في أحد البلدات التي سرنا عبرها، أشار إلى مستودع مهجور كانت تحيط به صفوف من معجون الطماطم من مصنع الهريسة. قال "ليس بعد الآن." وأضاف: "انتقل التصنيع بعيدا." يجى ذلك الآن في المراكز الإقليمية التي يمكن التنبؤ بها مثل نابل أو حتى في الخارج في الجزائر. لن تؤدي الهجمات الأخيرة على سوسة إلا لزيادة إلحاق الضرر بالاقتصاد، سواء من حيث التصنيع أو السياحة.

وعندما تحدثت مع السكان المحليين في المقاهي، جعلنى ذلك أشعر كما لو كانت الحمامات تترنح على غيض دولة منهارة، يمزقها الدين من جهة والسياسة العلمانية من جهة أخرى. بدأت كل قصة بكمية حادة من التنفس، وانتهت باهتزاز الرؤوس. بنيت المدينة حول مسجد فسيح يعرف لكونه أكبر البدائل التي انتشرت على طول مشارف المدينة. لكن وزير الشؤون الدينية المؤقت، في محاولة لمكافحة التطرف، حاول أن يبطئ  من هذا الاتجاه من خلال إصدار قرار بإغلاق بعض المساجد. وقد صدر هذا القرار بالاتساق مع قانون 1988 الذي يحظر الاجتماعات في المساجد التي تديرها الأئمة المستقلة. ومع ذلك، بعد الثورة، جرى استبدال الكثير من الأئمة المعينين من قبل الدولة بسبب مزاعم بأنهم كانوا في صف نظام بن علي. ومع الدعم الشعبي واسع النطاق الذي يتمتع به القادة الجدد، فاتخاذ مزيد من الإجراءات أمر مشكوك فيه. ابن عمي، مروان الشايبي، خريج كلية إدارة أعمال بالغ من العمر 29 عاما يعيش في الحمامات، يقول ان المشكلة بدأت في عام 1958، عندما أغلق الرئيس الحبيب بورقيبة الجامعة الدينية المركزية، الزيتونة، واستعاض عنها بمدرسة دينية صغيرة في محاولة لوضع البلاد على مسار العلمانية. خلال هذه الفترة لجأ الكثيرون إلى المدارس غير المنظمة، وبعضها في خارج البلاد، من أجل التدريب الديني. ثم وصلوا إلى تشييد مساجدهم الخاصة، على أساس تفسير متشدد نسبيا، ومع سنوات من تراخي الرقابة من قبل الحكومة المؤقتة، نمت شعبيتهم.

تقع المدينة بين الحمامات الشمالية والحمامات الجنوبية. الجزء الشمالي هو عبارة عن منطقة حضرية راقية سكانها أصغر سنا. أما الجزء الجنوبي فهو في معظمه منطقة سياحية، تحت حراسة نقطة تفتيش عسكرية. لديه مركز حضري خاص، يهدف إلى خلط العناصر التقليدية والحديثة للهندسة المعمارية التونسية. وبمتابعة السير بمحازاة الساحل، يصطف سوق صغير على الطريق حيث يبيع الرجال للسياح الحلي والأسلحة الوهمية. يجري الأطفال حولهم وهم ممسكون بنماذج بلاسكتيكية من بنادق AK-47، يتملصون ويتمايلون بينما يطلقون النار على بعضهم البعض، ولا يستطيعون تفادي الكريات البلاستيكية التي يطلقها بعضهم على بعض. ينتهي السوق على بعد بضعة أقدام من مدخل فندق يطل على البحر. وبعد دقائق قليلة أخرى على الطريق يوجد مقهى صغير معروف بحشد من الطلاب الشباب. عندما زرته، كان أصدقائي بالفعل يجلسون بالخارج. المقاهي في مدينة الحمامات تشبه الحانات في أي مكان آخر، ولكن بزبائن أكثر ولاءً. يميل جيل الشباب إلى اختيارها بعناية حتى لا يقابلوا آبائهم على سبيل الصدفة.

ركض صبي صغير إلى طاولتنا وأطلق كرته البلاستيك في اتجاه صديقي. وأعقب ذلك مطاردة حامية حول المنطقة، حتى اعترف صديقي أخيرا بالهزيمة، وعاد إلى مقعده متذمرًا- لقد تسببت السجائر والعمر في هذه النتيجة. واتفقنا جميعا على أنها لم تكن معركة عادلة. سرعان ما تحولت المحادثة إلى عدد القتلى المتزايد على الحدود. الهجمات التي تشنها الجماعات الإرهابية الصغيرة ترتفع، مع تدفق الأسلحة إلى البلاد من ليبيا. كان التوتر ظاهرًا. ويحيط بالحمامات الجنوبية الآن نقاط تفتيش؛ جنود بأسلحة آلية يفحصون بحذر سيارات المارة.

بعد أن شربت آخر رشفات من قهوتي، غادرت وأكلمت سيري. كانت الشمس في ذروتها. توقف رجل ملتح في جلباب تقليدي، صديق آخر لابن عمي، وقال مرحبا. وكان أسلوبه البسيط غير متوقع في ضوء القصة التي كنت قد سمعتها عنه قبل عدة أيام. ذلك الرجل المعتدل دينيا،  قضى أربع سنوات من حكم بالسجن لمدة عشر سنوات خلال الفترة الأخيرة للنظام القديم. كثير من المسلمين يذهبون إلى المسجد خمس مرات في اليوم لأداء الصلاة، وفي محاولة أخيرة للقضاء على التطرف، في عام 1991، بدأ بن علي اعتقال الذين يحضرون صلاة الفجر. ذلك الرجل المبتسم السعيد، قضى أربع سنوات في السجن، بعيدًا عن أولاده وأسرته، وكان  سعيد الحظ بأن يأخذ حريته من الأساس. دون الثورة، ربما كان هو والعديد من الآخرين قد قضوا حياتهم كلها وراء القضبان. قدمت نفسي لكل من أولاده، الذين لديهم أخلاق وأدب يفوق سنوات عمرهم، وأكملت طريقي.

 

أرى  الجمال الذي لا يصدق في هذا البلد، من قرطاج الساحلية إلى المسجد الكبير في القيروان. لكن الثورة ليست سوى بداية لطريق طويل في تقرير المصير، وهي الآن تواجه كل من التفكك الداخلي والتهديدات الخارجية. لقد اعتبرت تونس مثال يحتذى به كبلد ربيع عربي نموذجية، لا سيما بالمقارنة مع ليبيا، التي انهارت تمامًا، ومصر التي أصبحت تحت حكم عسكري. تماسكت تونس بقوة خلال الادعاءات المقلقة حول تزوير الانتخابات في عام 2011 والانتخابات البرلمانية المحاصرة في عام 2014، حيث تعلم السياسيين العمل مع خصومهم، ووعدوا بإنعاش الاقتصاد وخلق فرص العمل وحماية الحرية. الآن يتلاشى هذا الأمل بنفس سرعة تلاشي السياح. إن الذبح العنيف للسياح على شاطئ هادئ قد يعكس مفعول النجاحات التي حققتها تلك الديمقراطية الجديدة، حيث يصبح الأمن أولوية أكبر. في ضوء الهجمات في تونس وسوسة، تكثف الحكومة وجود الشرطة في المناطق السياحية، ولكن هذا لن يفعل شيئا يذكر لحل التحدي الأساسي الذي يمثله التطرف الديني. ولكنني آمل فقط ألا يدفع الاقتصاد المتدهور وعدم الاستقرار في المنطقة تونس في اتجاه جيرانها الأقل حظا. إلا إن ذلك الساحل يبدو مع مرور الأيام أنه ينجرف بعيدا عن أوروبا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب