حركة الشباب الصومالية والتمرد المرن

مقال رأي

 وقف جنود الاتحاد الأفريقي، ملتفين بأحزمةٍ لامعة من الذخيرة ومتعرقين تحت وطأة دروعهم الواقية، في نوبة حراسة متوترة بينما كان قائدهم يخاطب مجموعة من المشايخ الصوماليين تحت نصف الظل لشجرة باأوباب.

"نحن ندعوكم للتعاون مع جنودنا"، قال البريجادير جنرال صامويل كافوما، والذي يقود الكتيبة الأوغندية في بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميسوم)، وهي قوة حفظ السلام متعددة الجنسيات التي قاتلت حركة الشباب المتشددة هنا منذ عام 2007. وتابع "لا تخافوا من جنود البعثة، جنود البعثة مختلفون عن حركة الشباب .. نحن لا نقتل الناس، لذا تعاونوا معهم. أعطوهم أي معلومات ... حتى نصبح قادرين على محاربة العدو معا وهزيمته".

جلس الشيوخ القرفصاء في صمت، محاطين بالأرض الجافة المتشققة من كل اتجاه. لقد كانت ظهيرة قائظة في أواخر شهر يونيو، وكان كافوما في الصومال لزيارة سكان آخر البلدات التي تم تحريرها في الصومال. عندما طردت بعثة الاتحاد الأفريقي حركة الشباب من مقديشو عام 2011، جاءت الحركة المرتبطة بتنظيم القاعدة هنا إلى هذه المنطقة القاحلة منخفضة الكثافة السكانية جنوب غرب العاصمة وأسست مركز قيادة جديد. فرض المتشددون ضرائب على السكان المحليين وطبقوا تفسيرهم المتشدد للشريعة. كما قاموا أيضا بتدريب جنود مشاة قبل أن يقوموا بهجماتٍ على أهدافٍ للحكومة والاتحاد الأفريقي في العاصمة.

"كانت هذه إحدى قواعدهم الرئيسية، أحد ملاجئهم الرئيسية"، قال كافوما في مقابلةٍ على متن المروحية المتجهة من مقديشو إلى توروتور. مضيفا "لقد كانت تهديدا كبيرا".

قبل أسابيعٍ فقط من زيارة الجنرال، وكجزءٍ من هجومٍ خاطف، استولت قوات بعثة الاتحاد الأفريقي على توروتورو وعينت حاكما جديدا من مقديشو والذي تولى مسئولية تكوين إدارة تسيير أعمال. الآن يحث كافوما القرويين على التعاون مع قواته ومشاركة أي معلومات قد تكون لديهم حول تحركات الشباب. حاولت الحركة بالفعل خلال فترة سيطرة بعثة الاتحاد الأفريقي الوجيزة على البلدة خطف الحاكم وقامت بزرع العديد من العبوات الناسفة على الطرق التي تستخدمها قوافل بعثة الاتحاد الأفريقي، حسب الضابط المسؤول في توروتور الكولونيل الأوغندي سيلفيو أجوما. في اليوم الذي سبق زيارة الجنرال في 22 يونيو، تسلل متشددو حركة الشباب إلى البلدة وقاموا بقتل اثنين من المدنيين.

"نحن نعلم أنكم كنتم أسرى طوال تلك السنوات. لم تكن لديكم حرية، لكن حان الوقت كي تستمتعوا بالحرية"، قال كافوما مخاطبا الشيوخ. كان الجنرال الأوغندي في مزاج الحملة الكاملة، ملوحا بيديه بحيوية ومبدلا ثقله الضخم من ناحيةٍ إلى أخرى. وتابع "لقد أتينا إلى هنا لحمايتكم وإنقاذ حياتكم، ولن نذهب إلى أي مكان. نحن هنا من أجلكم".

لكن بعد أكثر قليلا من أسبوع على مغادرة كافوما للبلدة، اختفت قوات بعثة الاتحاد الأفريقي وعادت حركة الشباب تدير الأمور، حسب تقارير صحفية صومالية. بعد أن اجتاح المتشددون قاعدةً مماثلة للاتحاد الأفريقي في ليجو، تقع على بُعد حوالي 60 ميلا (100 كيلومتر) إلى الشمال الغربي من العاصمة، وقتلوا العشرات من الجنود، قام جنود كافوما بانسحابٍ سريع من توروتورو وتركوا السكان للدفاع عن أنفسهم. لم يستغرق الأمر كثيرا حتى زحفت حركة الشباب مجددا إلى البلدة وأعلنت عن وجودها عبر استعراضٍ عسكري.

انسحاب قوات بعثة الاتحاد الأفريقي من توروتورو، والذي جاء متزامنا مع انسحاباتٍ مماثلة من عدة مناطق تم تحريرها مؤخرا، يلقي الضوء على الدرجة التي جعلت بها المكاسب الأخيرة لبعثة الاتحاد الأفريقي قوة حفظ السلام المكونة من 22,000 فرد هشة بفعل تمددها فوق طاقتها مما جعلها معرضة لهجماتٍ غير متماثلة. وهي أيضا توضح بشدة صعوبة تحقيق أكثر مهام بعثة الاتحاد الأفريقي أهمية: تحقيق الاستقرار للمناطق التي تم الاستيلاء عليها من حركة الشباب حتى تستطيع الحكومة الصومالية أن تقدم نفسها كبديلٍ واقعي للجماعة المتشددة.

يقول باول ويليامز الأستاذ المساعد في الشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، والذي يؤلف كتابا حول بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، إنه "مع امتداد قواتها على تلك المساحة الشاسعة وبدون دعم جيش وطني صومالي فعال، فإن معظم جنود بعثة الاتحاد الأفريقي مقيدون بحماية المناطق التي سيطروا عليها بالفعل وخطوط الإمداد والتموين الرئيسية".

وتابع "ثم هناك مشكلة ماذا تفعل بالأرض بعد أن تسيطر عليها. كيف تفرض الاستقرار وتوفر سلاما حقيقيا للسكان المحليين؟ ليست بعثة الاتحاد الأفريقي أو الحكومة الصومالية معدة جديا للقيام بذلك".

عندما تخوض قوات حفظ السلام حربا

ظلت الصومال بدون حكومة مركزية فعالة منذ انهيار نظام سياد بري الدكتاتوري عام 1991. أدخل الصراع الذي أعقب ذلك بين أمراء الحرب المتنافسين البلاد في دائرةٍ مفرغة من القتال القِبِلي الذي توقف لفترةٍ وجيزةٍ فقط، عام 2006، عندما كانت مقديشو تحت سيطرة اتحاد للمحاكم الشرعية عُرِف باسم اتحاد المحاكم الإسلامية. لكن غزوا إثيوبيا مدعوما أمريكيا في ديسمبر من نفس العام يهدف إلى الإطاحة باتحاد المحاكم الإسلامية، المرتبط بالقاعدة، أعاد البلاد مجددا إلى صراعٍ عنيف مازال عليها أن تخرج منه.

كان لغزو عام 2006 عاقبة كارثية أخرى: بدلا من القضاء على تهديد المتشددين، فقد عزز من فصيلٍ متشدد من اتحاد المحاكم الإسلامية – حركة الشباب – والتي استفادت من المشاعر المعادية للإثيوبيين وأصبحت بعد فترةٍ وجيزة أكثر القوى العسكرية فعالية في البلاد.

في عام 2007، انضمت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال للإثيوبيين، وهي بعثة تدعمها الأمم المتحدة لم تُوكل في البداية بأكثر من حماية الحكومة الانتقالية الوليدة. لكن النشر المبكر لـ1,500 جندي أوغندي نما سريعا إلى أكبر مهمة حفظ سلام للاتحاد الأفريقي على الإطلاق، تضمنت كتائب من بوروندي، سيريالون، جيبوتي، كينيا، وإثيوبيا، من بين آخرين، ومتبنية تفويضا هجوميا لحفظ السلام يتركز على نقل المعركة إلى حركة الشباب مباشرةً.

بمساعدة شركات عسكرية خاصة مثل بانكروفت، وهي شركة أمريكية غامضة قامت بتدريب قوات الاتحاد الأفريقي وتقديم الاستشارات لها على الخطوط الأمامية للقتال، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي تدريجيا في قلب زمام الأمور في مواجهة الحركة المتشددة – لكن بتكلفةٍ بشرية هائلة. لا يعلم أحد بشكلٍ مؤكد كم عدد جنود بعثة الاتحاد الأفريقي الذين قُتلوا في الصومال، لكن في عام 2013 صرح مسؤولٌ كبيرٌ بالأمم المتحدة أن الرقم قد يصل إلى 3,000، أي أقل بقليل من مجموع قتلى قوات حفظ السلام في جميع مهمات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة منذ عام 1948.

رغم حصيلة القتلى الصاعقة، أثبتت قوات بعثة الاتحاد الأفريقي كونها قوةً تقليديةً متفوقة. في عام 2011، كانت حركة الشباب تسيطر على جزءٍ من جنوب وسط الصومال في مساحة الدنمارك ووصلت إلى مسافة عدة مئات من الياردات من القصر الرئاسي. لكن بحلول عام 2012، كانت الحركة قد انسحبت أو طُرِدت من جميع المناطق الحضرية الرئيسية. فقدت الحركة العديد من القادة الرئيسيين بفعل الضربات الجوية للطائرات بدون طيار والضربات الجوية الأخرى من قِبَل الولايات المتحدة، والتي كانت توسع وجودها العسكري في الصومال بإطراد لأول مرة منذ حادث إسقاط البلاك هوك الشهير عام 1993، عندما قُتِل 18 جنديا أمريكيا.

لكن التقدم ضد الشباب قد تباطأ في الأعوام الأخيرة. حيث أنه بعد طردها من معاقلها الحضرية، غيرت الحركة المتشددة تكتيكاتها، مما كان له أثرا كبيرا. بينما كانت الحركة من قبل تواجه قوات بعثة الاتحاد الأفريقي بصورةٍ تقليدية، حتى أنها خاضت حرب خنادق في العاصمة، فإن الحركة الآن تغادر معاقلها ببساطة عندما تواجه قوة نيرانية أكبر من قِبَل قوات البعثة. ثم تقوم بمضايقة السكان المحلليين من المناطق المحيطة وتشن هجماتٍ على خطوط إمداد البعثة وتقوم بإعداد كمائن للقوافل وزراعة العبوات الناسفة. أيضا فإن تبني الحركة للقتال غير المتماثل مكنها من إعادة التجمع بين هجمات قوات البعثة.

في مقابلةٍ بالقصر الرئاسي في مقديشو، ألقى الرئيس حسن شيخ محمد باللوم على نسقٍ مثيرٍ للقلق: "نقوم بالتخطيط لحملة؛ تتحرك الحملة؛ تستمر لمدة ثلاثة أشهر وتسيطر على الكثير من الأراضي. ثم نتوقف؛ نحن نعطي الشباب فرصة لإعادة التجمع والتجنيد ثم تصبح قويةً من جديد. هذه إحدى نقاط ضعفنا حاليا"، قال الرئيس، مضيفا أن هذا تم تعلمه كـ"درسٍ مستفاد" وأن "خطة الانتصار" الحالية التي توجه العمليات المشتركة لبعثة الاتحاد الأفريقي مع الجيش الصومالي سوف تسمح بضغطٍ أكثر استدامة على الحركة.

سيطر، احتفظ بالسيطرة ... انتظر

ربما يكون أكبر تحدٍ أمام بعثة الاتحاد الأفريقي هو تحقيق الاستقرار للمناطق التي تسيطر عليها بالفعل – وتسليم السيطرة عليها إلى قوات الأمن الصومالية – حتى تستطيع مطاردة حركة الشباب في معاقلها المتبقية. استراتيجية مكافحة التمرد المعتادة التي تقضي بـ "سيطر، احتفظ بالسيطرة، سلِّم" تفشل في الصومال لأنه ليس هناك قوة وطنية قادرة على تولي السيطرة نيابةً عن البعثة. يُجري متعاقدون أمريكيون عملية تدريب كتيبة نخبة للجيش الوطني الصومالي، ويُعتقد أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تعمل مع وحدة كوماندو أخرى تابعة لوكالة المخابرات الصومالية، لكن القدرة الكلية لقوات الأمن في البلاد تظل منخفضة.

باستثناء الوحدات التي دربتها الولايات المتحدة، والتي تشكل جميعها أقل من 500 جندي حتى الآن، فإن الجيش الصومالي ليس أكثر بكثير من تجمعٍ للمليشيات القِبلية لم يتلق أفراده أي تدريبٍ تقريبا. معظم هؤلاء الذين تلقوا تدريبا فعلوا ذلك في منشأة ليس بها سوى تجهيزاتٍ بسيطة يديرها الاتحاد الأوروبي خارج مقديشو، حيث يشجب المدربون علنا قلة الموارد. يقول الكابتن روبرتو جاسبارو، ضابط المعلومات العامة لبعثة التدريب التابعة للاتحاد الأوروبي في الصومال، إنه "بالنظر إلى تلك الظروف، الافتقاد شبه الكامل للمنشآت، فما نقوم به هنا هو معجزة". وأضاف "كان الأمر مختلفا تماما في أفغانستان والعراق. لديك منشآت تدريب حقيقية، مجهزة تماما. هنا ليس لدينا كهرباء. لدينا مولدات لكن ليس هناك مكيفات هواء، بينما تصل درجة الحرارة إلى 43 درجة مئوية".

يواجه المدربون مهمةً شاقة بنفس القدر، وهي تكوين جيش وطني من مجموعة من المجندين الأميين في أغلبهم والذين يتلقون رواتب ضعيفة، إن وُجدت. لأن الكثير من الجنود الصوماليين لا يستطيعون القراءة، يجب أن يعتمد المدربون على رسوماتٍ توضيحية بخط اليد بدلا من الكتب لشرح العقيدة العسكرية. يجب عليهم أيضا أن يواجهوا معدلا فلكيا للاستنزاف – يصل إلى 20 بالمئة، حسب جاسبارو – لأن المجندين غير المدفوعين يعودون عادةً إلى منازلهم وعائلاتهم أو ببساطة يتجولون بحثا عن عمل. "إذا لم تكن تتلق راتبا، فإنك تذهب وتبحث عن وظيفةٍ أخرى، بتلك البساطة"، قال جاسبارو.

مشكلة الأجور غير المدفوعة منتشرة في منشأة الاتحاد الأوروبي، حسب جنودٍ ومدربين. قال ابراهيم محمد أحمد، وهو خريج جامعي حديث انخرط في دورة قائد فصيلة، إنه تلقى راتبا لمرةٍ واحدةٍ فقط منذ أن انضم للجيش الوطني الصومالي في أغسطس 2014. "جئت إلى هنا وتلقيت 100 دولار الشهر الماضي" قال أحمد. مضيفا "لكن هذه كانت أول دفعة".

يلقي السياسيون الصوماليون باللوم على المانحين الدوليين في الحالة البائسة للجيش الوطني الصومالي، والذين يقولون إنهم لم يقوموا باستثماراتٍ كافية في الأجهزة الأمنية الداخلية للصومال. "تم الاستجابة لاحتياجات الجيش الوطني الصومالي بنسبة 2 إلى 3 بالمئة فقط بحدٍ أقصى"، قال محمود، الرئيس الصومالي. وتابع "96 إلى 97 بالمئة من احتياجات الجيش الوطني الصومالي لم يتم الاستجابة لها مطلقا".

لكن الكثير من المسؤولين من الدول المانحة يشيرون إلى الفساد المتفشي داخل الحكومة الصومالية على أنه سبب ذلك النهج الحذر. اتهم فريق الرصد التابع للأمم المتحدة المعني بالصومال واريتريا، على سبيل المثال، مرارا الحكومة الصومالية ببيع الأسلحة والمواد التي يوفرها المانحون الدوليون في السوق السوداء أو مباشرةً إلى الشباب. بينما أشارت وثيقة مسربة تعود إلى عام 2009 من السفارة الأمريكية في نيروبي إلى أن بعثة الاتحاد الأفريقي "تقتصد بشدة في تقديم الذخيرة إلى الجنود (الصوماليين) لمحاولة منعهم من بيعها".

إدارات زائفة

في المناطق المحررة حديثا مثل توروتورو، قبل أن تعيد حركة الشباب الاستيلاء عليها، فإن قوات الأمن المحلية الضعيفة هي جزءٌ فقط من المشكلة. فشلت الحكومة الصومالية إلى حدٍ كبير في ملء الفراغ الناشئ عن الإطاحة بالشباب بأي شيء قريب من حكومةٍ فعالة.

لا يوجد بتوروتورو مستشفى أو مدارس، ويشتكي السكان من أن الطرق التي تقود إلى مراكز اقتصادية مجاورة لا يمكن اجتيازها بسبب انعدام الأمن. جلبت بعثة الاتحاد الأفريقي معها عضوا في البرلمان الصومالي، عبد القادر شيخ محمد نور، وأعلنته حاكما لمنطقة شابل السفلى التي تقع بها توروتورو. لكن نور قال إنه يعمل على أساسٍ تطوعيٍ للغاية وأنه ليس لديه أموال من الحكومة الصومالية أو المجتمع الدولي ليؤسس إدارة تسيير أعمال.

"إنني أستخدم مواردي الخاصة. أحصل على بعض الأموال من عائلتي"، قال نور، مضيفا أنه في بعض الأحيان يبيع قطيعه الخاص وأغنامه لينفق على المشروعات المحلية. وتابع "إنه فعليا نوعٌ من الخنق. بدون راتب، لا أستطيع مساعدة شعبي".

كما أن نقص التمويل ليس هو أكبر مشكلة تواجه الحاكم. فخلال أيام من وصوله، أفلت نور بالكاد من أن يتم اختطافه من قِبَل الشباب. فقد كان يستعد للذهاب للنوم عندما نبهه فريق الأمن الشخصي الخاص به إلى تحركاتٍ مريبة على الجانب الغربي لمنزله. "قلت لا تطلقوا النيران لأنني سوف أتأكد من بعثة الاتحاد الأفريقي لنرَ إن كان هناك دورية أم إنه العدو. عندما بدأت الاتصال بالبعثة، فتحوا النيران"، قال نور. وأضاف "لقد أرادوا الإمساك بي. كما تعلم، بيعي".

أبعدت قدرة الشباب على القيام بهجمات داخل المناطق التي تسيطر عليها بعثة الاتحاد الأفريقي أيضا المانحين الدوليين عن لعب دورٍ أكبر في بناء إدارات تسيير أمور. قال فيليب لازاريني، المنسق الإنساني للأمم المتحدة المنقول مؤخرا، إن هناك خطة لتحقيق الاستقرار يجرى العمل عليها في 13 من المناطق التي تم تحريرها مؤخرا، وتتضمن إجراءاتٍ لنشر قوات شرطة، توفير عناية طبية عاجلة، وإصلاح البنية التحتية المدمرة. لكن في الواقع، قال لازاريني، فإن العديد من تلك المناطق هي "نقاط" أو "ثكنات" يبقى من الصعب إن لم يكن من المستحيل الوصول إليها.

"إحدى الصعوبات هي أن ليست كل تلك الأماكن مؤمنة كما يجب"، قال لازاريني. وتابع "مقاتلو حركة الشباب ليسوا بعيدين تماما عن تلك المناطق، ومعظم الوقت لديهم القدرة على تقويض الوصول أو إمكانية تنقل الناس، الأمر الذي لا يساعد عندما يتعلق الأمر بتحقيق الاستقرار في تلك الأماكن".

لذا فإن إدارات تسيير الأعمال ظلت بطيئة التحقق في المناطق التي تم الاستيلاء عليها من الشباب. ولأن انعدام القانون كان أحد القوى التي عززت قوة الحركة المتشددة من الأساس – رأى الكثيرون أن نسختها القاسية من العدالة أفضل من النشاط الإجرامي المتفشي الذي هيمن على فتراتٍ أخرى من التاريخ الصومالي – أعرب بعض المسؤولين عن قلقهم من أن الحركة قد تستطيع مجددا غزو تلك المجتمعات.

"حتى الآن فهناك مناطق تم تحريرها منذ ثمان أو تسع شهور ولم نؤسس تلك المنشآت بعد" قال وزير الأمن الداخلي الصومالي عبد الرزاق عمر محمد. وأضاف "لذا فهناك بالطبع قلقٌ من أننا قد نشاهد الحركة تعود مجددا".

عملية ممر جوبا

حتى بينما تكافح بعثة الاتحاد الأفريقي لتحقيق الاستقرار في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، فقد أعلنت عن هجومٍ مشتركٍ جديد مع قوات الجيش الصومالي يهدف إلى طرد الشباب من وادي جوبا، أحد المعاقل الأخيرة للحركة المتشددة في جنوب البلاد. الهجوم المسمى بـ"عملية ممر جوبا" والذي طال انتظاره "سوف يضمن أن يتم تحرير جميع المناطق المتبقية في الصومال واستعادة السلام"، حسب بيانٍ صفحي لبعثة الاتحاد الأفريقي يوم 19 يوليو. استولت قوات بعثة الاتحاد الأفريقي والجيش الوطني الصومالي منذ ذلك الوقت على عدة بلدات رئيسية، من بينها بارديري، وهي قاعدة مهمة للشباب منذ عام 2008.

توضح وثائق مقيدة حصلت عليها فورين بوليسي كيف سيتم القيام بـ"عملية ممر جوبا" على خمس مراحل متعاقبة، حيث تبدأ "عمليات هجومية محدودة" في شهري يوليو وأغسطس من العام الحالي وتقع "عمليات هجومية حاسمة" بين سبتمبر من هذا العام ويناير 2016. تدعو الخطة إلى تحركٍ متزامن من قِبَل القوات الكينية والأوغندية والإثيوبية خلال تلك المرحلة "الحاسمة". سوف تستمر عمليات هجومية إضافية على مدار النصف الأول من عام 2016، حسب الوثائق، والموعد المستهدف لتسليمها إلى قوات الأمن الصومالي هو ديسمبر من نفس العام. (ينتهي التفويض الحالي لبعثة الاتحاد الأفريقي في نوفمبر 2015، لذا فإن تنفيذ عملية ممر جوبا يتطلب إعادة تفويض لمدة عامٍ على الأقل).

لكن مراجعةً كاملة للوثائق التي تم إمداد فورين بوليسي بها تثير الشكوك حول قدرة قوات البعثة على القيام بعمليةٍ ناجحة في وادي جوبا بدون قواتٍ إضافية أو مضاعفة القوة. في ملحقٍ إلى الوثيقة التي توضح الخطوط العريضة لـ"عملية ممر جوبا" بعنوان "قيودٍ/ مخاوف/ افتراضات"، يقوم مخططي البعثة باعترافٍ مروع: "ليس هناك أصولا إضافية لدعم النشاط المتزايد والذي يتضمن العمليات القتالية". تستكمل الوثيقة لتقترح مراجعة الخطة اللوجستية الروتينية من أجل تحرير أصول لدعم الهجوم المخطط له، لكنها تشير إلى أن المروحيات "تعمل حاليا بنسبة 120% من ساعات عملها لدعم متطلبات الإمداد الروتينية فقط" وأنه "سوف يتوفر دعمٌ جويٌ محدودٌ فقط لدعم المهمة". في تلك الأثناء فإن هذه المروحيات المتوفرة للإجلاء الطبي هي "مدنية" وقادرة فقط على استخدام مناطق هبوط "مُعدة ومُؤمنة". (أعلنت أوغندا منذ ذلك الحين أنها تخطط لنشر مروحيات نقل وهجوم لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي. لكن المتحدث العسكري الخاص بها لم يقل كم عدد الأصول الجوية التي سوف يتم إرسالها أو متى ستصل).

يشير الملحق أيضا إلى أوجه قصور محتملة "اتصالات لاسلكية محدودة بين كتائب بعثة الاتحاد الأفريقي" و"عدم وجود لغة مشتركة عبر القطاعات لتسهيل التوافقية".  من المخاوف الإضافية أيضا طرق الإمداد الرئيسية إلى وادي جوبا، والتي "سوف تكون صعبة التأمين للغاية وعملياتٍ مستهلكة للوقت قد لا تلبي الجدول الزمني الحالي".

مثل تلك القيود تعبر عن عدم توافق أوسع بين مهمة بعثة الاتحادالأفريقي وقدراتها العملياتية التي يقول خبراء إنها تقلص من احتمالات نجاحها على المدى الطويل. كلما سيطرت البعثة على أراضٍ أكثر، زادت حدة الشعور بأوجه الخلل العددية والميكانيكية واللوجستية بها. في ذات الوقت، فإن اعتماد حركة الشباب المتزايد على تكتيكات حرب العصابات والتكتيكات الإرهابية قد جعل عمل الاستخبارات والشرطة في المناطق المحررة حديثا في نفس أهمية القوات العسكرية التقليدية على الأقل. "بعثة الاتحاد الأفريقي هي عملية عسكرية بنسبة 95 بالمئة"، قال ويليامز، من جامعة جورج واشنطن. وتابع "لذا فإنها غير مناسبة جيدا لتلك المهمة".

في ضوء تلك الخلفية، واصل ويليامز، فإن دفعةً أخيرة للقضاء على الشباب من غير المرجح أن تنجح. "ما الهدف من هجومٍ كبيرٍ إذا كنت فقط ستحرك الشباب بالجوار؟ إذا كنت تزيح فقط – ولا تفكك – الحركة، فما هو الهدف إذن؟" يتساءل ويليامز، مضيفا "إنهم لا يحاربون؛ هم ينسحبون فقط".

لكي تنجح عملية ممر جوبا فيما فشلت فيه العمليات الأخرى، يقول ويليامز، فإن بعثة الاتحاد الأفريقي سوف تحتاج دعم عناصر تمكين عسكرية تفتقدها بوضوح، حسب وثائق الاتحاد الأفريقي التي حصلت عليها فورين بوليسي.

"سوف تحتاج بعثة الاتحاد الأفريقي عناصر تمكينها العسكرية المفقودة، وتحديدا الـ12 مروحية عسكرية التي سمح بها مجلس الأمن لكنها لم تصل ابدا، ودعمٍ لوجستي وطبي أفضل"، قال ويليامز، مضيفا أن بعثة الاتحاد الأفريقي سوف تحتاج إلى زيادة التنسيق بين القطاعات التي يتولاها جنود من دولٍ مختلفة. في الماضي، يقول ويليامز، أُعيق مثل ذلك التنسيق بسبب "عدم وجود قيادة وسيطرة مركزية عبر الدول المشاركة بقواتها".

"أسوأ عام منذ 2011"

لأن بعثة الاتحاد الأفريقي غير قادرة على هزيمة الشباب عسكريا أو تسليم العمليات إلى الجيش الوطني الصومالي، فإن البعض داخل الحكومة الصومالية يخشون من أن البعثة قد تستمر إلى ما لا نهاية. ربط علي عمر، رئيس أركان الرئيس الصومالي، بعثة الاتحاد الأفريقي بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان، والتي استمرت لما يزيد عن 30 عاما. "مهمتنا هي أن نحل محلهم"، قال عمر متحدثا عن بعثة الاتحاد الأفريقي. وأضاف "لكن قد تكون مهتمهم هي البقاء".

الخوف من احتمالية أن تفضل الدول المشاركة بقواتها في البعثة البقاء في الصومال يغذيه جزئيا حقيقة أن جيوشها تتلقى تدريبٍ ومعدات قيمة في مقابل مشاركتهم. وضعهم كوكلاء للإدارات الغربية التي تفتقد الشجاعة لمواجهة الشباب مباشرةً يعزز أيضا سيطرتهم على الدول المانحة.

لكن طالما ظلت بعثة الاتحاد الأفريقي غارقة في الصراع الصومالي، فسوف تستمر حصيلة القتلى التي جعلتها أكثر مهمة حفظ سلام مُفوضة من قِبَل الأمم المتحدة دموية في التاريخ في الارتفاع. في بريدٍ الكتروني بتاريخ 13 يوليو، قال المتحدث باسم البعثة إيلوي ياو إنه "ليس في مركز يسمح له بتأكيد" عدد القتلى الذي تكبدته البعثة هذا العام، حيث يتم الحصول عليها عادةً من الدول المشاركة بالجنود، التي يُعتقد أن بعضها يقوم بتقليل مثل تلك الخسائر في تقاريره بشدة.

لكن مسؤولا بالأمم المتحدة على دراية بعمليات الإخلاء الطبي، والتي تتضمن إخلاء البقايا، قال إن هناك 100 جندي من البعثة على الأقل قد قُتلوا في 2015 حتى الآن. حسب ذلك المسؤول، والذي تحدث بشرط عدم ذكر اسمه لأنه ليس مخولا له الحديث إلى الإعلام، أن حصيلة القتلى تجعل هذا العام "أسوأ عام منذ 2011"، عندما كانت البعثة تخوض حرب خنادق ضد الشباب في مقديشو.

كما حذر مسؤول الأمم المتحدة من أن استخدام بيانات الإخلاء الطبي لتقدير عدد القتلى "يعطينا صورة غير كاملة"، لأن ليس كل البقايا البشرية يتم استعادتها أو إخلاءها. بعد أن تم اقتحام القاعدة في ليجو في يونيو، على سبيل المثال، أخلت الأمم المتحدة بقايا 32 قتيل، لكن متحدث باسم كتيبة بوروندي بالبعثة اعترف لاحقا بأن أكثر من 50 من جنودها قد قُتلوا. لكن على وجه العموم فإن المسؤول أكد أن عدد الوفيات الذي تسجله الأمم المتحدة داخليا يتعدى العدد الذي تعترف به بعثة الاتحاد الأفريقي.

"نحن لا نتتبع خسائر البعثة لأن ذلك عملهم"، قال المسؤول. وتابع "لكننا نحصل على حدٍ أدنى لعدد الجرحى والقتلى  لأننا نوفر إخلاءً طبيا. وذلك العدد، والذي مازال غير كامل، دائما أعلى مما تعترف به البعثة".

بالخارج في القواعد المتقدمة العاملة مثل التي توجد في توروتورو، حيث كانت العبوات الناسفة والكمائن أحداثا يومية قبل انسحاب البعثة، فإن عدم توافر معلوماتٍ يمكن الاعتماد عليها حول الخسائر كان له تأثيرا معاكسا بتغذية الشائعات عن خسائر هائلة.

قبل عدة أيام من زيارة البريجادير جنرال كافوما إلى توروتورو، تلقى ويلسون أجابا، وهو ملازم أول أوغندي، مكالمةً على هاتفه المحمول من صديقٍ متمركز بالفعل هناك. "لقد أصابتهم عبوة ناسفة"، قال أجابا وهو ينهي المكالمة. وتابع "هناك قتيل على الأقل واثنين من المصابين".

ثم أدلى أجابا بشهادةٍ مروعة عما يعتقد أنه يحدث في قطاعٍ مجاور تشرف عليه قواتٌ بوروندية. "البورونديون يتعرضون لمذبحة"، قال أجابا. وتابع "إنهم يتم مهاجمتهم كل يومٍ تقريبا". ذكر الملازم الشاب أنه شاهد مقطع فيديو على موقع يوتيوب، تم حذفه لاحقا، يظهر مقاتلي الشباب يذبحون العشران من الجنود البورونديين الأسرى، حسب كلماته، "مثل الماعز".

"لقد كانوا يلقون الجثث من الشاحنات"، قال أجابا في عدم تصديق. في عقل أجابا، فإن حركة الشباب قد قضت على الكتيبة البوروندية إلى درجة أنها لم تعد تعتبر الجنود البورونديون أهدافا مشروعة – ولذا فهم لم يعودوا يهتمون بمحاربتهم أو قتلهم منذ ذلك الحين. "قالت الشباب ’لقد اكتفينا من البورونديين’، إنهم يروهم الآن فيدعوهم يذهبون".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب