خرافة العملاق العسكري الإيراني

مقال رأي

 سوف تكون معذورا إذا ما اعتقدت بأن إيران، بعد تحررها من العقوبات الاقتصادية، سوف تكون مطلقة العنان للاستبداد بجيرانها الضعفاء في الخليج العربي والتسبب بمتاعب لإسرائيل. فكما تمضي النغمة الرتيبة المخيفة، إذا كانت إيرانٌ مقيدة بعقوباتٍ تعجزها قد نجحت في فرض نفوذها على أربع عواصم عربية – تلك الخاصة بالعراق ولبنان وسوريا واليمن – فماذا سوف تفعل إيرانٌ محررة من العقوبات وحظر الأسلحة؟ كما كتب المحلل السياسي ذائع الصيت راي تاكيه والذي يعد من صقور القضية الإيرانية مؤخرا "إن الإرث الأكثر أهمية للاتفاقية المرتقبة قد يكون أنها تسمح بالتنامي الإمبريالي للجمهورية الإسلامية". ذلك السطر تحديدا تم التشديد عليه للغاية حتى أصبح حقيقةً مقبولة في واشنطن.

المشكلة هي، أن ذلك السطر ليس صحيحا. لكنه، رغم ذلك، يهدد بإفشال اتفاقٍ نوويٍ دائم مع إيران.

بينما تتوجه المحادثات النووية بين إيران ومجموعة خمسة زائد واحد إلى نهايتها في فيينا، ظهرت هذه القضية في السؤال عما إذا كان سيتم الإبقاء على حظر الأسلحة المفروض على إيران كجزءٍ من قرارات مجلس الأمن الدولي بعد إبرام اتفاقٍ نووي أم لا. في حين تجيب الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون بنعم؛ تقول روسيا والصين وإيران لا.

التوقيت مقلق على أقل تقدير. فبينما تم للتو إيجاد حلولٍ لتقييد وإرجاع عناصر من برنامج إيران النووي للخلف، فتلك القضية – الواقعة خارج نطاق المحادثات النووية – تتخذ حاليا أهمية مبالغ فيها إلى درجة أنها تهدد بإلغاء التقدم الجاد الذي حدث في الأشهر الـ 18 الماضية. بعد أدائهم الجيد للغاية في عزل المحادثات النووية عن التعقيدات الخارجية، وصل المتفاوضون الأمريكيون والإيرانيون إلى اتفاقيةٍ تقريبا فقط ليجدوا أنفسهم في طريقٍ مسدود بشأن ذلك البُعد الإقليمي. بالطبع، لم يتخيل أحد في عام 2010 أن حظر أسلحة تقليدي – والذي كان جزءا من قرارٍ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ركز حصرا على أنشطة الانتشار النووي الإيرانية – سوف يطل بوجهه القبيح بذلك الشكل.

الموقف الروسي والإيراني هو أن قرارات مجلس الأمن قامت على تصور أن حظر الأسلحة سوف يتم رفعه بمجرد أن يتم حل المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. لذا بفرض أنه تم التوصل إلى اتفاقٍ بشأن البرنامج النووي الإيراني، فإن روسيا وإيران تجادلان بأن حظر الأسلحة يفقد تبريره القانوني. لكن موقف الولايات المتحدة الحالي قد لا يكون مهتما بالحفاظ على التناغم مع السياسة السابقة بقدر ما هو مهتم بضمان أن يخفف قلق الحلفاء الإقليميين قدر الإمكان كجزءٍ من صفقةٍ نووية مع إيران. تخشى إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بشكلٍ يمكن تفهمه من أن التراجع عن حظر الأسلحة المفروض على إيران سيكون خطوة أبعد كثيرا مما يمكن تقبله من قِبَل بعض الحلفاء الإقليميين الرئيسيين للولايات المتحدة، الذين يهددون جميعا، لا سيما المملكة العربية السعودية، بتقويض موقف الإدارة بشأن الاتفاق إذا استشعروا أن مصالحهم تملي ذلك.

المشكلة هي أن القصص المبالغ فيها المنتشرة الآن في واشنطن حول الصعود الإقليمي الإيراني في أعقاب اتفاقٍ نووي لا تنسجم مع الواقع.

بعيدًا عن أن تكون قوة مهيمنة، قادرة على إخضاع والاستبداد بمنافسيها الإقليميين دون عقاب، لا يزال لدى إيران مركزٌ إقليمي لا يمكن الدفاع عنه، في حين أن جميع منافسيها الإقليميين يتحصلون على أنظمة أسلحة تجعلهم محصنين بشكلٍ متزايد.

بالفعل، يظهر التقييم الرصين أن المنافسين الإقليميين لإيران في وضعٍ جيد – كمًا ونوعًا – ليس فقط لمواجهة "صعود" إيران، بل وللتنافس معها ايضا. علاوةً على هذا، فقد ظل ذلك صحيحا منذ بعض الوقت. وفقًا لتقريرٍ صدر في شهر ابريل من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فقد أظهر استنطاق "البيانات بشكلٍ قاطع أن لدى دول الخليج العربية تفوقًا ساحقًا على إيران في كلٍ من الإنفاق العسكري، والوصول إلى الأسلحة الحديثة".

من ناحية الكم، يعد الإنفاق العسكري الإيراني منخفضا بشدة عن ذلك الخاص بمنافسيها في الخليج. في عام 2014، ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تم تخصيص أكثر من 25 بالمئة من الإنفاق الحكومي السعودي لتعزيز الأصول العسكرية، وهي نفقات بلغ إجماليها أكثر من 80 مليار دولار. جنبًا إلى جنب مع الإمارات العربية المتحدة، التي أنفقت نحو 23 مليار دولار أمريكي، كان نصيب هاتين الدولتين أكثر من نصف الـ 173 مليار دولار حجم النفقات العسكرية لجميع دول الشرق الأوسط في ذلك العام.

بالمقابل، فشلت النفقات العسكرية الإيرانية في مضاهاة ذلك. خلال عام 2014، بلغ الإنفاق العسكري الإيراني نحو 15 مليار دولار، وهو ما شكل نحو 9 بالمئة من إجمالي الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط. يشكل ذلك مجرد جزء من الإنفاق العسكري السعودي وحوالي ثلثي ذلك الخاص بالإمارات. بلغ إنفاق دول مجلس التعاون الخليجي – البحرين، الكويت، عمان، السعودية، الامارات – مجتمعة على الأسلحة 13 ضعف نظيره الإيراني.

ذلك الاختلال في التوازن ليس مجرد ظاهرة راهنة. في الواقع، ووفقًا لقاعدة بيانات المعهد، فحتى قبل فرض حظر الأسلحة على إيران، والذي دخل حيز التنفيذ في عام 2010، بلغت النفقات العسكرية للمملكة العربية السعودية خلال العقدين الماضيين باستمرار ضعف أو ثلاثة أضعاف المبالغ التي كانت ترصدها إيران لجيشها؛ وبالتالي، لا يتمثل الاتجاه الجديد في أن الإنفاق السعودي تفوق على نظيره في إيران (حيث إن الحال كان هكذا طوال عهد الجمهورية الإسلامية)، بل يتمثل في أن الإنفاق العسكري السعودي قد ارتفع بشدة منذ عام 2005، إلى درجة أنه يقزم الآن أي إنفاق عسكري لمنافستها الإقليمية، إيران.

وتعد القصة نفسها صحيحة من الناحية النوعية. كما يلاحظ أحد تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فقد "حازت دول الخليج العربية، وتحوز، بعض أكثر الأسلحة تقدمًا وفعالية في العالم. أما إيران، فقد اضطرت للعيش في الماضي، معتمدةً عادةً على أنظمةٍ تم تسليمها لها في الأصل خلال زمن الشاه". اعتاد الإنفاق السعودي الحصول على أحدث أنظمة الأسلحة، بينما تُركت إيران بأنظمة أسلحة معمرة ومنهكة لا تناسب صراعات الدول.

بالنسبة لدول الخليج العربية، يشمل هذا بعض المعدات العسكرية الأمريكية الأكثر حداثة، مثل أحدث الطائرات المقاتلة من إنتاج شركتي بوينج ولوكهيد مارتن، والطائرات بدون طيار من طراز بريديتور، وطائرات الهليكوبتر الهجومية آباتشي، وأنظمة باتريوت للدفاع الجوي، ومخزونات من أحدث الصواريخ والقنابل وغيرها من الأسلحة. كما أوردت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في مايو، فإن هناك اندفاعا لدى هذه الدول لشراء أنظمة الأسلحة الأمريكية ذات التقنية العالية لحماية نفسها ضد منافستها إيران.

في الوقت نفسه، تُركت إيران مع أنظمة أسلحة عفا عليها الزمن. باعتمادها على المعدات العسكرية من عهد الشاه، وعدم قدرتها على إيجاد شريك موثوق في الخارج لشراء الأسلحة، اضطرت إيران إلى الاعتماد على القاعدة الصناعية الخاصة بها في إحداث أي تطورات جوهرية في برامج أسلحتها العسكرية. وبينما تحتفظ إيران بأكبر مخزونٍ من الصواريخ البالستية في المنطقة، فإن رأي الخبراء يظل أن إيران كانت أقل من ناجحة في القيام بذلك، مما يتركها في مركزٍ متأخر بكونها أقل إنفاقا وأقل تسليحا من خصومها الإقليميين.

استنادًا إلى خطوط هذا الاتجاه، أيضًا، فمن غير المحتمل أن يتغير هذا الوضع حتى في أعقاب اتفاقٍ نووي. بالفعل، تشير إحصاءات الإنفاق العسكري للجمهورية الإسلامية إلى أن نفقاتها كانت على الدوام في حدود 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم اعتبار البعض العقوبات سببًا في نفقات إيران الزهيدة على جيشها، فإن الحقيقة هي أن الإنفاق العسكري الإيراني قد ارتفع بدرجة متوسطة، بدلًا من أن ينقص، خلال حقبة العقوبات. من الممكن إرجاع السبب في ذلك إلى حقيقة أن الأزمات الأمنية الإيرانية قد تفاقمت نتيجةً للنزاع النووي المستمر، ولم تتحسن. وبالتالي فإن هيكل الحوافز لإيران لا يميل لصالح زيادة الإنفاق العسكري، وإنما تخفيضه.

 

أضف إلى كل ما سبق حقيقة أن القوى الخارجية – بما في ذلك الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا – إما حافظت على، أو زادت، وجودها في منطقة الخليج، بطرقٍ ملائمة لمصالح دول الخليج العربية، ليصبح توازن القدرات التقليدية ليس في صالح الإيرانيين تماما.

رغم كل ذلك، يظل التصور في واشنطن لإيرانٍ مستبدة تتفوق على منافسيها الخليجيين العرب عقب اتفاقٍ نووي.

في الأوقات العادية، مثل تلك القصص المبالغ فيها لصعود خصم سوف تخاطر بتشويه مجال إدراكنا وتجعل من الأصعب كثيرا تبني استراتيجيات مناسبة لحماية مصالحنا الأمنية الجوهرية. لكن حاليا، مع وجود نتيجة المحادثات النووية على المحك، فإن تلك القصص المستبعد حدوثها لقدراتٍ إيرانية مستقبلية تهدد بانهيار المفاوضات بينما تقف على أعتاب النجاح. سواء كانوا غير مطلعين أو ذوي نوايا شريرة، فإن المتحدثين في واشنطن يعرضون ما هو في النهاية صورةٍ خاطئة لتوازن القوى الإقليمي.

أثبت إنهاء المفاوضات كونه أكثر صعوبة مما توقع الكثيرون، مع تجاوز الدبلوماسيين للموعد الأخير الثالث الأسبوع الماضي. قضية حظر الأسلحة المفروض على إيران هي أحد النقاط القليلة العالقة – وهي نقطة شائكة لأن روسيا قد انفصلت رسميا عن مجموعة خمسة زائد واحد ودعت إلى أن يتم رفع الحظر. قد يفشل الإتفاق النووي بالكامل بسبب تلك القضية وحدها.

ولهذا فإن من الضروري بشدة تصحيح هذه الحكمة الشائعة، ولكن الكاذبة، وتبني نظرة أكثر رزانة لما قد تبدو عليه المنطقة بعد الوصول إلى اتفاقٍ نوويٍ مع إيران. إن الأمر لا يتعلق بالصواريخ، لكنه متعلق بالحرب والسلام.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب