دول البريكس: ما وراء الضجة

مقال رأي

 يعد تجمع البريكس – الذي يتكون من البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب افريقيا – مثيرا للجدل بقدر ما يساء فهمه. يرفض المتشككون البريكس على الفور، مجادلين بأن التحالف لا يفعل شيئا سوى الحديث. بينما يرى المتحمسون أن البريكس ينذر بنظام تسلسل اجتماعي عالمي جديد، سوف تتحدى فيه الاقتصادات الناشئة، بقيادة الصين، ومن ثم تتفوق على غربٍ في انحدار. من الصعب العثور على تحليل أكثر اتزانا.

توفر قمة دول البريكس التي عقدت الأسبوع الماضي في مدينة أوفا الروسية فرصةً في التوقيت المناسب لتقييم ما الذي يمثلونه، وما الذي لا يمثلونه، ولماذا حان الوقت لتأخدهم الولايات المتحدة، والمظالم التي يمثلوها، بجدية.

يمكن فهم تجمع البريكس على أفضل وجه كمنصةٍ للتعبير عن السخط تجاه أوجه قصور نظام الحكم العالمي، وليس كعربةٍ لقلب ذلك النظام بنفسها. في الواقع فإن دول البريكس تمثل الوضع القائم أكثر مما يحبون أن يعترفوا. ربما يكون لإعلانهم المشترك صبغةً ثورية، لكن دول البريكس رجعية خطابيا أكثر مما هي الواقع. بعيدا عن أن تكون تسعى لقلب النظام العالمي القائم، فإن تلك الدول الخمس لديها مصلحة راسخة في الحفاظ على المؤسسات التي سمحت بصعودها الناجح بشكلٍ عام، بينما يقومون انتقائيا بإصلاح تلك المساحات التي يُمنعون فيها من الحصول على امتيازاتٍ ونفوذ توازي وزنهم الاقتصادي المتنامي.

سواء أحبت واشنطن ذلك أم لا، فإن البريكس سوف يبقى. في عام 2001، صاغ جون أونيل المحلل بالبنك الدولي مصطلح "بريك" ليشمل ما توقع أن تكون الاقتصاديات الأربعة الناشئة الأكثر ديناميكية في القرن الجديد (انضمت جنوب افريقيا إليهم في عام 2011). ونظرا لأصل الاختصار في عالم المالية، فإن المراقبين الغربيين يميلون إلى تصور البريكس ككيانٍ اقتصاديٍ بالكامل، تعتمد شرعيته على معدلات النمو الاستثنائية وفرص الاستثمار. لذلك أسرع الكثيرون إلى افتراض أن الأداء الاقتصادي الغير مستقر في الأعوام الأخيرة يلقي بظلالٍ من الشك على أهمية المجموعة. لكن سيكون من الخطأ النظر إلى البريكس من خلال المؤشرات الاقتصادية فقط. لم يعد يهم إذا ما كان نمو البريكس أكثر بطئا مما كان متوقعا، أو أن الاقتصادات الناشئة مثل اندونيسيا، المكسيك، وكوريا الجنوبية يمكن أن تتجاوز البرازيل، روسيا، وجنوب افريقيا في الأعوام القادمة. ذلك لأن البريكس حصلت على زخمٍ سياسي تجاوز النمو الاقتصادي السنوي.

يتبدى ذلك الزخم في المؤسسات المالية الجديدة التابعة للبريكس والتي تم إطلاقها رسميا الأسبوع الماضي في أوفا. وهي بنك التنمية الجديد، وهو منصة إقراض برأس مال 100 مليار دولار لتمويل مشاريع البنية التحتية في دول البريكس والدول النامية الأخرى، وصندوق عملات بقيمة 100 مليار دولار يعرف باسم ترتيب احتياطي الطوارئ، والذي يهدف إلى حماية اقتصادات دول البريكس من الضغوط المالية العالمية. اتخذ البعض هاتين المؤسستين دليلا على أن دول البريكس عازمة على اغتصاب اقتصاد ما بعد الحرب العالمية الذي بناه ويقوده الغرب. لكن ذلك ليس حقيقيا. في الواقع، فإن بنك التنمية وصندوق العملات يمثلان رد البريكس على أوجه قصور النظام المالي العالمي القائم المُعتَرف بها على نطاقٍ واسع. كانت رغبة مشتركة في إصلاح الحكم الاقتصادي العالمي هي القضية التي قادت دول البريكس معا وأعطتها شرعية في أعقاب الأزمة المالية العالمية. لسنوات، طالبت دول البريكس بإصلاح مؤسسات بريتون وودز، حيث تظل القوى الغربية ممثلة بشكلٍ يفوق حجمها على حساب الاقتصادات الناشئة. لدى الصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي، 3.81 في المئة فقط من الأصوات في صندوق النقد الدولي. للمقارنة، تملك بريطانيا وفرنسا 4.29 في المئة من الأصوات لكلٍ منهما، رغم أن اقتصاداتهما أصغر بثلاث مرات عن اقتصاد الصين، حسب آخر بيانات الصندوق. من الواضح أن بعض الإصلاح قد تأخر كثيرا. لكن حزمة إصلاح صندوق النقد الدولي التي تم التفاوض عليها في عام 2010، والتي سوف تبدأ في معالجة تلك الاختلالات، تبقى معطلة في الكونجرس الأمريكي. للأسف، فشل واشنطن في التصديق على إصلاح صندوق النقد يمثل رمز لمظالم البريكس: لقد عفا الزمن على المؤسسات القائمة، والاقتصادات الناشئة، والتي تمثل نسبةً من الاقتصاد وعدد السكان العالميين، تطالب بمعاملتهم بالتساوي. الأسوأ أن عرقلة إصلاح صندوق النقد فاقم فقط من تصورات أن الولايات المتحدة عازمة على إبقاء القوى الصاعدة مثل دول البريكس منخفضة.

في ذلك السياق، يرى كثيرون أن بنك التنمية وصندوق الطوارئ ليسا فقط تحديا مباشرا لمؤسسات بريتون وودز بقيادة الولايات المتحدة، لكنهما أيضا إشارة لأشياءٍ قادمة. حسب تلك الرواية، سوف تستمر دول البريكس في تدشين مؤسسات جديدة لمنافسة تلك التي صنعتها وتقودها الولايات المتحدة. كما كتب السياسي الهندي شاشي تارور مؤخرا "إذا لم يُسمح لدول البريكس بالمساعدة في القيادة من داخل النظام العالمي القائم، فإنهم سيصنعون نظاما آخر خاصا بهم لا محالة". لكن تلك المخاوف مبالغٌ فيها. هناك مساحاتٍ قليلة يمكن فيها لدول البريكس أن تنشئ بدائل صالحة للمؤسسات الدولية القائمة. يحفل المسرح العالمي بالفعل بمؤسساتٍ جديدة نسبيا أكثر شمولا تهتم بجوانب متعددة من الحكم العالمي، من مجموعة العشرين وقمة الأمن النووي إلى المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب وقوة المهام المالية. البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب افريقيا هم مساهمين فاعلين في تلك المؤسسات وغيرها من المحافل. بخلاف المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد، فإنه من غير الواضح أين يمكن أن تضيف دول البريكس قيمة ببناء مؤسساتٍ موازية خاصة بهم.

ورغم حقيقة أن إصلاح مجلس الأمن الدولي قد راود المجتمع الدولي طويلا، فإن دول البريكس تستمر في إعطاء أولوية لذلك الكيان. تقدر روسيا والصين حق الفيتو الخاص بهم في مجلس الأمن بشدة إلى درجةٍ تمنعهما من التهديد بتقويض مركزه كالحكم الأكثر أهمية في شئون السلم والأمن الدوليين. في ذات الوقت، تستمر البرازيل، الهند، وجنوب افريقيا – الذين يعدون أنفسهم من بين المتنافسين على المقاعد الدائمة، إذا تحقق توسيع المجلس يوما ما – في الإصرار على إصلاحه، مما يشير إلى أنهم مازالوا يضعون ثقتهم في أهمية المجلس، رغم عيوبه.

عندما يتعلق الأمر بالسلم والأمن الدوليين، فإن التزام مجتمع البريكس بالعمل من خلال مجلس الأمن يؤكد على مدى انتمائهم للوضع القائم. طرح المراقبون الغربيون طويلا كيف أن الاختلافات الأيدولوجية سوف تقيد التعاون بين الثلاثة أعضاء الديمقراطيين في البريكس – البرازيل، الهند، وجنوب افريقيا – والعضوين السلطويين – روسيا والصين. لكن ذلك صحيح جزئيا فقط. ربما تكون البرازيل، الهند، وجنوب أفريقيا ديمقراطيات، لكنهم أيضا من الأنصار المتحمسين للسيادة غير المقيدة. في النهاية، فإن التزاما مشتركا بالسيادة وعدم التدخل – وهو المبدأ الذي يقوم عليه نظام الدول القومية – هو الأسمنت الذي يبقي دول البريكس معا.

بالفعل، تظهر استجابات المجموعة للأزمات الدولية أنهم لا يحتاجون لامتلاك أنظمةٍ سياسية مشتركة حتى يتحدوا ضد ما يرونه تفوق القوى الغربية في عالمٍ يصبح متعدد الأقطاب أكثر فأكثر. لنأخذ، على سبيل المثال، تدخل الناتو في ليبيا. بدلا من استعمال حق الفيتو، امتنعت روسيا والصين عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذي يسمح باستخدام العمل العسكري في ليبيا تحت مبدأ مسؤولية الحماية. قامت البرازيل والهند، واللتان كانتا عضوين غير دائمين بالمجلس آنذاك، بالمثل، بينما صوتت جنوب افريقيا لصالح القرار. لكن، عندما بدأت حملة الناتو في أن تبدو كتغييرٍ للنظام أكثر من كونها تدخلا انسانيا، ادعت دول البريكس أن الناتو قد تجاوز التفويض. في نظرهم، لم يستغل الناتو فقط مبدأ مسؤولية الحماية كذريعةٍ لإسقاط زعيمٍ أجنبي، لكنه ايضا استغل حسن نية دول البريكس.

أثارت جهود الغرب لتوبيخ روسيا على تدخلها في أوكرانيا مقاومةً مماثلة من دول البريكس. لم تقر البرازيل، الهند، الصين، جنوب افريقيا علنا أبدا روسيا في أوكرانيا، لكنهم أيضا لم يتبعوا خطوات المبادرات الأمريكية والأوروبية لفرض عقوبات على القيادة الروسية في موسكو وعزلها دبلوماسيا. وفي تسلسلٍ ذو مغزى للأحداث، أصبحت دول البريكس حانقة عندما أصدر مسؤولون استراليون جلبة حول منع بوتين من حضور قمة مجموعة العشرين العام الماضي في بريزين. محاولات استخدام مجموعة العشرين كوسيلةٍ لعزل بوتين أدت إلى نتائجٍ عكسية. تستمد مجموعة العشرين شرعيتها من عضويتها المتنوعة. بعد الأزمة المالية العالمية، حلت مجموعة العشرين محل مجموعة السبع كالمنتدى الرئيسي للتعاون الاقتصادي الدولي تحديدا لأن الغرب لم يعد بامكانه ادعاء تمثيل مصالح الاقتصاد العالمي حصريا؛ أصبحت الاقتصادات الناشئة – والتي تدعي دول البريكس قيادتها – محورية للغاية للاستقرار الاقتصادي بحيث لم يعد يمكن إغفالها. قد تكون مجموعة العشرين غير مثالية، لكنها مثالٌ رئيسي لكيف يمكن للقوى القائمة أن تجلب القوى الصاعدة إلى الحظيرة. بالفعل، أكدت دول البريكس في بيانٍ مشترك أن "وصاية مجموعة العشرين تنتمي إلى جميع الدول الأعضاء بالتساوي ولا تستطيع دولة عضو أن تقرر من جانب واحد طبيعتها وصفاتها"، عاكسين قناعتهم بأن التصرف من جانبٍ واحد يناقض نظام عالمي متعدد الأقطاب.

بالتأكيد، لا يمكن إنكار أن ضم روسيا للقرم مثَّل إهانة لمبادئ السيادة وعدم التدخل التي تدعي دول البريكس تمثيلها. الصين، من جانبها، تستمر في فرض نفسها في بحر الصين الجنوبي، وفشل دول البريكس – والغرب ايضا – في معالجة الأزمة في سوريا يخدم كتذكيرٍ مروع بتكلفة السيادة وعدم التدخل المطلقين.

رغم ذلك، لا تمثل دول البريكس كتجمعٍ تهديدا للنظام العالمي القائم. لكن ذلك لا يعني أن مظالمها لا تستحق وقت صنَّاع السياسات في واشنطن. بالفعل، نالت دول البريكس زخما لأنها سعت – لكن بصورة غير متسقة – لعلاج تنامي عدم تناسب نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية في وجه النظام العالمي المتغير بإطراد – وهو تحدي طويل الأمد الذي فشلت الولايات المتحدة في إدراكه. قد تكون دول البريكس مجرد رمز، لكنها ايضا عَرَض لنفاد صبر العالم على استمرار الأوضاع كما هي. عاجلا أم آجلا، يجب أن تعالج واشنطن أوجه القصور تلك في الحكم العالمي. إذا كانت دول البريكس قادرة على تحفيز أي تقدم في ذلك الاتجاه، فإن العالم – بما فيه الولايات المتحدة – سوف يصبح أفضل.

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب