سيناء بعيدة عن الاستقرار

مقال رأي

 "تحت السيطرة ليس وصفًا كافيًا للوضع [في سيناء]... إنَّ الوضع مستقرٌ تمامًا وكلية"، هكذا قال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من مكان غير معلوم في سيناء، بينما يرتدي زيًا عسكريًا.

بدا البيان مُناقضًا لزيه العسكري، وجاء في البيان الصادر عن رئيس وزرائه أن "مصر في حالة حرب"، و- الأهم من ذلك - الأهداف العسكرية الخمسة عشر التي تمكَّن مقاتلو [تنظيم] ولاية سيناء من الهجوم عليها، في وقت واحد، كانت قبل يومين.

كانت هجمات يوليو 2015 بالتأكيد هي الأكثر تطورًا لمقاتلي ولاية سيناء حتى الآن.

لقد أظهروا استخدامًا لصواريخ إس-16 الموجَّهة والمضادَّة للطائرات، وهي التي أبعدت مروحيات الأباتشي المُهاجِمة. كما استخدم مقاتلو ولاية سيناء أيضًا عدة قذائف مورتر خفيفة، ورشاشات ثقيلة، وصواريخ غراد، التي قُصِف بها مطار العريش، وصواريخ مضادة للدبابات، وإصدارات متعددة من العبوات الناسفة  بما في ذلك عبوات ناسفة يتم التحكم فيها عن بعد، وسيارات مفخخة.

وفقًا للسكان المحليين، شارك نحو 300 من مقاتلي ولاية سيناء في العمليات التي استمرَّت أكثر من 12 ساعة. وفي أثناء القتال، تمكَّن مقاتلو التنظيم من الحؤول مؤقتًا بين المواقع المستهدفة والتعزيزات القادمة، وذلك بالأساس عن طريق استخدام مزيج من العبوات الناسفة، والقنَّاصة، والمدفعية الخفيفة.

تطورات مقلقة

لغَّم المتمردون، عند انسحابهم، طرق تراجعهم لدرء محاولات الملاحقة. أمَّا عدد جنود وضباط الجيش القتلى فمتنازع عليه. تدَّعي مصادر رسمية أنه 17، في حين تدَّعي مصادر غير رسمية أنه يزيد عن 80.

تأتي التطورات المقلقة بعد أكثر من 18 شهرًا من "تكتيكات مكافحة التمرد" الوحشية للغاية، وغير الفعَّالة، التي تكثَّفت منذ صاعد الجيش من عملياته، في شمال سيناء، في أكتوبر 2013.

بالإشارة إلى أرقام القتلى من مقاتلي التنظيم، التي قُدِّمت من قِبَل المتحدثين باسم الجيش، يزعم الجيش أنه قتل أكثر من ثلاثة آلاف منهم. بالإضافة إلى هدم أكثر من خمسة آلاف منزل - ليس فقط في رفح الشرقية لمسح الحدود مع غزة - ولكن أيضًا بعيدًا عن الحدود، في منتصف الشيخ زويد، كعقاب جماعي لعائلات المشتبه بهم.

بقي "تمرد" سيناء وتوسَّع بعد ذلك، خاصَّة بعد أن أعطى مقاتلو ولاية سيناء يمين الولاء [لتنظيم] الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، في نوفمبر 2014.

إنَّ البراعة العسكرية للتنظيم لا مثيل لها عند أي جماعة متمردة مصرية، في تاريخ مصر الحديث. لكن ما مدى خطورة قدرته العسكرية؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى البيئة السياسية بشكل عام؟

هجمات وأهداف تنظيم ولاية سيناء

قام مقاتلو تنظيم ولاية سيناء، وغيره من التنظيمات، بهجمات عديدة بين عامي 2013 و2015. استهدفت الأغلبية الساحقة من الهجمات إمَّا أهدافًا عسكرية، أو أمنية، في الطريق الساحلي الشمالي بين العريش ورفح.

جرت هجمات أخرى ضدَّ إسرائيل، أو أهداف مدنية سهلة، مثل خطوط أنابيب الغاز، وكان التنظيم قادرًا أيضًا على تنفيذ هجمات كبيرة خارج سيناء، وعلى الأخص في القاهرة، ووسط الدلتا، وشمال صعيد مصر، والصحراء الغربية التي تبعد أكثر من ألف كيلو متر عن شمال سيناء.

يهدف تنظيم ولاية سيناء بوضوح إلى الاشتباك، ومواصلة الاشتباك، مع القوات النظامية، في  حرب استنزاف طويلة ومكلفة. إنَّه يعتمد جزئيًا على تكتيكات تخريبية لخفض الروح المعنوية، وزيادة تكاليف الحرب بالنسبة إلى النظام. وهو ما يشبه استراتيجية حرب العصابات الماويّة التقليدية.

يتمثَّل الهدف هنا في استهداف القوات النظامية، وشبكات دعمها المحلية (بالتحديد المخبرين من القبائل المختلفة)، من أجل تدمير، أو تقويض، إرادة النظام، وليس بالضرورة قدرته على القتال. إنَّها استراتيجية لا تهدف إلى تأمين نصر عسكري سريع.

لا يزال تنظيم ولاية سيناء حتى الآن في المرحلة الأولى من هذه الاستراتيجية؛ لا يزال يحاول تأمين معقل له (مثل محاولة السيطرة على الشيخ زويد)، وليس مجرَّد البقاء على قيد الحياة. إذا استمر التنظيم في كسب التأييد، والحصول على المزيد من الموارد، فإنَّ مصر يمكن أن تدخل في المرحلة الثانية من القتال، والتي يمكن وصفها بالتوسع التدريجي من المعاقل.

تأثير سياسي كبير

يمكن أن يكون لصعود تنظيم ولاية سيناء تأثير سياسي كبير، حتى إذا كان التنظيم أقل عناية بالأزمة السياسية في القاهرة، وأكثر عناية من ذلك بكثير بالاعتداء على المواقع الأمنية والعسكرية. تاريخيًا، تسببت الأخطاء العسكرية والأمنية، في سيناء، في تحولات كبرى في توازن القوى داخل النخبة الحاكمة.

يشتمل ذلك على تغلُّب جمال عبد الناصر، في أزمة السويس، على منافسيه الآخرين، ووفاة عبد الحكيم عامر، بعد هزيمة يونيو 1967، وأخيرًا، إزالة المشير حسين طنطاوي ونائبه، سامي عنان، في أغسطس 2012، بعد ذبح 16 جنديًا، في موقع حدودي مع رفح.

وقد تسبب التدهور المتزايد في الوضع الأمني في صدوع داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو أقوى كيان سياسي، في مصر، في الوقت الراهن. ويبقى أن نرى إذا كانت هذه الصدوع ستتوسع، أو تتقلص.

لكن كما يتضح لنا حاليًا في سوريا، والعراق، وليبيا، واليمن، وأماكن أخرى في مناطق أخرى، يمكن للأنظمة الديكتاتورية القائمة على أساس عسكري أن تكون مشاريع حرب أهلية في المستقبل - حتى لو استطاعت، في مرحلة ما، أن تنجح في القضاء على المعارضة، كما فعل نظام الأسد، في مدينة حماة، في 1982.

ما حدث في القاهرة، في أغسطس 2013، وفي شمال سيناء، بين عامي 2013 و2015، من المرجَّح أن يولِّد موجات من العنف غير الدولتي، من المرجح أن تستمر. وإنَّ الوضع والسياسات التي تولِّد ذلك أبعد من أن تكون "مستقرة" أو "تحت السيطرة".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب