كيفية احتواء مشاكل أثينا الاقتصادية

مقال رأي

 كان العالم الغربيّ مهمومًا، في أواخر التسعينيات، بظاهرة عرفت باسم واي تو كي (Y2K) (سنة 2000)، أو بَقّ الألفية - هكذا، وهو انهيارٌ جماعيٌ لكل أنظمة الكمبيوتر خلال ثوان من مجئ الساعة الثانية عشر صباحًا، ليلة رأس سنة عام 2000. لقد أدخل معظم مبرمجي الكمبيوتر المبكرين التواريخ بحسب آخِر أرقامها، بما يحوِّل عام 1976، على سبيل المثال، إلى "76". وقد فعلوا ذلك، في المقام الأول، لتوفير مساحة في الذاكرة، التي كانت مكلِّفة جدًا في تلك الأيام، وأيضًا لافتراضهم أن لبرامجهم صلاحية محدودة. فما كان يُخشى منه أن بعض أجهزة الكمبيوتر لن تُدرك الموعد الجديد لعام 2000، ومن ثم ستفترض بدلًا من ذلك أنهم قد عادوا إلى عام 1900. وقد تخيّلت بعض السيناريوهات الأسوء حالًا تحطُّم آلات المستشفيات، وفوضى مصرفية، بل وسقوط طائرات من السماء.

تم أخذ التهديد على محمل الجد بشكل كليّ سواء من جانب الحكومات أو القطاع الخاص، حيث أنفقت مليارات الدولارات لفحص وتحديث برامج الكمبيوتر في السنوات التي سبقت عام 2000. وفي نهاية المطاف، لم يقم البَقّ باللدغ. كانت هناك بعض الإخفاقات السستمية - على سبيل المثال، في اليابان، تعطل جهاز مراقبة الإشعاع في إيشيكاوا لفترة من الوقت، وفي المملكة المتحدة، أرسِلت اختبارات حمل إيجابية زائفة لبعض النساء، وفي بعض البلدان، حصل خلل قليل بأكثر من آلة حجز تذاكر.

يستدعي كل هذا إلى الأذهان العذاب اليوناني الطويل على طريق اليورو. حين انفجرت الأزمة لأول مرة، في عام 2010، كانت هناك مخاوف على نطاق واسع أنه إذا تخلَّفت اليونان عن سداد ديونها العامّة، فإن العدوى ستُسقط البنوك في جميع أنحاء منطقة اليورو، وتدمّر سوق السندات الحكومية في دول المجاورة، مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وربما أيرلندا. لقد بدت المخاوف مبررة إلى حد ما: لا أحد يعرف تمامًا كيف سيكون رد فعل الأسواق، كما كانت الروابط المعقّدة بين الديون اليونانية والسيولة المصرفية في الأماكن الأخرى غير واضحة حتى للخبراء المحنكين. لقد كان هذا الشعور من عدم اليقين، على وجه التحديد، هو ماساومت به الحكومات اليونانية منذ بداية الأزمة وهو نفسه ما يؤسس له منظرو لعبة سيريزا لموقف المواجهة الحاد ابتداءً من يناير هذا العام.

ولهذا السبب، قدَّم الاتحاد الأوروبي عمليات إنقاذ طارئة لليونان، وحذف نسبةً كبيرةً من الديون في مقابل التزامات بإصلاح الدولة والاقتصاد. وليكونوا على الجانب الآمن، مع ذلك، أمضى المسئولون والبنوك الأوروبية السنوات الخمس الماضية في إدارة التكافؤ المالي كما ما فعلت فرق واي تو كي، وعزلوا اليونان بحيث يمكن احتواء أي تداعيات يشكل آمن لتجنب [بَقّ اليونان أو] جي تو كي (G2K). وفي الآونة الأخيرة، ادَّعت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أن هذا قد تحقق وأن أوروبا الآن "أقوى بكثير" مما كانت عليه عندما اندلعت الأزمة اليونانية لأول مرة، في عام 2010.

وقد زاد الإعلان كثيرًا في استعداد بروكسل وعواصم أوروبية أخرى لمواجهة ما اعتبروه تراجعًا يونانيًا متكررًا عن تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها. وكانت المواجهة بين الاتحاد الأوروبي وسيريزا، في نهاية الأسبوع الماضي، نتيجة لذلك، ويشير التصويت "بلا"، بالأمس، في الاستفتاء على شروط الإنقاذ، على ما يبدو، إلى أن البلاد على وشك الخروج من اليورو. ولذلك سوف نرى الآن ما إذا كانت ستتحق المخاوف من جي تو كي، أو ما إذا كانت الميكانزمات التي وضِعت عن طريق بقية دول الاتحاد الأوروبي منذ عام 2010 قد فعلت فعلها - مع أنه، كما هو الحال مع يو تو كي، لن نكون متأكدين مما إذا كان التهديد خيالي تمامًا في المقام الأول.

بمعنى ما، من المحتمل أن يتم احتواء العدوى. لقد كان  استفتاء يوم الأحد مؤطرًا من قِبَل الحكومة اليونانية كتصويت ضد التقشف، وليس ضد أوروبا أو حتى اليورو. وليس لدينا حتى الآن بيانات اقتراع موثوق بها، لكن من الواضح أن العديد من الذين صوتوا بـ "لا" كانوا من المهنيين الشباب - أو المتعلمين لكن غير العاملين أو العاملين بأجر قليل - الذين قد يكونوا أوروباويين عاديين في أي بلد آخر، والذين ظلّوا ملتزمين تجاه الفكرة الأوروبية ولكن تم إرهاقهم  بعد  خمس سنوات من التقشف. ولم يكن تصويتهم بالرفض راجعًا إلى قسواة شروط الإنقاذ وحسب، لكن أيضًا إلى تحذيرات صارخة من بروكسل بأن التصويت "بلا" سيؤدي إلى رحيل تلقائي لليونان من منطقة اليورو. وبالتالي يجب على المراقبين أن يتعاملوا مع مفارقة أن بعض اليونانيين الأكثر تأييدًا لأوروبا (بجانب العديد من المتطرفين اليسارين واليمينين المعادين للأوروبيين) قد صوتوا ضد صفقة الإنقاذ. يريد رئيس الوزراء اليوناني، الكسيس تسيبراس، وحزب سيريزا العودة إلى الدراخما. وهم يعرفون أن معظم اليونانيين يودون البقاء في منطقة اليورو، ومن ثم فإنهم لن يتعجلوا في ترك المنطقة. فالأمر الأفضل بكثير بالنسبة إليهم هو انتظار بروكسل حتى تجبرهم على الخروج. وسوف تلعب أثينا هذه اللعبة، وما استقالة يانيس فاروفاكيس من منصبه كوزير للمالية سوى أحدث خطوة في الطريق إلى نهاية أليمة.

قد يكون من الممكن احتواء العدوى المالية في أوروبا، لكن العدوى الاستراتيجية والسياسية ستكون هائلة. وإذا لم تترك اليونان الاتحاد الأوروبي أيضًا، فإنها قد تصبح بابًا مفتوحًا، كما هدد بعض وزراء سيريزا، من خلاله يتدفق المهاجرون. كما ستنجرف البلد أكثر نحو المدار الروسي، مع عواقب قاتلة للسياسة الخارجية المشتركة للاتحاد الأوروبي، خصوصًا العقوبات على أوكرانيا. وقبل كل شئ، ستصير لارجعة الوحدة النقدية في موضع التساؤل، مع آثار ضخمة على جميع أنواع الرهانات السياسية والاقتصادية التي وضعت على مدى العقود الثلاثة الماضية. وليس ثمة أي نماذج يمكن من خلالها تحديد مقدار الضرر المحتمل على الاتحاد، لكنه سيكون هائلًا، وربما قاتلًا لتعميق التكامل.

وفي الحالتين، يواجه اليونانيون خيارًا مستحيلًا: إما أن يوافقوا على برنامج تقشف يسحق حياة الشباب والفئات الأضعف، أو يعودوا إلى السياسة الوطنية الفاشلة التي أدت بالبلاد إلى هذه الفوضى. وسيعرف العالم قريبًا الإجابة على جي تو كي، لكن أيًا كان الجواب، فإننا نتوقع الخراب لواحدة من دول أوروبا، وعلينا أن نتذكر أن أوروبا ليست نظامًا ولا لعبة، ولكن مصير مشترك، ويتعين علينا أن نتمنى الطاعون على جميع من هم في بروكسل وأثينا ممن زجوا بنا في هذا المأزق.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب