كيف تقرأ الاستراتيجية العسكرية الوطنية الجديدة لأمريكا

مقال رأي

 أصدر الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الذي سيغادر منصبه قريبا، استراتيجية عسكرية وطنية جديدة. الاستراتيجية الجديدة منصوص عليها في القانون (المادة 10.153) كواحدة من الوثائق الأعلى مستوى التي تضع الخطوط العريضة لكيفية إدراك الإدارة للتحديات العالمية والفرص التي تواجهها، وما تنوي أن تفعله بشأنها.

نظريا، تتسق الوثائق مع بعضها بشكل منطقي. فعلى قمتها توجد وثيقة استراتيجية الأمن القومي، التي وقعها الرئيس، حيث توضح الأهداف الأوسع وتناقش كيفية تكامل جميع عناصر القوة الوطنية من أجل تحقيق تلك الأهداف. وتأتي بعدها استراتيجية الدفاع الوطني، التي وقعها وزير الدفاع، وتركز على دور وزارة الدفاع في تطبيق الاستراتيجية المصاغة في استراتيجية الأمن القومي. تنشر استراتيجية الدفاع الوطني أحيانا كوثيقة قائمة بذاتها، ولكنها توصف كجزء من تقرير مراجعة الدفاع الرباعية، الذي سأتحدث عنه لاحقا. يأتي بعدهما الاستراتيجية الوطنية العسكرية، التي أصدرها ديمبسي، حيث تركز على دور الجيش النظامي في دعم استراتيجية الدفاع الوطني واستراتيجية الأمن القومي. وبعد ذلك تأتي استراتيجيات الخدمة الفردية التي تركز على أدوار، القوات الجوية، والبحرية، والبرية.

من المفترض أن ترشد استراتيجية الأمن القومي الاستراتيجيات الأخرى المتعلقة بمواجهة التهديدات المختلفة وعلى نطاقات أخرى أصغر، مثل، الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الإرهاب، واستراتيجية الأمن الفضائي القومي، والاستراتيجية الرقمية لوزارة الدفاع، وما إلى ذلك.

يفترض أيضا أن ترشد استراتيجية الامن القومي جهود تنمية البرامج على مستوى الأقسام – تقرير مراجعة الدفاع الرباعية الخاص بوزارة الدفاع وتقرير التنمية والدبلوماسية الرباعية الخاص بوزارة الخارجية – التي تصيغ على نحو أكثر مباشرة الميزانيات وقرارات هيكلة القوة.

من المفترض أن تصيغ تلك الجهود الميزانية: دع الاستراتيجية تحدد ما تحاول فعله وكيف ستفعله، ثم ترجم تلك الاستراتيجية إلى برامج تمولها ميزانيتك.

لقد كررت عبارة "من المفترض"، لأنه عمليا لا يتبع الإعداد لتلك الوثائق الاستراتيجية ذلك التخطيط المرتب المنصوص عليه نظريا، حيث تعد تلك الوثائق عادة بشكل متزامن أو حتى غير متزامن – على سبيل المثال، صدر تقرير مراجعة الدفاع الرباعية الجديد قبل إصدار استراتيجية الأمن القومي الجديدة – إذن، يبدو ترتيب صياغة تلك الاستراتيجيات خاضعا للتنافس. في نظام فعال يدير العمل بين الوكالات، يجري الكثير من التنسيق بين الموظفين، لمنع الانفصال عن ذلك التسلسل. في الأنظمة الأقل فاعلية، تحاول أحيانا الأقسام والوكالات التي تخسر المعركة على إحدى الوثائق أن ترد هزيمتها عبر وثيقة أخرى.

والأكثر إثارة للإشكال أنه كثيرا ما تطور الميزانية بشكل مستقل عن الاستراتيجية (أو العكس). في بعض صور النزعة البروكرستية، تؤدي صياغة الميزانية وفق دوافع سياسية إلى تحديد قدر الأموال المتاحة للأمن القومي، ثم يعدل أو يلغى كل شيء آخر من أجل إنتاج استراتيجية تتلائم مع تلك الميزانية.

إن فكر أحدهم في ذلك كممارسة تجري في الاقتصادات المنزلية البسيطة، ربما بدت العملية منطقية – الأمر أشبه بتقرير أن لديك 25,000 دولار لشراء سيارة جديدة، ثم تخرج للبحث عن أفضل سيارة مقابل ذلك السعر.

ولكن صياغة استراتيجية الأمن القومي ليس مثل شراء سيارة لعائلتك. يتناول الأمن القومي أعداء يحاولون بشكل نشط أن يعيقوا مصالحك. إن كانت لديك أفضل استراتيجية وقوات متاحة مقابل مبلغ اعتباطي، فستفشل إن كانت تلك الاستراتيجية والقوات غير كافية أمام التهديدات التي تواجهك. تتناسب المخاطرة في أي استراتيجية طرديا مع الفارق بين ما تحتاجه وما لديك بالفعل.

يقودنا ذلك إلى الاستراتيجية العسكرية الوطنية الجديدة. تصاغ تلك الاستراتيجية نظريا بناء على استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها الرئيس باراك أوباما وأثارت جدلا عام 2015، بينما في الواقع، خضعت الاستراتيجية الوطنية العسكرية بشكل أكبر للكثير من الممارسات لأسباب متعلقة بالميزانية.

تمثلت أول ممارسة في قرار الرئيس أوباما نحو نهاية عام 2011 بخفض ميزانية الدفاع ثم توجيه فريقه للأمن القومي لصياغة أفضل استراتيجية ضمن حدود الميزانية التعسفية الجديدة. لم تعترف الإدارة بأن تلك الخطوة كانت بدوافع ماليةـ ولكنها كانت كذلك. نتج عن ذلك دليل استراتيجية الدفاع لعام 2012، الذي تضمن استراتيجية دافع عنها فريق أوباما للأمن القومي بوصفها مناسبة، وأعلن عن عدم فرض المزيد من التخفيضات في الميزانية. بينما انتقد الكثيرون، وأنا منهم، تلك الجهود، فبمقارنتها بما أصدروه لاحقا، يبدو أن تلك التوجيهات هي أكثر ما سيدافع عنه فريق أوباما للأمن القومي في أي مناظرة رسمية.

إلا أن ما حدث لاحقا كان المزيد من تقليصات الميزانية، التي كانت أعمق وأكثر تعسفا، وعرفت باسم "حجز الميزانية". إن كانت استراتيجية عام 2012، حسبما ترى إدارة أوباما، بالكاد يمكن تطبيقها قبل الحجز، يصعب تصديق زعمهم بأنها قابلة للتطبيق بعد الحجز. ولكن الحقيقة الواضحة هي أن هناك خطر أكبر كثيرا الآن – وهو الفارق بين النتائج المطلوبة والوسائل – أكثر مما كان من قبل.

تمثلت الجهود التي كان يفترض أن تنهي تلك الدائرة في تقرير مراجعة الدفاع الرباعية لعام 2014، الذي أبطل دليل استراتيجية الدفاع لعام 2012، وأصبح يمثل استراتيجية الدفاع الوطني السائدة. إلا أنها لم توجد حلا للفارق بين الغايات والوسائل والخطورة الكامنة في ذلك الوضع، حسبما يوضح تقرير لجنة الدفاع الوطني الممثلة للحزبين بتقرير مراجعة الدفاع الرباعية.

جرى كل ذلك قبل أن يتحول الوضع الجيوسياسي سلبيا بشكل حاد. فبينما كان الوضع الجيوسياسي الأمريكي واضحا بالنسبة للكثيرين منذ ثلاث أو أربع سنوات، أصبح الآن واضحا للجميع ما عدا الأشخاص الأضيق أفقا من مناصري الحزبين.

منذ إصدار جميع تلك الوثائق الاستراتيجية، وقبل إصدار الاستراتيجية العسكرية الوطنية هذا الأسبوع، كانت هناك وثيقة إضافية حساسة للإدارة وذات أهمية خاصة لاستراتيجية الدفاع، وهي الأجزاء المتعلقة بوزارة الدفاع في تسليم الميزانية للسنة المالية 2016. حيث تحاول الإدارة أن تتراجع عن حجز الميزانية رغم أنها على الأرجح لن تعود إلى المستويات المتصورة في دليل استراتيجية الدفاع لعام 2012.

بعد الإطلاع على سياق صياغة الاستراتيجية العسكرية الوطنية، وأنها تشكل مجموعة شاقة من القيود التي اضطر الجنرال ديمبسي لإدارتها. إنفاق الدفاع منخفض للغاية ويعاني سوء التوزيع – ولكن ديمبسي لا يستطيع تغيير ذلك. يزداد الموقف الأمريكي العالمي صعوبة، ولم يربح أوباما معظم الرهانات الجيوسياسية التي أقدم عليها – ولكن ديمبسي لا يستطيع تغيير ذلك أيضا. على المستوى الاستراتيجي الوطني، لا يزال أوباما يضع أهدافا طموحة ويرفض أن يعترف بأن أساليبه السابقة قد فشلت – ومجددا، لا يستطيع ديمبسي تغيير ذلك.

في ضوء تلك القيود، يستحق ديمبسي الإشادة لصياغته لاستراتيجية عسكرية وطنية بتلك النزاهة، في الواقع، هي نزيهة لدرجة أنني متفاجئ أن البيت الأبيض لم يوقف إصدارها. أقرت الاستراتيجية العسكرية الوطنية الآتي:

_"تعتبر البيئة الأمنية اليوم الأكثر تقلبا منذ 40 عاما، حسبما يرى ديمبسي".

_"منذ ... 2011، زادت الفوضى العالمية بشكل كبير بينما بدأت بعض أوجه تقدمنا العسكرية في التراجع".

_"إلا أنه في ضوء أن بعض الدول تحاول أن تغير جوانب رئيسية في النظام العالمي وتتصرف بأسلوب يهدد مصالح الأمن القومي الخاصة بنا". ثم تحددهم: روسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، والصين. لا يمثل ذلك تعبير "محاور الشر"، ولكن تلك الإشارة صادمة وجديرة بالملاحظة، خصوصا أنها في وثيقة معلنة.

_"اليوم، تقيم احتمالية مشاركة الولايات المتحدة بقوة كبيرة في حرب بين الدول بأنها قليلة ولكنها تنمو". التنبيه على أنها "تنمو" يمثل اعترافا لافتا للنظر من قبل أكبر ضابط بالجيش.

_تمثل النقاط السابقة حقائق استراتيجية هامة تعادل تحذيرا واعيا للغاية. إلا أنه عندما يتعلق الأمر بتحديد الاستجابة المناسبة لتلك الحقائق، تعتبر الاستراتيجية العسكرية الوطنية أقل إرضاء.

_تذكر الاستراتيجية أن مواجهة تآكل الوضع الجيوسياسي لأمريكا ستتطلب منا "تعديل موقفنا العالمي" ولكنها لا تحدد الكيفية.

_يبدو أنها تميز بين "الردع، والرفض، والهزيمة" و"العرقلة، والإضعاف، والهزيمة"، حيث تمثل المصطلحات الأولى الاستراتيجية الملائمة للدول، بينما تشير الأخيرة إلى التنظيمات المتطرفة العنيفة – ولكنها لا تشرح الفارق.

_تقر الاستراتيجية بأهمية الحلفاء، ولكنها لا تقر حقيقة أن علاقاتنا مع حلفاءنا متوترة وفي حاجة للإصلاح، ولا تحدد كيفية استرجاع تحالفاتنا دون تحمل عبء أكبر من الذي كان الرئيس أوباما مستعدا لتحمله.

_والأهم من ذلك، تواري الاستراتيجية فرصة ضغط الفارق بين الغايات والوسائل. وفي الجزء الحاسم الخاص بـ"توفير الموارد للاستراتيجية"، بالكاد "تتحمل الاستراتيجية الالتزام بإظهار السيطرة العالمية" وتنص على أن تلك الموارد ضرورية. ولا تنص صراحة على نقص الموارد.

قد يقول أحدهم إن أجزاء الاستراتيجية العسكرية الوطنية لعام 2015 التي كانت أكثر إرضاء هي الأجزاء المبنية على الشروط القانونية، والأجزاء التي كانت أقل إرضاء لم تكن ضرورية على النحو الرسمي. ربما، ولكن الاستراتيجية تبدو مشيرة إلى أن الجيش يعتقد أننا في وضع جيوسياسي أكثر خطورة بكثير مما يقر البيت الأبيض عادة. إن كان ذلك صحيحا فقد نحتاج مع الوقت لاستراتيجية أكثر إرضاء مما يقتضي القانون.

ولكن إن لم تجب الاستراتيجية عن السؤال بوضوح كما يفترض أن تجيب، ستفتح الباب لطرح أسئلة حيوية، يجب مواجهتها، وبينها أسئلة قد تسبب بعض الاستياء داخل الإدارة. وتلك إشارة يجدر إدراكها.

بيتر دي فيفير أستاذ العلوم السياسية والسياسة العامة وحاصل على زمالة "باس" بجامعة ديوك، ومدير معهد "تريانجل" للدراسات الأمنية وبرنامج "ديوك" في مركز "أميركن جراند ستراتيجي".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب